عليها بحلول نوفمبر 2023، تشهد ولاية غرب دارفور، ولا سيما حاضرتها مدينة الجنينة، حركةً تجاريةً نشطة، بعد أكثر من عامين من العنف المفرط والتدهور الأمني، تعرّض خلالهما سكّان المدينة إلى تهجير قسري طال أحياءها العريقة. ومع ازدهار الحركة التجارية في سوقها، وقربها من الحدود بين السودان وتشاد، باتت الجنينة مصدراً مهماً للبضائع والسلع، ما شدّ إليها مزيداً من التجّار والأهالي القادمين عودةً أو نزوحاً أو اختياراً للسكنى والمتاجرة بها.
يخبر عمر محمد، اسم مستعار، لتاجر مواد غذائية في سوق الجنينة، مراسل «أتَـر»، بأنّ أغلب البضائع تدخل من معابر غرب دارفور ومنافذها الحدودية، لتصل إلى سوق الجنينة وتتوزّع من ثمّ إلى بقية ولايات دارفور، خاصة أنّ التدهور الأمني وانقطاع الطرق بين ولايات دارفور وولايات وسط السودان وشماله وشرقه قد أعاقت الحركة التجارية طوال سنتي الحرب.
ومع ذلك، يختلف النشاط التجاري الحالي كثيراً عن ذلك الذي كان قبل أبريل 2023، إذ برزت هياكل اقتصادية أخرى تحدّدها شروط اقتصاد الحرب وتقودها أطراف جديدة تمتلك رأس المال ووسائل النفوذ. ويحمل مشهد السوق الحالي طابعاً مزدوجاً: من جهة، هو علامة على استمرار الحياة رغم الدمار، ومن جهة أخرى، يعكس تحوّلات جديدة في توزيع الموارد والسُّلطة الاقتصادية داخل المدينة.
بضائع داخلة وأخرى خارجة
حوّلت الدعم السريع وإداراتها المدنية تصدير الماشية والصمغ العربي والمحصولات إلى تشاد، بدلاً من نقلها إلى معابر وموانئ شرق السودان وشماله، ما أدى إلى انتعاش بعض الأسواق الحدودية التجارية مثل فوربرَنقا.
يتشكّل المشهد الاقتصادي الجديد في غرب دارفور مُعتمداً على الحدود المفتوحة مع تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى. هذه الحدود، التي لطالما كانت معبراً طبيعياً للسلع والتجارة العابرة، وملتقىً للتجّار من دول غرب أفريقيا مثل النيجر ونيجيريا ومالي، أصبحت اليوم، خلال حرب أبريل المشتعلة، شريان الحياة الرئيس الذي يُبقي على الحدّ الأدنى من النشاط الاقتصادي في إقليمٍ تتآكل فيه مؤسسات الدولة، وتنهار الأنظمة الرسميّة، وتتداعى الأشياء باستمرار.
متحدّثاً لـ «أتَـر»، يقول جمال أبكر، اسم مستعار لتاجر يعمل في التجارة بين تشاد وغرب دارفور، فضّل عدم الإفصاح عن هويته، إنّ سلعاً كالوقود، والصابون، والمواد الغذائية «السكّر والأرز والمكرونة والشعيرية والدقيق والحلويات والبلح»، ومواد البناء «الحديد والخشب»، والملابس المستعملة، والهواتف المحمولة، تصل مُهرَّبَةً إلى سوق الجنينة عبر الكُفرة الليبية، والطينة وأدْري على الحدود مع تشاد، وفوربَرَنْقا التي تشتهر بتجارة الماشية، وأم دُخن وأم دافوق على تخوم جمهورية أفريقيا الوسطى.
