أتر

مساعدات مُقيَّدة وأجندة مُتداخلة: واقع الاستجابة الإنسانية في دارفور

لم يَعد الجوع وحده ما يُهدِّد حياة الملايين من الناس في معسكرات النزوح بشمال دارفور، فقد انضمّت إليه أمراض وأوبئة، وشُحّ في المياه، وتدهور أمنيّ حادّ. إنها حربٌ مزّقت المدن وأطرافها، ودمّرت الاقتصاد المحلي، ودفعت الناس نحو الفقد والشتات. وجاء قرار تجميد التمويل الأمريكي ليُضيف طبقة جديدة من المعاناة على مشهدٍ قاسٍ بالفعل.

«نحاول يومياً، بكُلّ قطرة عَرق أن ننقذ المئات من الموت جوعاً. وقد ساءت الأوضاع كثيراً بعد سقوط معسكر زمزم في قبضة الدعم السريع في منتصف أبريل الماضي. يعيش الأهالي حالياً في المعسكر وأرجاء الفاشر أوضاعاً تُجسِّد المجاعة»، يقو متطوع في إحدى غرف الطوارئ بمدينة الفاشر، في حديثه لمراسل «أتَـر»، مضيفاً بنبرةٍ آسية: «لا توجد مواد غذائية في الأسواق، مع ارتفاعٍ جنوني في أسعار القليل المتوفّر. لقد توقّفت أغلب المبادرات التي تُقدِّم الوجبات الجماعية نتيجة ضعف التمويل وتراجُع الاستجابة للنداءات التي نُطلقها يومياً بضرورة إيصال الغذاء إلى المحتاجين قبل أن ينال الموت منهم».

ويضيف بنبرةٍ ممتلئة بالخَيبة واليأس: «نُعاني من إهمال المجتمع الدولي والإقليمي، وأسهم في ذلك ضعفُ التغطية الإعلامية، وعجْزُ منظمات المجتمع المدني عن خلق ضغطٍ كافٍ وتسويق الأزمة في المنابر الدولية والإقليمية».

تُقدِّر منظمة الهجرة الدولية عدد النازحين داخلياً في السودان، حتى 28 مايو، بأكثر من 10 ملايين شخص. وتتصدَّر الخرطوم قائمة النزوح بنسبة 30%، تليها جنوب دارفور (20%) وشمال دارفور (19%). أما من حيث الاستضافة، فتستقبل كلٌّ من جنوب وشمال دارفور 18% من النازحين، ووسط دارفور 9%. يعيش أغلب هؤلاء في ظروف قاسية: بلا مأوى مناسب، يعانون من الجوع وانعدام الرعاية الصحية والمياه النظيفة، ما أدّى إلى تفشي الأمراض كالكوليرا والحصبة وسوء التغذية، على نطاق واسع.

تأثير تعليق المعونة الأمريكية

في عام 2024، بلغت قيمة المساعدات الأمريكية الطارئة للسودان نحو 605 ملايين دولار. أما في عام 2025، وبعد تجميد عمل الوكالة، فقد تراجع الدعم إلى حوالي 388 مليون دولار

متحدّثاً لـ «أتَـر»، يؤكّد مدير تنفيذي لمنظمة سودانية تعمل في المجال الإنساني وحقوق الإنسان، أنّ تعليق التمويل الذي كانت تقدّمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (UASID) في يناير الماضي، قد تسبّب في تقليص أعمال العديد من المنظمات الوطنية والدولية، مثل برنامج الغذاء العالمي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة اليونيسف، والمنظّمة الدولية للهجرة، إلى جانب منظمات أوروبية مثل مجلس اللاجئين الدنماركي (DRC)، ومجلس اللاجئين النرويجي (NRC)، والمنظمة الكاثولوكية للإغاثة (CRS) التي تعمل في السودان. وأشار المدير التنفيذي، إلى أنّ برامج هذه الجهات قد تأثّرت على نحو بالغ، في ما تقدّمه من خدمات إنسانية للنازحين واللاجئين. وأضاف أن بعض المنظمات توقّفت عن العمل جزئياً، وتوقّفت أخرى كليّاً وأغلقت مكاتبها وسرّحت موظّفيها.

وأفضى لـ «أتَـر» بأنَّ للمانحين شروطاً واسعة، غالباً ما تُقيّد قدرة المجتمعات على تحقيق الاستقلالية والاستدامة الاقتصادية، وبعض هذه الشروط ترتبط بأجندة سياسية وأمنية، لكنه يقول في الوقت ذاته: «أغلب مشاريعنا تُخضع هذه الشروط للدراسة المتأنّية والمراجعة النقدية الجيدة، حتى لا نتوّرط في حرمان أهلنا ومجتمعاتنا من حقّهم في البحث وتعزيز تلك الاستقلالية المفقودة في حياتهم في زمن الأزمات وما بعدها».

