أتر

عين على بارا: جناين ومعسكرات

منذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة بارا بشمال كردفان في يوليو 2023، تحوَّلت المدينة الجميلة إلى قاعدة عسكرية، انتشر فيها جنود ومستنفرو الدعم السريع المُتفلّتون، الذين لا يتردَّدون في نهب الممتلكات والتعدِّي على الأنفس، بينما نزح سكانها فراراً من انتهاكات الدعم السريع.

أضحت جنائن بارا الوريفة المُخضرَّة مكمنَاً للسيارات العسكرية القادمة من الجزيرة والخرطوم وأطراف النيل الأبيض وسنار والقضارف، مُحمَّلة بأدوات الموت ومُثقلةً بالهزيمة الماحقة وعار الشفشفة وسرقة الأرزاق.

يقول إبراهيم عبد القيوم، وهو أحد سكان بارا الذين فروا إلى مصر، إنهم تركوا منازلهم ومصادر رزقهم ونجوا بأنفسهم من الموت. ويتابع في حديثه لـ «أتر»: «لم يكن أمامنا خيار سوى ترك مُمتلكاتنا خلفنا، لأن جنود الدعم السريع ومستنفريه ما كانوا سيُبقون لنا شيئاً. جميع الممتلكات على قلَّتها عرضةٌ للنهب تحت تهديد السلاح، ولا يَقتصر الأمر على أخذها عنوةً، إذ يُمكن أن يُقتل صاحبها، حتى لو لم يُظهِر أيَّ مقاومة».

ويضيف إبراهيم لـ«أتر»: «تركنا المنازل بما فيها من أثاث وأشياء مُهمَّة في حياتنا، وعلمنا أنها شُفشفت، المصطلح الجديد لنوع سرقة لم نشهدها من قبل، ولم يخطر على بالنا حدوث مثلها في أسوأ الظروف والأحوال».

قطع الجناين

سُرقت الطلمبات التي كانت تروي الجناين أو شُلّعَتْ. وأُلحق بالجناين أشدُّ الضرر عندما حولتها الدعم السريع إلى معسكرات يتجمّع فيها مئات الجنود، وأُخفيت المركبات العسكرية بين أشجارها

مُذْ بدأ سكان المدينة العريقة مغادرتها، تغيَّرت ملامح شوارعها، وذبلت أشجار جناينها الشهيرة، وجفَّ الماء من عروقها كما توارى الأمن من الطرقات المُحيطة بها. ويقول إدريس وهو اسم مستعار لأحد ملاك الجناين، فضَّل حجب اسمه الحقيقي خوفاً من الانتقام، إن انعدام المياه قَتَلَ الأشجار التي ذبلت تباعاً وكأنها تألمت لما جرَى. ويضيف في حديثه لـ «أتر»: «سُرقت الطلمبات التي كانت تروي الجناين أو شُلّعَتْ. وأُلحق بالجناين أشدُّ الضرر عندما حولتها الدعم السريع إلى معسكرات يتجمّع فيها مئات الجنود، وأُخفيت المركبات العسكرية بين أشجارها».

ويقول أحد ملاك الجناين ببارا لـ «أتر»، إن وجود النازحين داخل الجناين كان قراراً إجبارياً بالنسبة لهم، لأن قادة الدعم السريع سَمَحُوا للنازحين بالإقامة فيها مما أضرَّ بها كثيراً.

ويُضيف المالك الذي فضَّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، إن النازحين قَطَعوا الأشجار لبناء الخيام التي يُقيمون فيها، وكذلك لاستخدامها وقوداً لإعداد الطعام لانعدام الغاز والفحم، ما جعل أصحاب الجناين يخسرون أشجاراً مُنتِجة بعضها معمر لسنوات ومن الصعوبة زراعتها مُجدّداً.

وعلى الرغم محاولة الدعم السريع إخفاء مظاهرها العسكرية بين أشجار جناين بارا التي زُرعت في خمسينيات القرن الماضي، إلا أن المدينة لم تنجُ من الطلعات الجوية لطائرات الجيش الحربية، فقد حدث آخرُ قصفٍ لبارا في أبريل الماضي، وقُتل فيه عددٌ من المدنيين بينهم امرأة وفقاً لمعلومات حصلت عليها «أتر».

