لا يزال القانون في السودان، ولا أسمّيه «القانون السوداني» في هذا المجال، يتخبّط بين التبعية الاستعمارية، من جهة، وهمجية الإسلاميّين، من الجهة الأخرى، حتى اليوم. ولعلّ الانهيار الراهن للدولة نفسها يتيح الفرصة لأول مرة في تاريخ السودان لتأسيس مفهوم القانون وتحقيق هويّته الشاملة لجميع السودانيين، من غير أيّ تمييز على أساس الدين أو الجنس أو العنصر، وهو ما لم يحدث من قبل. ومن تجربتي الشخصية، فقد درستُ القانون بجامعة الخرطوم 1965-1970، وحصلتُ على الترخيص للعمل بالمحاماة منذ عام 1970، وعملتُ بتدريس القانون في عدد من الجامعات الأمريكية والكندية وغيرها. ومن هذه التجارب أقول إنّ النظام القانوني السوداني لمّا يُولَد حتى الآن، كما سأشرح وأدلّل في هذا المقال. كما أقدّم هنا للنقاش مشروع ميلاد النظام القانوني السوداني، وأصف أسسه الضرورية، ومؤسّساته اللازمة ليكون نظاماً متكاملاً، لأول مرة في التاريخ.
ويقوم هذا التصنيف على أسس مبدئية، وتحليل موضوعي، لتجربة جميع أهل السودان حتى الآن، وليس وقفاً على «السودان النيلي». والحديث هنا هو عن القيم والمبادئ المستقرّة في الوجدان الإنساني والتجارب الثقافية للمجتمعات الإنسانية بعامّة، وعلى أساس مبدأ «عامل الناس بما تحبّ أن يعاملوك به». وإنما على هذا الأساس، ومن الناحية المبدئية، يتعيّنُ أن ينبعث ويتطوّر النظام القانوني دائماً من الإرادة الحرة لجميع المواطنين، ويخدم مصالحهم وتطلّعاتهم كما يعبّرون عنها بأنفسهم، وليس كما تفترضها وتفرضها حفنة متسلّطة. وعند النظر التحليلي الموضوعي، نجد أنّ هذا الشرط التأسيسي للقانون لم يتحقّق لأيّ قطاع من السودانيين، ولا حتى لأهل السودان النيلي، إلا في الخيال المتسلّط للصفوة الحاكمة: الاستعمارية التركية المصرية أولاً، ثم فتنة الحرب الأهلية طوال فترة المهدية، والاستعمار البريطاني المصري، ثم الحكومات المدنية والانقلابية المتعاقبة منذ الاستقلال المزعوم، وكارثة مزاعم تحكيم الشريعة الإسلامية خلال قوانين سبتمبر عام 1983، إلى فتنة نظام الإنقاذ منذ 1989 حتى اليوم.
لقد برَز السودان إلى حيّز الوجود قُطراً مُوحَّداً أوَّلَ مرة خلال الغزو التركي المصري عام 1821، لكنه لم يستوفِ شروط «الدولة القُطرية» منذ توحيده خلال ذلك الغزو، إلا بالمعنى الإصلاحي العام اللازم لتمييزه من الدول الأخرى. ولا يتّسع المجال هنا للتفصيل، لكن من الواضح، لدى النظر الموضوعي، أنّ السودان بوصفه قُطراً موحَّداً لا يزال مجرّد مشروع في خيال بعض مواطنيه. وهذا بالطبع صحيح في حالة معظم الدول الأفريقية وغيرها، لكننا نجد أنّ أغلب تلك الدول تجاهد للانتفاع من تجاربها في تصعيد وترسيخ الكيان القُطري المركزيّ لدولتها. وعلى كل حال، فموضوع هذا المقال هو إمكانية إنشاء وتطوير النظام القانوني السوداني الحقيقي الجدير بالتسمية، لأن ذلك هو مسؤوليتنا وواجبنا المباشر، بصرف النظر عن الموقف في قُطر آخر.