وفي جميع هذه المعابر الحدودية، حلَّتْ نقاط جباية غير رسمية محلّ النقاط الجمركية، وتفرض رسوماً تتراوح بين 20 و100 ألف جنيه سوداني للعربات الصغيرة وعربات النقل التقليدية مثل الكوارُّو والتكاتك، أما الشاحنات الكبيرة فتدفع ما يترواح بين مليون ونصف و6 ملايين جنيه سوداني أو ما يعادلها بالعملة التشادية. كذلك زاد غياب الدولة وانتشار العصابات والمليشيات من انتشار سوق تهريب السلاح.
ويخبر إدريس حسن، اسم مستعار، وهو تاجر في سوق الجنينة، بأنّ الدعم السريع وإداراتها المدنية حوّلت تصدير الماشية والصمغ العربي والمحصولات إلى تشاد، بدلاً من نقلها إلى معابر وموانئ شرق السودان وشماله، ما أدى إلى انتعاش بعض الأسواق الحدودية التجارية مثل فوربرَنقا، وظهرت شركات ومجموعات أعمال وتجّار جُدد كانوا عاطلين عن العمل سابقاً أو يعلمون في أعمال هامشية.
الفرنك التشادي: عُملة الحدود
أصبح انتشار العملة التشادية في أسواق مدينة الجنينة ومحيطها من أبرز ملامح التحوّل الاقتصادي في غرب السودان، نتيجة للتشابك الاقتصادي والاجتماعي العميق مع دولة تشاد المجاورة. ومع الانهيار المستمرّ للجنيه السوداني أمام الدولار، أقبَل السكّان والتجّار على تداول الفرنك التشادي واعتماده وسيلةً رئيسةً للتعاملات اليومية، في ظلّ شحّ السيولة النقدية للجنيه السوداني، وانتشار عملة مزوّرة تسمح السلطات المسيطرة بتداولها.
غير أنّ تذبذب سعر صرف الفرنك أمام الدولار أدّى بدَوره إلى تقلبات حادّة في أسعار السلع داخل أسواق الولاية، ما زاد من حالة اللايقين الاقتصادي، وأثّر مباشرةً على حياة السكان، لا سيما المهجَّرين والنازحين الذين فقدوا مدّخراتهم ومصادر دخلهم، ووجدوا أنفسهم أمام واقع اقتصادي جديد، يفرض عليهم التعامل بعملة أجنبية لا يملكونها ولا يتحكّمون في قيمتها.
بات السكّان والتجّار في الولاية يفضّلون التعامل بالفرنك التشادي نظراً لقيمته الأعلى، وارتباطه الوثيق بحركة الاستيراد والتصدير عبر الحدود الغربية. ويؤدّي هذا الاعتماد إلى تفاوت في الأسعار بين المناطق، بحسب مدى قربها من الحدود ومدى استقرار سعر صرف الفرنك.
ووفقاً لأحد تجّار المواد الغذائية في الجنينة، طلب عدم الكشف عن هويته، فإنّ «الفرنك التشادي بات عملة مهيمنة في الولاية، ويُسهم سعره المرتفع مقارنة بالجنيه السوداني في رفع أسعار السلع، خاصة مع تذبذب سعر الصرف بين العملتين. في الوقت الراهن، يعادل الفرنك الواحد ضعف الجنيه السوداني، علماً بأنه كان يساوي نحو 1800 جنيه قبل شهرين فقط. يُلقي هذا التغيُّر المستمرّ بتأثير مباشر على تسعير البضائع، إذ إنها تُستورد بالفرنك وتُباع بالجنيه، ما يجعل الأسعار عُرضة للتقلّب المستمرّ».
ويضيف إدريس حسن أنّ السكّان والتجّار في الولاية باتوا يفضّلون التعامل بالفرنك التشادي نظراً لقيمته الأعلى، وارتباطه الوثيق بحركة الاستيراد والتصدير عبر الحدود الغربية، لا سيّما من خلال معابر أدري، أم دخن، فورْبَرنقا، قوز بيضة، الطينة، وأم دافوق. ويؤدّي هذا الاعتماد إلى تفاوت في الأسعار بين المناطق، بحسب مدى قربها من الحدود ومدى استقرار سعر صرف الفرنك.