نعي تماماً أن العمل الإنساني تشوبه جملة من العوامل، منها السياسية والاقتصادية والأمنية والمتعلّقة بالمانحين والشركاء المحليين. لكن في ظل الأزمة الإنسانية الراهنة، لا نستطيع مقاومة تلك الأجندة. إنه عمل نضاليّ يتطلب وعياً جمعياً نقدياً متكاملاً، فالملايين من الناس يعانون الجوع حالياً

متحدّثاً لمراسل «أتَـر»، يقول محمد إسحق، وهو متطوّع يعمل في مجلس تنسيق العمل القاعدي بشمال دارفور، إنهم يُدركون تقاطعات المجال الإنساني مع أجندة ومصالح المانحين. موضحاً: «نعي تماماً أن العمل الإنساني تشوبه جملة من العوامل، منها السياسية والاقتصادية والأمنية والمتعلّقة بالمانحين والشركاء المحليين. لكن في ظل الأزمة الإنسانية الراهنة، لا نستطيع مقاومة تلك الأجندة. إنه عمل نضاليّ يتطلب وعياً جمعياً نقدياً متكاملاً، فالملايين من الناس يعانون الجوع حالياً. إلى جانب ذلك، فإنّ الجهات المانحة، سواء أكانت دولاً أم وكالات أممية أم مؤسسات إقليمية، تُهيمن على الشركاء المحليين».

في عام 2024، بلغت قيمة المساعدات الأمريكية الطارئة للسودان نحو 605 ملايين دولار. أما في عام 2025، وبعد تجميد عمل الوكالة، فقد تراجع الدعم إلى حوالي 388 مليون دولار، خُصّص منها 169 مليوناً لبرنامج الغذاء العالمي، و9 ملايين للحكومة ومنظّمات المجتمع المدني، ونحو 8 ملايين لمشاريع بناء السلام.

وأدّى قرار تجميد التمويل الأمريكي إلى إغلاق قرابة 80% من المطابخ الجماعية في السودان. وقد أثّر ذلك على نحو مليوني شخص، معظمهم من الفئات الأكثر ضعفاً: النساء، الأطفال، كبار السن، المرضى وذوي الإعاقة. وأوضح متطوعون أن الوكالة الأمريكية كانت المموِّل الرئيس لكثير من المبادرات الإنسانية التي تُشغّل هذه المطابخ.

بحسب تقرير مُشترك لمنظمة الصحة العالمية ومجموعة الصحة، أثّر قرار تجميد التمويل الأمريكي على 335 مرفقاً صحياً في السودان، منها 57 في إقليم دارفور. وشمل التأثير 13 شريكاً في مجال الصحة، بينهم اليونيسف ومنظمة الهجرة الدولية وصندوق السكّان، وامتد إلى 69 منطقة في 15 ولاية، بينها 9 شركاء في دارفور وحدها. وقد نتج عن ذلك شلل في 21% من المرافق الصحية في الإقليم، في وقتٍ يُعاني فيه السودان من توقّف أكثر من 70% من منشآته الصحية في مناطق النزاع، و45% في المناطق الأخرى. وأكّد التقرير أن منطقة دارفور تتحمّل عبئاً مضاعفاً في الاستجابة الصحية، وسط تزايد في أعداد النازحين ونقص حادّ في الإمدادات والكوادر الطبية.

تلاعُب أطراف الحرب بالإغاثة

تفاقمت الكارثة الإنسانية مع تحوّل المساعدات إلى أداة ضغط بيد أطراف الحرب. بات وصول الإغاثة مشروطاً بالولاءات، وتتحكّم فيه أجندة سياسية لا تعبأ بحاجة الجوعى. تحوّلت المعسكرات إلى ساحات صراع غير مُعلنة، تُستخدم لتصفية الحسابات والسيطرة الميدانية.

ومنذ بداية الحرب، تعرضت غالبية مكاتب ودُور الضيافة ومستودعات برنامج الغذاء العالمي وغيرها من المنظمات منها أطباء بلا حدود، في ولايات دارفور ولا سيّما في حواضرها، لعمليات نهب وحرق وتخريب. كما طالت أعمال الاستهداف موظّفي هذه المنظمات، إذ قُتل بعضهم واختُطف آخرون، سواءٌ أكان ذلك داخل مقارهم أم أثناء تحرّكهم ضمن القوافل. ولم يَسلم العاملون في مجال الإغاثة من أفراد غرف الطوارئ والمبادرات المحلية من الاستهداف بخاصة عبر القتل والاعتقال والاختطاف.

ومع استمرار الحرب والتجاذبات السياسية بين طرفيها، أعلنت قوات الدعم السريع في أكتوبر 2024 فَرْض حظر على عدد من أنواع السلع وإيقاف حركة التجارة وسلاسل الإمداد من إقليم دارفور إلى ولايات شرق السودان وشماله، وكذلك إلى مصر، في مقابل تحويل هذه السلع إلى الدول الحدودية الواقعة غرب الإقليم مثل تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا. وباتت الدعم السريع تتحكّم في هذه المسارات، ما أدّى إلى آثارٍ واسعة على حياة المدنيين والتُجّار، وعلى حركة رؤوس الأموال المحلية. فضلاً عن ذلك، تُفرَض قيودٌ متعمَّدة مثل وضع عراقيل بيروقراطية على قوافل الإغاثة لأشهر، ما يعوق إيصالها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الطرف الخصم.