معالم الأطروحة
إنّ أكبر العقبات أمام إمكانية إنشاء النظام القانوني السوداني بالمعنى المُشار إليه أعلاه، هي العنصرية والعِرقية والجهوية التقليدية، كما يشجّعها ويستغلّها الإسلام السياسي منذ الثمانينيات من القرن العشرين في خدمة مصالحه السياسية والاقتصادية. وفي مواجهة هذا الواقع، أرى أنّ الأسبقيّة الأولى هي الاتفاق على المبادئ والأسس التي تقوم عليها استراتيجيات العمل لتأسيس النظام القانوني السوداني الشامل لجميع السودانيين:
أولاً، تجسيد قيَم ومبادئ النظام القانوني على الممارسة الإنسانية المتبادلة، في الحرص على حقوق ومصالح جميع المواطنين فيما بينهم، خارج إطار الدولة ومؤسّساتها، وسياسات الحكومات وممارساتها، بخيرها وشرّها. فالدولة والحكومة هما محض أداتين في أيدي الناس، ولا تحقّقان في الواقع إلا ما يستثمره المواطنون فيهما بنموذج سلوكهم اليومي والقدوة الحسنة التي يقدّمونها لبعضهم البعض. وهذا التأسيس يقتضي مواجهةَ التمييز والاضطهاد على أساس الدِّين أو الجنس أو العنصر أو الجهة. وتكون المواجهة على مستويات؛ من المستوى الشخصيّ في العلاقات الأسرية والاجتماعية، ليكون تصحيح السلوك الخاطئ في لطف ولباقة، إلى المستوى العام الذي يستدعي المواجهة في وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة والإعلام. كما يقتضي الأمر أحياناً اللجوء إلى السّلطات الإدارية والقضائية لتطبيق القانون العام.
ثانياً، التوعية الشاملة بأنّ الفصلَ الصارم والمؤسّسي بين الدِّين والدولة ضروريّ لضمان التقوى الخالصة في المجتمع، ولا يعني إقصاءَ الدِّين عن الحياة العامة. ودَور الشريعة الإسلامية إنما يكون في التزام المسلمين بأحكامها عن طواعية وليس من خلال التطبيق القهريّ بواسطة أجهزة ومؤسسات الدولة التي تَفسد وتُفسد إذا حاولت فرض أحكام الشريعة الإسلامية بالسُّلطة الجبرية. وبحكم طبيعة وأغراض الشريعة الإسلامية، لا يصحّ العمل بأحكامها إلا في حرّيةٍ كاملةٍ وقصدٍ خالصٍ هو «النيّة» المطلوبة في كل عمل دينيّ، وينطبق هذا على ما يُسمّى «أحكام المعاملات»، مثل تحريم الربا وشروط البيع، كما يقوم في أمر العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج، فكلّ أحكام الشريعة الإسلامية مُلزِمة للمسلم دينياً بمعزل عن سُلطة الدولة الجبرية.
ثالثاً، التوعية الشاملة بضرورة منع الدولة من ادّعاء قداسة الدِّين وسُلطته الروحية. إنّ للدولة وظائفها وأغراضها المعلومة، وهي مؤسَّسة سياسية مدنية لا يصحّ أن يُنسب لها الاعتقاد الديني أو النيّة اللازمة لصحّة العمل الديني. كذلك من المعلوم أنّ سلوك القائمين على مؤسسات الدولة وأجهزتها يتأثّر بمعتقداتهم الدينية الخاصة، إلا أنّ ذلك لا يجعل الدولة نفسها إسلامية، وإنما يؤكّد ضرورة تمييزها عن الإسلام، لأن سلوك الحاكم إنما يعبّر عن فهمه هو للأحكام الشرعية، وهو مجال اختلاف واسع ومتشعّب بين المسلمين على مدى التاريخ، فالإسلام هو عقيدة المسلم التي يُحاسَب عليها حسب صحّة عِلمه وعَمله، بينما تقتضي الدولة استمرارية العمل المؤسّسي في الحكم والإدارة والقضاء وما إلى ذلك من وظائف عامة.