نازحون من الخرطوم إلى بارا

وبعد تقدم الجيش في ولاية الخرطوم واستعادتها كاملة، شهدت المدينة موجات نزوح من أم درمان والخرطوم فراراً من تقدم الجيش فيهما. ووصلت إلى بارا مئات الأسر التي لم تُغادر منازلها في الخرطوم وأمبدة منذ بدء الحرب وحتى أثناء احتدام المعارك، إذ كثيراً ما لحق الأذى بسكان تلك المناطق بتهمة تعاون أفرادها مع الدعم السريع.

تُقيم عشرات الأسر داخل الجناين في خيام أعدّتها من حطب الأشجار والمواد المحلية الأخرى، وأكثر الأسر قَدِمَتْ مذعورةً من الخرطوم، وقليلٌ منها من مدن الرهد وأم روابة بشمال كردفان ومن ولاية النيل الأبيض

ويحكي أحمد، وهُو أحد سكان دار السلام بأمبدة قصة وصوله إلى بارا بأسرته المُكوَّنة من والدته وشقيقتيه لـ «أتر» قائلاً: «لم تكن لديَّ أي سابق معرفة ببارا، وعندما اندلعت الحرب لم نملك إمكانيات مالية للنزوح خارج ولاية الخرطوم، فصبرنا على المخاطر التي كانت تُحدق بنا في منزلنا بدار السلام ولم نغادره، على أمل أن تتوقف الحرب. ولأننا لم نشارك فيها لم نتوقع أن يلحقنا أي ضرر بعد تحرير المدينة». ويضيف أحمد، الذي يوجد حالياً بأسرته داخل إحدى الجناين ببارا، أنهم رأوا بأعينهم الإعدامات الميدانية والانتهاكات التي لحقت بالمواطنين في المناطق التي استردّها الجيش؛ وخوفاً من الأذى فرّوا بعد استعادة مدينة الخرطوم، وقبل تقدّم الجيش في أمبدة، ووصلوا إلى بارا بشقّ الأنفس، إذ إنهم لا يملكون وسيلة نقل، وليست لديهم مُدّخرات مالية.

بجانب أسرة أحمد، تُقيم عشرات الأسر داخل الجناين في خيام أعدّتها من حطب الأشجار والمواد المحلية الأخرى، وأكثر الأسر قَدِمَتْ مذعورةً من الخرطوم، وقليلٌ منها من مدن الرهد وأم روابة بشمال كردفان ومن ولاية النيل الأبيض.

انعدام الأدوية ومياه الشرب

ويُعاني سكان المدينة من انعدام الرعاية الصحية والطبية. ويقول أحد السكان لـ «أتر»، إن المستشفيات أَغلقت أبوابها مبكراً بعد سيطرة قوات الدعم السريع، لأن جنودها كثيراً ما اعتدوا على الأطباء والكوادر المُساعِدة الأخرى.

ووصف المصدر الوضع الصحي بالمتردي، قائلاً إن بعض المساعدين الطبيين يعملون حالياً في عيادات خاصة مُتواضعة، وهؤلاء أنفسهم لا يَسلمون من خطر انتهاكات الدعم السريع بين الحين والآخر. أما الاختصاصيون والأطباء والكوادر الصحية الأخرى، فقد تركَ جميعهم العمل في بارا ونزحوا إلى مناطق أكثر أماناً.

أما الأدوية والعقاقير الطبية، فتباع في أماكن غير مُخصَّصة لبيعها، إذ يُخبر المصدر أن الصيدليات نُهبت منذ سيطرة الدعم السريع على المدينة، وفي الوقت الراهن يجلب بعض المواطنين غير المختصين في مجال الصيدلة أنواعاً مختلفة من الأدوية بطرق غير رسمية ويَعرضونها للبيع من منازلهم أو في الأسواق التي نشأت أثناء سيطرة الدعم السريع على المنطقة.