وقود وعتاد وعشائر
يُهرَّب الوقود الليبي إلى غرب السودان عبر مسارين رئيسين، ضمن شبكة تهريب معقّدة تربط ليبيا بتشاد ثم السودان. يبدأ المسار الأول من منطقة كُوري كودي الحدودية بين ليبيا وتشاد، ويتّجه شرقاً عبر طريق طويل يمرّ بمدينة أبّشي في شرق تشاد، قبل أن يصل إلى الحدود السودانية عند معبر أدري، ومنه إلى الجنينة عبر منطقة أدِيكُونْق في غرب دارفور. هناك، يُنقَل الوقود باستخدام عربات التُكتُك أو الكارّو، أو سيارات لاندكروزر ذات سعة تتراوح بين 14 و17 برميلاً، لتُوزَّع لاحقاً إلى مدن نيالا وزالِنْجي والضّعين. أما المسار الثاني، فينطلق من الكُفرة جنوب ليبيا إلى مدينة أم جرس شمال تشاد، ومنها إلى معبر الطينة، ثم إلى الجنينة عبر أدري، حيث يُنقَل الوقود في تناكر ليبية، بحسب ما أفاد به التاجر جمال أبكر في حديثه لـ «أتَـر».
ويُحذّر أبكر من خطورة هذا الطريق، موضحاً أنه يُستخدَم أيضاً في نقل العتاد العسكري لقوات الدعم السريع، وفي توريد لوجستيات متنوّعة من ليبيا ومناطق تشادية مثل أم جرس. ويشير إلى حادثة وقعت أواخر أبريل الماضي، تعرّضت فيها ثلاث شاحنات كبيرة للنهب، وقُتلت خلالها امرأة وابنتها.
ويضيف أبكر أنّ المجموعات العربية في الجنينة، التي تستند إلى حماية قوات الدعم السريع وعلاقاتها الممتدة عبر الحدود، باتت تتحكم في مسارات هذه الأنشطة الاقتصادية الحيوية، بعد أن كانت تقليدياً تحت إدارة تجّار من إثنيّتَي الزغاوة والقرعان الناشطين بين السودان وتشاد.
في ظل الدمار الذي ألحقَتْه الحرب بأسواق الجنينة والقرى المحيطة، فقَد معظم التجار التقليديّين رؤوس أموالهم، إما نتيجة للنهب أو النزوح. في المقابل، برزت طبقة جديدة من التجّار ممن استفادوا من علاقاتهم مع قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها، لتسيطر تدريجياً على خطوط التجارة العابرة للحدود.
رأس المال والسلاح
في ظل الدمار الذي ألحقَتْه الحرب بأسواق الجنينة والقرى المحيطة، فقَد معظم التجار التقليديّين رؤوس أموالهم، إما نتيجة للنهب أو النزوح. في المقابل، برزت طبقة جديدة من التجّار ممن استفادوا من علاقاتهم مع قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها، لتسيطر تدريجياً على خطوط التجارة العابرة للحدود.
لم يزاول هؤلاء الفاعلون الجُدد النشاط التجاري من قبل، لكنهم استثمروا علاقاتهم القرابية والأمنية للوصول إلى سلع مدعومة أو منهوبة، واحتكروا توزيعها بأسعار مرتفعة، كما سيطروا على مسارات التجارة وفرضوا جبايات عشوائية. أدى ذلك إلى إعادة تشكيل بنية رأس المال التجاري في المدينة، لمصلحة شبكة ترتبط بالسُّلطة والسلاح أكثر مما ترتبط بالإنتاج أو السوق.