رابعاً، قد تتولّى الدولة دَوراً محدوداً في تحقيق أغراض الشريعة من خلال التشريع والإدارة والعدل، شريطة أن يكون ذلك في حدود الدستور وسيادة حكم القانون العام، ويُتجنَّب ادّعاء أنها تُحقَّقه باسم الإسلام أو الشريعة الإسلامية؛ لأنّ عمل الدولة هو بالضرورة عمل بشريّ لا يجوز أن نسبغ عليه قداسة الدّين. والمطلوب هو «حياد الدولة تجاه الدين»، فلا تحابي ولا تعادي أيّ مفهوم أو معتقد ديني، وإنما تعتمد جميع مؤسّساتها وأعمالها مرجعيةَ مبادئ المواطَنة والحكم الدستوري في السياسات والقوانين العامة. والغرض من هذا الحياد هو ضمان الحرية والمسؤولية الفردية الدينية في إطار المجتمع، وليس إقصاء الإسلام عن السياسة، لأنّ ذلك غير ممكن ولا مرغوب فيه.
خامساً، لتحقيق مهامّها، يتعيّن على الدولة أن تحتكر استخدام العنف؛ أي القدرة على فرض إرادتها على عموم السكان. وهذه القدرة على إنفاذ إرادتها بالقوة الجبرية، التي بلغ مداها وتأثيرها الآن مدىً لم تصله من قبل قطّ طوال التاريخ الإنساني، سوف تأتي بنتائج ضارة بالمجتمع إذا استُخدمت على نحو غير منظَّم، أو لأهداف فاسدة أو غير مشروعة. لهذا من الضروري إخضاع جميع أعمال الدولة لضوابط الحكم الدستوري، وبخاصة المحافظة على حيادها تجاه الدِّين، بقدر الإمكان، وهو حيادٌ يقتضي اليقظة المستمرّة والعمل من خلال عدد من الاستراتيجيات والآليات السياسية، والتشريعية، والتعليمية، وغيرها. كما يقتضي حيادُ الدولة تجاه الدِّين، والتمييز بين الدولة والسياسة، تفاعلاً مستمراً بين أدوات الدولة ومؤسساتها من ناحية، وبين القوى الاجتماعية والسياسية، من ناحية أخرى.
سادساً، تتضح هذه الحاجة إلى التمييز بين الدولة والسياسة من تجارب هيمنة الحزب الواحد على الدولة، من ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي إلى كثير من الدول الأفريقية والعربية، طوال العقود الأخيرة من القرن العشرين، سواءٌ أكان ذلك نظام القومية العربية الناصرية في مصر، أم حكم حزب البعث في سوريا والعراق، أم حكم الجبهة القومية الإسلامية في السودان، حيث صارت الدولة أداةً طيعة للحزب الذي أصبح ذراعها السياسية. ففي هذه الأنظمة الشمولية صار القضاء وأجهزة الأمن والسلك الإداري والدبلوماسي وغيرها من مؤسسات الدولة كلها أدوات لإرادة الطغمة الحاكمة. في تلك الظروف، وقع المواطنون بين شقّي رحى، أحدهما الحزب والآخر الدولة، دون أمل في خلاص من قهر الحكومة باسم الدولة، ولا إمكانية لمعارضة سياسية خارج نطاق سلطانها. إنّ الفشل في التمييز بين الدولة والسياسة يؤدّي إلى تقويض دعائم السلام، والاستقرار السياسي والتنمية، للمجتمع بأسره. والمواطنون الذين يُحرَمون من معونة الدولة وحمايتها، أو من المشاركة السياسية الفعّالة، يلجأون إلى الانسحاب والتقوقع، أو يركنون إلى أساليب المقاومة العنيفة، وكلاهما فيه ضياع لحقوق المواطنين وإضرار كبير بمصالح المجتمع كلّه.
بيان الأطروحة وتعضيدها
إنّ الاختلاف الواسع بين آراء العلماء والمذاهب، يجعل لزاماً على الدولة عملياً أن تختار بين آراء فقهية متنافسة، ومتساوية في شرعيتها. فضلاً عن ذلك، لا توجد معايير أو آليات متفق عليها للتحكيم بين تلك الرؤى، المنتمية لمذاهب شتى. وبما أنّ الدولة دائماً مؤسسة مدنية، ولا يمكن أن تكون دينية، فإنه لا يجوز لها أن تَحرم المسلم من اتِّباع الرأي الشرعي الذي يراه، لكن عليها أن تسنّ القانون والسياسة العامة على أساس مدني وسياسي لا ديني. ومهما كانت الآليات والمعايير التي تفرضها أجهزة الدولة، لتحديد التشريع والسياسة الرسميَّيْن، فإنها ستستند حتماً إلى التقدير البشري لمن يهيمن على تلك الأجهزة، لا على الوحي الإلهي المباشر والخالص. لذا، فإنّ كل ما تفرضه الدولة باسم الشريعة هو بالضرورة مدنيّ، ونتاج للإرادة السياسية للحكّام لا المرجعية الإسلامية، حتى وإن كان ممكناً الاتفاق على تلك المرجعية بين المسلمين، وهو أمر لم يحدث في التاريخ.
