أتر

دفتر أحوال السودان (81): من سانية دليبة، والضّعين، والدِّخينات، والقضارف

سانية دليبة: 17 قتيلاً بسبب خلاف على طاولة قُمار بجنوب دارفور

في يوم السبت 14 يونيو الجاري، وقعت اشتباكات مسلّحة بين جنود من قبيلتي الرزيقات والتّرجَم بسبب خلافاتٍ حول لعبة قمار، في منطقة سانية دليبة، جنوبي نيالا، بمحلية السلام بولاية جنوب دارفور، قُتل فيها 17 شخصاً وأصيب آخرون.

ووفقاً لمصادر محلية من مدينة نيالا، تحدَّثت لمراسل «أتَـر»، جاءت مجموعة من أبناء قبيلة الرزيقات من منطقة أم ضواً بان (بجنوب دارفور) إلى سوق سانية دليبة، وسرعان ما انخرطت في لعبة قمارٍ مع مجموعة قبيلة الترجم، التي ربحت الجولة الأخيرة، فكسبت سيارتين ودراجة نارية ورأساً واحداً من الإبل، ما أغضب أبناء الرزيقات، فطالبوا بإعادة اللعب فرفض الطرف الفائز. وسرعان ما تحوّلت سوق البلدة إلى ميدان اشتباكات مسلّحة بين أبناء القبيلتين وسط المارة الذين لحقتهم الرصاصات الطائشة. راح ضحية الأحداث 17 شخصاً وأصيب آخرون بإصاباتٍ متفاوتة. ونُقل أكثر من 7 إلى نيالا لتلقيّ العلاج وسط شح الأدوية والرعاية الذي يعاني منه القطاع الصحي في المدينة.

وفي أعقاب الحدث، استولى اللاعبون من قبيلة الترجم على عربتين، ودراجة نارية، وأسلحة، بعد فرار أصحابها من منطقة الاقتتال إلى قُرى تابعة إلى بلدة أم ضواً بان.

وسط الأجواء المشحونة بالغضب والمُغلّفة بحساسية الانتقام، وصل وفد أهلي متنوع من زعماء قبائل ورجال الإدارة أهلية وأعيان، من مناطق البلابل الثلاثة) بلبل تمبسكو، بلبل أب جازو، وبلبل دلال عنقر)، إلى بلدة سانية دليبة، بقيادة ناظر قبيلة الترجم محمد يعقوب إبراهيم. وعقد الوفد صلحاً مبدئياً بين الطرفين في محاولةٍ لاحتواء التصعيد المتفاقم بينهما.

وتُعاني ولاية جنوب دارفور، والتي تُسيطر عليها قوات الدعم السريع عليها منذ أواخر أكتوبر 2023، في الآونة الأخيرة، من تدهور أمني وتصاعد في النزاعات القبلية التي تُسقط العشرات من الضحايا الأبرياء. وقد شهدت محليات جنوب نيالا، اشتباكات متفرقة، وانتهاكات للمواطنين. ففي 14 مايو الماضي، قُتل وكيل ناظر قبيلة الفلاتة، الهادي إدريس يوسف، إثر اشتباكاتٍ وقعت بين عناصر من الدعم السريع في سوق مدينة تُلس التي تبعد حوالي 80 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة نيالا. كما شهدت محلية قريضة، وتقع على بعد 86 كيلومتراً جنوب نيالا، في الفترة الأخيرة، سلسلة انتهاكات بخاصة النهب والتعذيب والسرقة، واشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة البيضاء مثل السكاكين والسواطير، بعضها بسبب خلافات حول طبيعة العلاقات مع النساء.

الضّعين: الدعم السريع تعتقل عناصرها ومدنيّين يعانون من اضطرابات عقلية

في يوم الاثنين 16 يونيو الجاري، شنتّ قوات الدعم السريع حملة اعتقالات واسعة في مدينة الضعين، حاضرة ولاية شرق دارفور، طالت العشرات من عناصرها ومعهم مدنيون وعسكريون سابقون بالقوات المسلحة السُودانية.

وأخبرت، مصادر محلية من الضعين، مراسل «أتَـر»، أن مجموعة من الدعم السريع جاءت من مدينة نيالا ومعها قائمة مطلوبين لترحيلهم إلى معتقلات في نيالا. ومنذ اليوم الثاني لعيد الأضحى 7 يونيو، بدأت حملة اعتقالاتٍ شملت قائد ثاني استخبارات الدعم السريع بكامل طاقم مكتبه، بجانب العديد من الضُباطٍ المتهمين بالتنسيق السري مع الجيش، فضلاً عن مدنيين أغلبهم شباب، بينهم من يعانون اضطرابات عقلية ويتجوّلون في الشوارع والطرقات، بزعم أنهم يرصدون تحرّكات الدعم السريع، لإرسالها إلى الجيش.