يؤكد علي الصادق، وهو متطوّع يعمل في غرفة طوارئ بمنطقة طويلة شمال دارفور، أنّ الأطراف المُتحاربة تُسيطر على توزيع المساعدات عبر مفوضيات العون الإنساني والمنظمات التابعة لها، وتعيد توجيهها بما يخدم شبكاتها وولاءاتها السياسية. تُباع بعض المساعدات في الأسواق أو تُستخدم وسائلَ للتجنيد، كما تُوظَّف صور توزيعها في حملات دعائية تُجبر المدنيين أحياناً على إظهار التأييد مقابل الطعام أو الدواء. وبهذا تتحوّل الإغاثة إلى أداة لفرض النفوذ وتقويض فرص السلام.

من جهته، يروي إسماعيل خالد، وهو عامل في مطبخ جماعي بالفاشر، أنّ المساعدات والعاملين في المجال الإنساني تعرّضوا منذ بداية الحرب لسلسلة من الانتهاكات تشمل النهب والاختطاف والقتل، مُستشهداً بقصف قوات الدعم السريع لمكاتب برنامج الغذاء العالمي بالفاشر، ثم تدمير قافلة إغاثة بمدينة الكُومة. ويضيف: «نعمل بجهد محدود وتمويل ضئيل وسط انعدام أمني تام، لتلبية حاجات آلاف النازحين المُتزايدين يومياً».

تسييس المساعدات

وفي الأثناء، تواجه وكالات الأمم المتحدة والمنظّمات الدولية شروط سُلطات الأمر الواقع في البلاد، سواءٌ أكانت من جانب الدعم السريع، أم الجيش، أم حركة تحرير السودان قيادة عبد الواحد محمد نور في مناطق بشمال دارفور ووسطها. ويُعزّز التفاهم بين هذه السّلطات والجهات المانحة بأجندتها، والمنظمات المُنفِذّة، مناخاً لتسييس العمل الإنساني، ويجعله عرضةً للتلاعب، في ظلّ ضعف الرقابة القانونية والضبط الأخلاقي وسط هذا السياق الهشّ.

عقب اندلاع الحرب، نشطت أكثر من 350 غرفة للاستجابة للطوارئ، تطوَّر بعضُها على أسس من تجربة لجان المقاومة التي تشكّلت خلال فترة الحراك الثوري 2018، وتجاوز عددها 5300 لجنة في جميع ولايات البلاد بحلول عام 2021. ولاحقاً، سعت هذه اللجان إلى هيكلة نفسها مؤسَّسياً على نحو أكثر فاعلية، في ظل تزايد محاولات تسييس عملها وتشويه جهدها. وقد أصبحت المبادرات الشبابية محطّ اهتمام القوى السياسية، في سعيها لتعبئة العنصر الشبابي لسدّ الفجوات التي تعاني منها على مستوى العدد ونوعية القواعد، ولا سيما عقب الإطاحة بنظام عمر البشير في أبريل 2019.

يقول علي الصادق، إنّ العمل الإنساني في دارفور خاضع بالكامل لسُلطة الجهة المسيطرة على الأرض، ففي مناطق الدعم السريع، يُمنع الحديث أو العمل بما لا يتماشى مع توجّهاتها، والأمر لا يختلف كثيراً في مناطق الجيش أو الحركات المسلحة الأخرى. لذا، تحاول المبادرات الإنسانية تفادي الصدام مع هذه القوى، لضمان استمرار المساعدات رغم القيود السياسية والأمنية. ويضيف أنّ موجات النزوح إلى طويلة تتواصل وسط استهداف متكرّر من قوات الدعم السريع.

من جهته، يشير محمد إسحق إلى أنّ تنظيمات سياسية وحركات مسلحة أنشأت منظّمات تعمل تحت غطاء السلام والتنمية، لكنها تسعى فعلياً لتحقيق أجندة سياسية خفية، مثل الاستقطاب والتعبئة. وقد تصاعد هذا التوجه منذ اندلاع الحرب، خاصة عبر غرف الطوارئ التي يديرها شباب يقدّمون دعماً إنسانياً وحقوقياً للمجتمعات المُتضرّرة.

رغم التعهّدات المُتكرّرة بدعم الاستجابة الإنسانية، لم تصل إلا نسبة ضئيلة جداً إلى المحتاجين، بسبب انعدام الأمن والقيود السياسية واللوجستية المفروضة على المنظمات الإنسانية من قِبل الأطراف المتحاربة، وعدم التزامها بأحكام الاتفاقات وقواعد القانون الإنساني الدولي. ومع إدراك التحديات القائمة، يُصبح العمل التكاملي بين الجهات الفاعلة الإنسانية والحقوقية الدولية، والمتطوّعين على الأرض، هو الطريق الأمثل لتقديم المعونة اللازمة للمحتاجين.

Scroll to Top