ورغم هذه الحقيقة الواضحة، فقد وجد الزعمُ بإمكانية الدولة الإسلامية رواجاً كبيراً بين المسلمين منذ أواسط القرن العشرين. وهذا الزعم مستحدث مع الحكم الاستعماري الأوروبي للبلاد الإسلامية، لأنه قائم على نموذج أوروبي للدولة، ورؤية شمولية للقانون والسياسة العامة، كأدواتٍ للتشكيل الاجتماعي، في أيدي النخبة الحاكمة. أما دعاة ما يُسمّى «الدولة الإسلامية» في العصر الحديث، فإنهم يبغون استغلال مؤسّسات الدولة، وقوّتها، مما أسّسه الاستعمار الأوروبي، واستمرّ بعد الاستقلال، ليتحكّموا بالقوة الجبرية في السلوك الفردي، والعلاقات الاجتماعية، حسب ما تراه الصفوة الحاكمة. والخطورة العظمى هي إضفاء قدسية الإسلام على هذه المبادرات الشمولية، لأن ذلك يجعل من الأصعب مقاومتها عما إذا كان معلوماً أنها تمثّل رؤيةً لدولة مدنية، لا تدّعي شرعيةً دينيةً لشموليتها.
السبب الآخر للحرص على حياد الدولة تجاه الدِّين هو أنّ ذلك شرط ضروري لإذعان المسلمين لأحكام الشريعة الإسلامية، وتطبيقها كالتزام ديني، وليس خضوعاً لإرادة الدولة. إنّ التزام أحكام الشريعة يجب أن يقوم على النية الخالصة، وهذا لا يستقيم مع الإرغام الجبري للأفراد من جانب الدولة. وهذا القول لا يمنع المسلمين من اقتراح السياسات والتشريعات التي توافق عقيدتهم الدينية، كما هو حقّ لكل مواطن، ولكن عليهم أن يدعموا اقتراحهم ذاك بما أسمّيه «المنطق المَدني». وكلمة «مَدني» هنا ترجع إلى الحاجة إلى الإعلان عن منطق السياسة أو التشريع المقترح، وإلى ضرورة أن تبقى عملية الحوار العام حوله علنية ومتاحةً لجميع المواطنين. وذلك حتى لا تكون أمور الحكم والقانون قائمةً على أساس فرض عقيدة البعض على الآخرين. أعني بـ «المنطق المدني» إذن وجوبُ ارتكاز التشريع أو السياسة العامة على المنطق المشاع، الذي يمكن لكل مواطن أن يقبله أو يرفضه، أو يقدّم البديل من المقترحات، من خلال الحوار العام، دون الاعتماد على دينه أو مزاعم تقواه. المنطق المدني، لا المعتقدات أو الدوافع الشخصية، هو أساس التشريع والسياسات العامة، سواءٌ أكان المسلمون أغلبيةً أم أقليةً، في مجتمعهم الذي يعيشون فيه.
ليس من المتوقّع أن ينصاع الناس جميعاً لمتطلبات المنطق المدني، منذ الوهلة الأولى، لأنّ ذلك يأتي عن قناعة قائمة على الدوافع الداخلية. ومن الصعب أن نعلم لماذا يُصوِّت الناخبون على نحو معيّن، أو كيف يبرّرون اختياراتهم السياسية لأنفسهم. لكن المطلوب هو الدعوة إلى المنطق والتفكير المدني، وتشجيعهما، مع إضعاف نزعة الارتكاز على المعتقدات الدينية الشخصية والانطلاق منها في ممارسة العمل السياسي والقانوني. ولا يصحّ افتراض أنّ المهيمِنين على الدولة محايدون في أداء أعمالهم الرسمية، فالأرجح أنّ الناس يتصرفون وفقاً لمعتقداتهم، ومبرّراتهم، الشخصية. ولكن الدعوة إلى تقديم أسباب موضوعية للسياسة العامة، ومناقشتها على نحو عامّ ومفتوح، وفقاً لمنطقٍ يستطيع الجميع أن يقبلوه أو يرفضوه بحرية، ستؤدّي تدريجياً إلى تشجيع وتطوير إجماع أوسع، بين المواطنين بعامّة، يتجاوز المعتقدات المحدودة، دينيةً كانت أم غير دينية.