 كذلك استهدفت الحملة، موظفين بالإدارة المدنية التابعة للدعم السريع، يتبع بعضهم إلى الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. وحُقّق مع رئيس الإدارة المدنية بالولاية، الذي اتُّهم بالفساد في ما يتعلق بصرف أموالٍ لمصالحه الخاصة، ما خلق خلافاتٍ داخل حكومة الإدارة المدنية بالولاية بين ضرورة نزع الثقة عن رئيسها أم التمهّل قليلاً.

وأكّدت المصادر، أن أغلب الاعتقالات وقعت في أحياء المطار والشاحنات والقبة في جنوب وغرب الضعين، وأن التُّهم الموجّهة إلى المعتقلين تشمل الولاء المستمر للجيش السودانيّ والتخابر معه، وتسريب معلومات ميدانية واستخبارية حساسّة حول خُطط وتحركات الدعم السريع، ومعارضة أعمال تحالف «تأسيس» والنشاط ضده في وسائل التواصل الاجتماعي.

وتأتي هذه الحملات، عقب خطاب عبد الرحيم دقلو قائد ثاني قوات الدعم السريع، في الشهر الماضي في مدينة نيالا، الذي قال إنه يجب اعتقال أي شخص، حتى المعاشيين وعسكريين سابقين في الجيش والأمن ونظام المؤتمر الوطني في مناطق سيطرة الدعم السريع، وكل من يُرصَد أن لديه تواصلاً ما مع «حكومة بورتسودان»؛ بافتراض أنه فلول أو متعاون مع الجيش. 

وتتزامن هذه التحركات السياسية مع ضعف القيادة العسكرية الميدانية للدعم السريع وعجزها عن ضبط واحتواء الخلافات والتصدعات الداخلية، ما يفتح الأبواب مشرعةً لمزيد من الفوضى والانفلات بين عناصرها، لا سيما في ولايتيّ جنوب وشرق دارفور أهم معاقلها العسكرية والسياسية.

 وتشهد ولايتا جنوب وشرق دارفور في الفترة الأخيرة، تدهوراً أمنياً غير مسبوق، لدرجة أن أعمال النهب والسلب والتهديد والاختطاف والاعتقال صارت جزءاً يومياً من حياة المواطنين، وسط خلافاتٍ داخلية واسعة داخل صفوف الدعم السريع وغياب شبه تام لقيادتها الميدانية، والاشتباه في وجود اختراقات لمصلحة الجيش.

الدِّخينات: الحياة تعود مشوبةً بالحذر

لسنة وتسعة أشهر، شهدت منطقة الدخينات جنوب الخرطوم أحداثاً بالغة السوء، بدأت عندما سيطرت الدعم السريع على القرية، عقب حصارها لرئاسة قوات الاحتياطي المركزي الذي استولت عليه وكامل المنطقة المحيطة ومن ضمنها الدخينات في 25 يونيو 2023. وفي 26 مارس الماضي تمكن الجيش وقوات درع السودان المتحالفة معه من استعادة المنطقة مرة أخرى.

وتقع الدخينات، شمال رئاسة قوات الاحتياطي المركزي وتتبع لمحلية جبل أولياء. ودفعت الاشتباكات التي سبقت سقوط الاحتياطي المركزي كثيراً من الأسر للهروب بمراكب صغيرة عبر النيل الأبيض، باتجاه الصالحة والسليمانية غرب، ودفعوا مقابل ذلك مبالغ باهظة في وقت لم يكونوا يملكون فيه قوت يومهم.

بعدما هدأت المعركة، وبسطت الدعم السريع سيطرتها على المنطقة، لم يجد الأهالي حلاً سوى الرجوع إلى منازلهم، ليذوقوا الويلات إثر ذلك.

وبحسب أهالي المنطقة، شن الدعم السريع حملة اعتقالات واسعة للمواطنين بحجة أنهم «فلول»، فلم يكن آمناً من يغادر منزله، كبيراً كان أو صغيراً. إضافة إلى الضرب، والتنكيل، واقتحام البيوت. عندما علم جنود الدعم السريع بأن الناس يشترون حاجاتهم في وقت مبكر قبل أن يبدأ تجوال مركبات الدعم السريع في المنطقة، أصبحوا يتصيدون الأهالي بعد الفجر لنهبهم تحت تهديد السلاح.