ومع انهيار المؤسّسات الحكومية وغياب السيطرة المركزية، وجدَت الإدارة المدنية التابعة للدعم السريع نفسها عاجزةً عن ملء الفراغ الإداري، ما فتح الباب أمام شبكات غير رسمية، تبدأ من لجان شعبية خاضعة للمليشيات، وتنتهي بتجّار يعملون في ظل أنظمة جباية ميدانيّة وترخيص غير رسمي على المعابر والطرق.
ساهم هذا الواقع في تعزيز اقتصاد مُوازٍ يجري فيه تداول السلع والأموال خارج أي رقابة مؤسسية، ما زاد من صعوبة التحقّق من حجم النشاط التجاري أو ضبط حركة الموارد، وفتَح الباب أمام تهريب واسع للعملات والسلع.
يقول إدريس حسن لـ «أتَـر» إنّ تجّاراً جدداً من المجموعات العربية – لم يكن لهم نشاط يُذكر في أسواق الجنينة سابقاً – باتوا اليوم يملكون متاجر كبيرة، وعقارات، وأراضيَ سكنية. ويضيف أن بعض الأهالي المهجّرين اضطروا لبيع ممتلكاتهم بعد أن فقدوا الأمل في العودة القريبة أو استرداد ممتلكاتهم في ظل الانهيار القانوني.
بدَوره، يرى القانوني عبد الباسط الحاج أنّ التهجير القسري لسكان الجنينة، خاصة من المساليت، تزامَن مع نشوء هذه القوى الاقتصادية الجديدة. ويوضح: «تشهد المدينة اليوم بيعاً وشراءً في المحال التجارية والعقارات والمنازل في أحياء استراتيجية، وسط صعود لزعماء الدعم السريع وبعض شيوخ القبائل العربية الذين أصبحوا في موقع قوة بعد الحرب، ويستخدمون واجهات تجارية وشركات ويسندون لأبنائهم المتعلمين إدارة شبكات اقتصادية ممتدّة بين السودان وتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى».
ويحذّر الحاج من أنّ استمرار الحرب يعمّق هذه التحوّلات، ويُرسّخ واقعاً اقتصادياً جديداً قد يَصعُب تغييره مستقبلاً، في ظلّ التراجع المطّرد للنفوذ الاجتماعي والاقتصادي للجماعات المهجّرة. فكلما طال أمد النزاع، «باتت العودة إلى المساحات التجارية والزراعية، ومن ثمّ الذاكرة الاجتماعية المرتبطة بها، أكثر تعقيداً من أي وقت مضى».
موت الزراعة
على الجانب الإنتاجي، سُحقت الزراعة تحت وطأة الحرب. امتدّت العمليات العسكرية إلى المناطق الزراعية، وتعرّض المزارعون للنهب والاعتداء، بينما سيطرت المليشيات على طرق الإمداد، ما أدّى إلى تعذر الوصول للبذور والسماد والوقود. انهارت المواسم الزراعية في عامي 2023 و2024، وتراجَع إنتاج الغذاء، وزاد اعتماد السكّان على المعونات في ظل خوف متزايد من العودة إلى الزراعة.
يقول حسن خالد، اسم مستعار، وهو مُزارع من حي الجبل في مدينة الجنينة، لـ «أتَـر»: «اختفت الزراعة في أغلب الأراضي جنوب غرب الجنينة بسبب تهجير السكان. قد تتصحّر هذه الأراضي إن لم يُعتنَ بها، أو قد يستغلّها الرعاة والمزارعون من مجموعات أخرى، ما يعني خسارة مجتمعات بأكملها مثل المساليت لدَورها الإنتاجي».
ويضيف محمد، مزارع آخر من المنطقة: «كان موسم 2023 من أسوأ المواسم، بسبب انعدام الأمن، وانقطاع التمويل، ونقص مستلزمات الزراعة. ومع تغيُّر المناخ وتمدُّد المليشيات، ساءت الظروف أكثر في 2024 و2025، ما أدّى إلى انخفاض حادّ في الإنتاج وارتفاع أسعار المحاصيل».