يُستخدم مصطلح «الشريعة»، في الخطاب الإسلامي المعاصر، كأنه مطابق للإسلام نفسه مطابقةً شاملة. وحقيقة الأمر أنّ أي فهم أو معرفة للشريعة الإسلامية غير ممكن للبشر إلا في إطار قصور التفسيرات الإنسانية، للقرآن والسنة؛ فالشريعة هي ما يمكن للإنسان أن يفهمه، ويطلبه، في سياقه التاريخي الخاص. والإسلام أوسع معنىً من الشريعة، رغم أنّ معرفة الشريعة واتِّباع أحكامها، هو سبيل الدخول إلى الإسلام، والسعي إلى تحقيق التوحيد، في الحياة اليومية. الشريعة إذن هي البوابة والطريق، لكي يكون المرء مسلماً، لكنها لا تستقصي جميع إمكانيات المعرفة الإنسانية بالإسلام، ومحاولات الحياة، وفق قيمه، وتعاليمه. إن المرجعية الإسلامية، سواءٌ أنَسَبْناها إلى الإسلام أم الشريعة، لا تتجاوز «التجربة الإنسانية في إطار القرآن والسنّة»، فهي منظومة للمعنى تنشأ عن الممارسة البشرية، والتفكير المتعمّق، ومع تفاوت الناس في مستويات التحقيق والتطوّر في ذلك.
ولمّا كان الاعتقاد الديني وإمكانية التديّن والورَع غير ممكنَيْن إلا للفرد البشري، فإنّ الالتزام بأحكام الشريعة بأيّ فهم لها لا يمكن أن يقوم إلا في حقّ الفرد المسلم، لأنّ الفردية هي مدار التكليف الديني، وغير ممكن للجماعة أو لأي شخصية اعتبارية – مثل مؤسّسات الدولة – أن تعتقد أنها مكلّفة دينياً. وعندما نتحدّث عن المجتمع المسلم أو الأمة الإسلامية فذلك قول مجازيّ، لأن الكيان الاعتباري لا يقدر على الاعتقاد الديني أو اتِّباع الأحكام الشرعية، وإنما يكون ذلك للأفراد الذين يكوّنون الجماعة أو يتصرّفون باسم المؤسسة. لذا لا تتعلّق صفة الإسلام بالجماعة أو المؤسّسة إلا مجازاً. وهذا واضح في أمور العقيدة والعبادات، لكنْ يلتبس الأمر في الخطاب الإسلامي الشائع في ما يتعلق بما يُسمّى «المعاملات» أو الأمور التي تقع في المجال العام للإدارة والقضاء. وإذا قام الاعتقاد بأنّ المبادئ العامة أو القواعد التفصيلية في هذه المسائل تستند إلى فهمٍ لنصوص القرآن أو الأحاديث النبوية، فإن ذلك لا يعني الخلط بين إلزامية هذه الأحكام العامة في إطار المسؤولية الفردية الدينية للمسلم وصِفَتها كقانون عامّ للدولة. إذ تقوم المسؤولية أمام أجهزة الدولة على مخالفة القانون العام، بينما تشكّل معصية المسؤولية الفردية الدينية ذنباً أمام الله، وإن قام الحُكمان على نفس العمل، فالسرقة أو خيانة الأمانة جريمة يعاقب عليها القانون العام، وكذلك هي ذنب ديني على المسلم. وطبيعة المسؤولية وآثارها تختلف بين الجريمة والذنب الديني، فالمسؤولية عن الجريمة تقوم بموجب إرادة الدولة وفق قواعد الإثبات والعقوبات التي تعمل بها المحاكم، بينما يُحاسَب المسلم على الذنب في المسؤولية الدينية أمام الله سبحانه وتعالى، فالمسؤولية القانونية تعتمد على أحكام البشر، وهي لذلك عرضة للخطأ والغرض والفساد، بينما تقوم المسؤولية الدينية أمام الله، وبمقتضى الحكمة والرحمة الإلهية، حيث لا غرض ولا هوى. لذلك لا يصحّ أن ننسب كمال الصفة الدينية لقصور العمل البشري.