يقول أحد الأهالي: «لم تأمن النساء أيضاً منهم، إذ لم يراعوا الطابع المحافظ لأهل الدخينات، ولم تكن رؤية النساء «المنقبات» مقبولة لديهم؛ إذ كانوا يتعرضون لهن ويكشفون وجوههن في الأسواق بحجة أنهن جاسوسات».

طوال فترة سيطرة الدعم السريع على الدخينات، كان أفرادها يتاجرون في السلع الأساسية ويحتكرون السوق، وتمر جميع البضائع عبرهم. وقد بلغ سعر «كيلة» الذرة ما يعادل سابقاً سعر جوالٍ كبيرٍ منها.

عقب سيطرة الجيش على مقر الاحتياطي المركزي استقرت الأسعار في سوق القرية وتوفرت السلع. يقول مواطن من الدخينات تحدث لمراسل «أتر»: «كان كيلو دقيق القمح، يُباع بـ 7 إلى 8 آلاف جنيه أثناء سيطرة الدعم السريع، أما الآن فقد انخفض سعره إلى ما بين ألفين و800 جنيه. والسكر الذي كان الكيلو منه بـ 10 آلاف جنيه، أصبح سعره يتراوح الآن بين ألفين ونصف وثلاثة آلاف جنيه».

استأنفت المدارس الخاصة بالقرية العمل، ودعت الأسر لإحضار الطلاب لإقامة حصص تنشيطية ومراجعة ما فاتهم من مقررات، على أمل أن تبدأ الدراسة رسمياً في الأسابيع القادمة.

أثناء هجوم الدعم السريع على قرى الجموعية جنوبي أم درمان استقبل أهالي الدخينات بدورهم أُسراً كثيرة نزحت من «السليمانية غرب». وبعد أن أعلن الجيش أن الخرطوم أصبحت جميعها في قبضته، بدأت الأسر النازحة بالعودة إلى قراها تدريجياً.

يعيش أهالي الدخينات حالة من الحذر عقب انتشار وبائيات حمى الضنك والملاريا والكوليرا إبان فترة سيطرة الدعم السريع، وبعد وفاة اثنين من النازحين إلى المنطقة بسبب وباء الكوليرا. وبعد انتشار الوباء في الخرطوم، أصبح السكان يتّبعون العادات الصحية من غلي للمياه وحفظها وغسل الخضروات جيداً. كما أن المراكز الصحية والعيادات الخاصة باشرت عملها، وكذلك المستشفى التركي القريب منها، والذي ظل يستقبل حالات الكوليرا، ومعظمها قادمة من أم درمان.

في الأسبوع الماضي نعمت المنازل بالضوء ليلاً، وزالت عتمة الشوارع، بعد عودة الكهرباء للعمل لأكثر من ست ساعات في اليوم، وتمكّن المواطنون من الاتصال عبر شبكة الإنترنت العامة عوضاً عن الاستعانة بـ «الاستارلينك». تقول إحدى الأمهات هنالك: «نحمد الله كثيراً على عودة الكهرباء حتى ولو لم تكن بصورة منتظمة، الآن أستطيع الوصول إلى الإنترنت والاطمئنان على أبنائي في الغربة من بعد انقطاع دام لأكثر من سنتين، وأستطيع كذلك حفظ الطعام في الثلاجة».

القضارف: انخفاض المظاهر العسكريّة ومعاناة في الماء والكهرباء والسلع

شهدت الأوضاع الأمنية بمدينة القضارف استقراراً نسبياً بعد استعادة ولايات الجزيرة وسنار والخرطوم. وانخفض عدد ارتكازات التفتيش في الطرق السفرية وكذلك المداهمات التي كانت تجري لأحياء معينة. وبالمثل انخفض عدد الارتكازات بسوق القضارف الكبير وفي بعض الأحياء واقتصرت على البنوك، كما قلّ عدد الارتكازات التابعة للكتائب والقوات الموالية للجيش.

