المثلّث: نزوحٌ مأساويٌّ بعد اجتياح الدعم السريع للمنطقة
الولاية الشمالية – بعد هجوم قوات الدعم السريع في 10 يونيو الجاري على منطقة المثلث الحدودية التابعة إدارياً للولاية الشمالية، أصاب الذعر المواطنين السودانيين، والمقيمين من الجنسيات الجنوب سودانية والإثيوبية بالمنطقة. واضطرّ الآلاف إلى النزوح إلى ليبيا ومصر، ومنهم من نزحوا باتجاه الولاية الشمالية، بينما اتجه آخرون إلى ولايات دارفور. وبحسب إحصائية قدّمتها غرفة طوارئ وادي حلفا، فقد عبر نحو ستة آلاف إلى الحدود المصرية، ومن ثم رحَّلَهم الجيش المصري عبر معبر أرقين إلى السودان.
ويُعَدُّ المثلّث منطقة استراتيجية مُهمَّة، ففضلاً عن كونها معبراً تجارياً بين السودان وليبيا ومصر، تضمُّ كذلك مناطق لتعدين الذهب، وتوجد بها نقطة جمارك كانت تحت سيطرة القوات المشتركة، كما تُعدّ معبراً للسودانيين وغيرهم من المُسافرين إلى ليبيا، ومنها إلى أوروبا عبر الهجرة غير الشرعية.
متحدّثاً لمراسلة «أتَـر»، يقول أحد النازحين إنه استغرق خمسة أيام سيراً على الأقدام للوصول إلى إحدى قرى منطقة المَحَس بالولاية الشمالية: «تحركنا في 11 يونيو، ثاني يوم من هجوم قوات الدعم السريع على منطقة المثلث. ذهبنا أولاً إلى محطة السفريات، وفوجئنا بارتفاع سعر التذكرة من المثلث إلى منطقة الخناق بدنقلا، التي تَضاعف سعرها إلى ما بين 700 ألف جنيه ومليون ونصف المليون جنيه للفرد، بعد اجتياح الدعم السريع للمنطقة، وكانت قيمتها لا تتعدّى 200 ألف جنيه قبل ذلك. كنا مجموعة كبيرة، فقرّرنا النزوح سيراً على الأقدام». ويضيف: «تحركنا بقليلٍ من الزاد في قيظ الصحراء. كان أكثر مسيرنا ليلاً، وقد نضب ماؤنا في اليوم التالي، ومعنا نساء وأطفال؛ أذكر أن إحداهن كانت تحمل طفلها ولم يستطع تحمُّل هذه الظروف القاسية فتوفي في اليوم الثالث، ورغم ذلك تمالكت والدته الصبر ودفنته وواصلت سيرها معنا قبل أن يدهمها الموت هي أيضاً في اليوم التالي». ويقول إنّ الرحلة أصابته بهزال شديد قبل أن يصل إلى قريته بمنطقة المحس، ويُسعَفَ إلى المشفى الذي مكث به أربعة أيام حتى شُفي.
متحدّثاً لمراسلة «أتَـر» يقول نازحٌ آخر من المثلث، إنّ قوات الدعم السريع، وبعد استيلائها على المنطقة بالتعاون مع قوات ليبية – بحسب ما ذكر – نهبت جميع ممتلكات المواطنين، من هواتف وأموال وسيارات وذهبٍ كان لدى الصاغة والمُعدّنين. ويضيف: «تحركنا سيراً على الأقدام – خوفاً على أرواحنا – حتى الحدود المصرية، لكن واجهتنا مصاعب كثيرة منها طول الطريق والشمس الحارقة في الصحراء وانعدام المياه. قضى البعض نحبهم بسبب العطش والجوع، وبعد حوالي أربعة أيام مشياً على الأقدام وصلنا معسكرات الجيش المصري، ثم رُحّلنا إلى معبر أرقين البرّي، وعند وصولنا إلى المعبر قُدّم لنا الطعام والمياه، ومن ثم نقلتنا السلطات السودانية إلى حاضرة الولاية الشمالية مدينة دنقلا، ومنها نُقِلَ النازحون إلى مدنهم ومناطقهم الأصلية».
وفي يوم الاثنين 16 يونيو، وصل عدد من أعضاء غرفة طوارئ وادي حلفا، إلى معبر أرقين لتقديم المعونات لآلاف النازحين القادمين من منطقة المثلث. يقول عضو الغرفة محمد سليم في حديثه لمراسلة «أتَـر»، إنهم بدأوا فوراً بتقديم الاحتياجات العاجلة والأساسية، وتُرحِّل السلطات المحلية النازحين مجاناً إلى عاصمة الولاية دنقلا، بينما يُرحَّل الأجانب إلى بلادهم، ويُضيف: «لا تزال حركة النازحين مستمرة وبلغ عددهم ما يقارب 6000 نازح».