وهذا التمييز لا يعني بالطبع إقصاء القيَم الأخلاقية القائمة على المبادئ الإسلامية من مجال التشريع والسياسة العامة للدولة، إنما هو يعني فقط عدم الخلط بين مجال القانون العام ومجال المسؤولية الدينية والفردية للمسلم. وما دام الإسلام من المقومات الإسلامية للنظام الأخلاقي والتراث الثقافي بين المسلمين، فسوف ينعكس ذلك على التشريعات القانونية والسياسية العامة للدولة. إلا أنّ ذلك إنما يكون من خلال المؤسسات الرسمية للدولة، وفق معيار المنطق المدني للمواطنة، وليس على أساس التزام المسلم بأحكام الشريعة الإسلامية من منطلق الاعتقاد الديني. إنّ مسؤولية المسلم الدينية قائمة دائماً بصرف النظر عما إذا كان القانون العام يُحرِّم أم يُبيح السلوك المعين. وحكم القانون العام على السلوك هو دائماً من منظور مرجعية المواطنة وليس مرجعية العقيدة الدينية للمسلم. الربا مثلاً حرامٌ على المسلم دينياً، بصرف النظر عن موقف القانون منه. وإذا منع القانون العام التعامل الربوي، يجب أن يكون ذلك على أساس مرجعية المواطنة وفق إجراءات التشريع والقضاء المدني، وليس على أساس كونه محرَّماً دينياً على المسلم.
أمّا وأنّ تعيين النصوص من القرآن والسنة التي تنطبق على مسائل، أو حوادث محدّدة، أو الحكم بقطعية دلالتها، أو تحديد شروط المجتهد، هي كلّها مما يقرّره الفكر والتقدير البشريَّين، فإنّ فَرْض رقابة مسبقة على هذا الفكر يناقض طبيعة استقراء أحكام الشريعة من القرآن والسنة. إنّه من غير المنطقي الحكم بتحريم الاجتهاد في قضية أو مسألة معينة، إذ إنّ هذا الحكم نفسه هو ناتج للفكر والتقدير البشريَّيْن. ولا ينبغي تقييد ممارسة الاجتهاد على طائفة محدودة من المسلمين، ممن يفترض امتلاكهم مؤهّلات خاصة، لأن هذا التقييد في الممارسة سيعتمد على أولئك البشر الذين يضعون شروط الاجتهاد، وينتخبون من يرونه مؤهلاً للقيام به. ومَنْح تلك السُّلطة لأية مؤسسة أو هيئة، رسمية كانت أم أهلية، هو أمر خطير، لأنّ تلك السلطة ستكون عرضة للاستغلال لبعض المآرب السياسية أو غيرها. ومبدأ أنّ معرفة الشريعة مسؤولية لازمة على كلّ مسلم، يعني أنه لا يحقّ لأي إنسان أو مؤسسة أن تتحكّم في تلك العلاقة بين المسلم والشريعة. ويَلحق بهذا القول أنَّ تقرير شروط المجتهد، وقواعد الاجتهاد، هي أمور تتعلق بالعقيدة الدينية، وجزء من الالتزام الديني لكل مسلم، لذلك من غير المقبول دينياً إقامة رقابة أو سلطة على تلك العملية. أي أنّ تقييد حرية الحوار بين المسلمين، وإعطاء أي سلطة بشرية حقَّ تقرير ما يجوز أو يجب دينياً، يناقض الطبيعة الدينية للشريعة ذاتها.
وهذا المنطق هو أحد الأصول الإسلامية الرئيسة التي أقترحُها لتأسيس الدولة المدنية، وضمان حقوق الإنسان، والمواطنة، للجميع.