على الرغم من تحسن الوضع الأمني بالولاية، عجز كثير من الناس عن العودة إلى أعمالهم التي كانوا يمارسونها قبل الحرب أو الرحيل إلى ولايات أخرى. ويعاني عمال اليومية بالأسواق من «الكشات» والتضييق. ومع انعدام مصادر الدخل ارتفعت الأسعار. ولا يزال المعلمون يصرفون 60% من رواتبهم، بحسب ما أخبرت إحدى المواطنات في المدينة. ولا تزال أزمة السيولة النقدية تراوح مكانها مؤثرة على السوق، على الرغم من أن بعض المؤسسات تتعامل بتطبيق بنكك، رغم ضعف شبكات الاتصال والتطبيق نفسه، ما صعَّبَ من المعاملات المالية. وتقدم بعض المحلات النقد مقابل بنكك بنسبة تتراوح ما بين 10 و30% من قيمة المبلغ. وكثير من سكان الولاية ليس لديهم تطبيق بنكك، إذ يعتمدون على أصحاب البقالات.

تُجلب معظم بضائع سوق القضارف من بورتسودان وإثيوبيا عن طريق معبر القلابات الحدودي القريب من المدينة، إضافة إلى بعض المواد الغذائية التي تقدمها منظمات الإغاثة. وبدأت بعض المصانع مزاولة عملها بالولاية لكن نشاطها ما زال ضعيفاً.

تقول سيدة من القضارف تحدثت لمراسلة «أتر»: «بعد نشوب الحرب صرنا نعاني من انتشار ثلاثة أمراض: الملاريا والكوليرا وحمى الضنك، ومراكز النزوح هي أكثر أماكن انتشار الكوليرا، بسبب التدهور البيئي والصحي بها. انحسرت موجة الكوليرا حالياً لكن ما زالت هنالك حالات بمركز العزل بالقضارف».

وتقول إن الوضع الصحي مرتبط بالوضع الاقتصادي لأن شح الكاش يُصعب صرف الأدوية ومقابلة الأطباء، إضافة إلى ندرة بعض أصناف الأدوية بسبب كثرة التفاتيش والضرائب عليها في طريق الإمداد سواء من بورتسودان أم إثيوبيا.

ويتخوف سكان القضارف من انتشار الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، مع قدوم الخريف، إضافة إلى مرض الكلازار المنتشر بمحليات الولاية.

متحدثاً لمراسل «أتر»، يقول عمار، وهو أحد مواطني مدينة القضارف إنه مع كل عملية استعادة لإحدى المناطق إلى سيطرة الجيش، تبدأ حملات العودة الطوعية للنازحين بدور الإيواء، ويُسجّل العائدون وتجلب الباصات لإرجاعهم إلى مناطقهم، على الرغم من أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة من مياه وكهرباء كما حدث لنازحي ولاية الجزيرة.

يواصل عمار قائلاً: «رحل بعض النازحين بدور الإيواء بالقضارف إلى الحواتة، وهي منطقة حدودية بالقرب من ولاية سنار بسبب حاجة الطلاب إلى مدارسهم التي أصبحت مساكن للنازحين».

وفي الشهور الأخيرة قل حجم الدعم الذي تقدمه المنظمات أو مواطنو الولاية للنازحين عن ما سبق، بسبب عدة تأثيرات منها أن مدة الحرب طالت وامتدت لأكثر من عامين، إضافة إلى القرار الأمريكي بنهاية العام الماضي بإيقاف الدعم عن المنظمات غير الربحية.

لا تزال الكهرباء بالقضارف غير مستقرة، وتُقطع لست ساعات في اليوم وأحياناً تمتد القطوعات لـ 12 ساعة أو أكثر دون برمجة واضحة، وقد أثر ذلك بطبيعة الحال على وضع الإمداد المائي وهي أكبر مشكلة تعاني منها الولاية حالياً، وقد استمرت لأكثر من عقد، وكل والٍ يعد بحلّها دون أي نتائج وحلول فعلية حتى الآن، إذ تترواح قيمة جالوني الماء من ألفين إلى ثلاثة آلاف جنيه وهي مياه غير صالحة للشرب؛ إضافة إلى أن أصحاب الكوارو يواجهون أزمة في الكاش، فهم بالكاد يمتلكون هواتف صغيرة وليست لديهم حسابات مصرفية.

السلعة الكمية السعر (جنيه سوداني)
جوال الفحم 45,000
أسطوانة الغاز 62,000
الرغيف 8 رغيفات 1,000
جوال البصل 50,000
جوال السكر 50 كيلو 120,000
رطل اللبن 1 رطل 1,200

بعض أسعار السلع والبضائع بسوق القضارف

Scroll to Top