وتصف المصادر عمليات بيع الأدوية بأنها أصبحت تُشبه بيع السلع التجارية الأخرى، ولا تتقيَّدُ بالأسعار المحددة، إذ يبلغ سعر حبوب الملاريا في بعض الأوقات 50 ألف جنيه سوداني، وفتيل بندول الأطفال المعروف بخافض الحرارة يباع أحياناً بـ 30 ألف جنيه سوداني، ورغم أن بعض هذه الأدوية تكون منتهية الصلاحية أو تالفة لكن السكان يلجأون لشرائها لانعدام البدائل.

تقول عدد من المصادر في المدينة، إن الدعم السريع نَقَلَ آلياته العسكرية الثقيلة من الخرطوم إلى بارا، وكذلك أهم قادته الميدانيين، وإن المدينة والمناطق المُجاوِرة لها مُقسّمة حسب المجموعات العسكرية

جوع وغلاء

ويعاني السكان والنازحون في بارا من نُدرة المواد الغذائية، التي تأتي من مناطق أم صميمة وحمرة الشيخ وأم دم حاج أحمد بولاية شمال كردفان، وبعضها يأتي من الدبَّة بالولاية الشمالية، وتُنقل من تاجر إلى آخر حتى تصل بارا فتكون أسعارها قد تضاعفت عدَّة مرَّات.

ويقول أحد النازحين الذين يُقيمون في بارا، إن الأسعار لا يُراعى فيها وضع الناس، إذ يُباع رطل السكر الواحد بخمسة آلاف جنيه، وكيلو الرز بستة آلاف جنيه، وكيلو العدس بسبعة آلاف جنيه، وملوة البصل بعشرة آلاف جنيه؛ أما جوال الذرة الفيتريتا فسعره 230 ألف جنيه وجوال دقيق الخبز زنة 25 كيلو يُباع بـ 50 ألف جنيه.

ويُفيد النازح الذي اشترط عدم ذكر اسمه لـ «أتر»، بأنه حتى ولو كانت أسعار المواد بنصف قيمتها الحالية، لما تمكن الناس من الحصول عليها لأنهم لا يملكون أيَّ مدخرات مالية، ويَعتمدون كلياً على التكايا والمطابخ الخيرية في المدينة، ويخبر بأن التكايا يُقيمها خيّرون يجمعون لها المال من داخل السودان وخارجه، لكن الدعم السريع لا تُشارك في دعمها ولا تَعترض عليها، ولا تتدخل فيها وليس لها علاقة بالمشرفين على التكايا بقدر ما توفر لهم الحماية من جنودها المتفلتين في بعض الأحيان.

تطورات مُتلاحِقة

تقول عدد من المصادر في المدينة، إن الدعم السريع نَقَلَت آلياتهت العسكرية الثقيلة من الخرطوم إلى بارا، وكذلك أهم قادتها الميدانيين، وإن المدينة والمناطق المُجاوِرة لها مُقسّمة حسب المجموعات العسكرية، إذ تدير مجموعة جلحة – القائد السابق في الدعم السريع والذي قُتل في الخرطوم – منطقةً، ومجموعة قجة منطقة أخرى، إضافة إلى مجموعات عسكرية كثيرة بعضها يتبع لأبناء المنطقة أنفسهم، ويُشرف عليها من أعلى أحد اللواءات بالدعم السريع يُدعى الناعم.

وعقب سيطرة الجيش على آخر مَعاقل الدعم السريع بالريف الجنوبي لأم درمان وإعلان سيطرته على كامل ولاية الخرطوم، يُتوقع أن تنتقل قوات الدعم السريع التي مُنيت بالهزيمة في أم درمان إلى جهة بارا. ويتوقع مصدرُ محليٌّ تحدَّث لـ «أتر» حدوثَ زيادة هائلة في عدد النازحين الذين سيَفرُّون من أم درمان إلى بارا، ما سيؤزم الوضع المعيشي والصحي المتردي أصلاً في المدينة.

وقال المصدر، إن الخطورة تتجلَّى في زيادة حالة الانفلات الأمني، الذي سوف يُحدثه جنود الدعم السريع القادمون من أم درمان، وهم في حالة هزيمة وانكسار وغضب، ولا يُستبعد أن يفرغه كثير منهم في سكان المدينة، التي ظلَّت تتعرَّض للانتهاك تلو الانتهاك منذ وقوعها تحت سيطرة الدعم السريع قبل حوالي سنتين.

Scroll to Top