بين بِندِسي وخُور رَملة: مصرع 4 أشخاص بسبب حذاء، واختطاف موظّفين من منظمة أجنبية
وسط دارفور – في الخميس الماضي 12 يونيو الجاري، لقي 4 أشخاص مصرعهم وأصيب آخر، في محلية بِندِسي التي تبعد حوالي 129 كيلومتراً جنوب مدينة زالنجي، حاضرة ولاية وسط دارفور، نتيجةً لاشتباك مسلّح وقع بين جنديَّيْن من قوات الدعم السريع وتاجر بسوق المدينة بعد نشوب مشادّة حادة بينهما والتاجر حول ثمن حذاء.
وأخبر شاهد عيان في بندسي، مراسل «أتَـر»، بأنّ تفاصيل الحادثة تعود إلى أنّ جندياً من الدعم السريع رفض دفع ثمن حذاء اشتراه من أحد التجار في السوق، وعندما ألحّ التاجر بطلب ثمنه، هدَّدهُ الجندي بقوله «لو راجل ألحقنا»، وتطوّرت المشادّة حتى تحوّلت إلى اشتباكٍ مسلّح بعد أن رفع التاجر سلاحه. حينها أطلق الجنديّ النار على التاجر فأرداه قتيلاً في الحال، كما أصاب الرصاص الطائش امرأةً وطفلها كانا بالقرب من موقع الحدث فقتلهما. وبدَوره رد شقيق التاجر الذي كان بالجوار بإطلاق الرصاص على الجندي فسقط قتيلاً، بينما فرّ الآخر مصاباً.
بعد الحدث احتشَد أقارب الطرفين، وبينهم مقاتلون في قوات الدعم السريع، تحسُّباً لمواجهة مسلّحة مُحتملة، ما استدعى تدخّلاً عاجلاً لقيادة الدعم السريع في مدينة زالنجي حاضرة الولاية. وخلال مؤتمر صلحٍ عُقد يوم السبت، تكلَّلَت الجهود بالوصول إلى تسوية عاجلة بين الجانبين، قَضَتْ بإلزام الأطراف بدفع ديّة قدرها 100 مليون جنيه لكل قتيل، وإيقاف أي تحشيد على أساس قبَلي لكليهما، ومنع المظاهر العسكرية داخل السوق.
أما في منطقة خور رملة بولاية وسط دارفور، وفي يوم الثلاثاء 17 يونيو الجاري، فقد اختَطفت مجموعة مسلحة مجهولة موظّفين بمنظمة «هاندي كاب إنترناشيونال» الفرنسية ونهبت كلّ ما بحوزتهم.
وذكرت المنظمة أنها فقدت الاتصال بقافلة مكوَّنة من عربتَيْن قادمتين من غرب دارفور بطريق زالنجي – نيرتتي، قرب نقطة تفتيش عسكرية بمنطقة خور رملة التي تبعد حوالي 13 كيلومتراً غرب نيرتتي. وقد تبين لاحقاً أنّ مسلّحين مجهولين، قد اختطفوا العربتين والركّاب. ويتكوّن فريق المنظمة المُختَطف من خمسة موظفين، اثنان منهم فرنسيَّا الجنسية، وثلاثةٌ سودانيون، بينهم نجل زعيم أهلي بدارفور. وبعد يومين، أعلنت المنظمة في تحديثٍ لها، أن فريقها المُختَطف قد أُطلِق سراحه مساء الخميس 19 يونيو الجاري، مشيرةً إلى أن جميع المُفرَج عنهم بصحة جيدة.
وقد أوضح أكثر من مصدر، لمراسل «أتَـر»، أنّ المجموعة المُسلّحة، اقتادت المختطفين من خور رملة إلى منطقة بمحيط جبل مرة من الناحية الشمالية الغربية، واستجوبتهم، ونهبت هواتفهم والنقود التي كانت بحوزتهم، ثم أُطلِقَ سراحهم.
وتشهد ولاية وسط دارفور، كغيرها من بقية ولايات الإقليم، التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع منذ أواخر أكتوبر 2023، تدهوراً أمنياً مُتصاعداً. وباتت أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، أحداثاً يومية روتينية يُعايشها المواطنون بالمنطقة، وسط نقص كبير في الخدمات الأساسيّة ولا سيما الغذاء والرعاية الصحيّة.
الكمير: نازحون وتكايا وسوق يزدهر ثم يخفت
ولاية نهر النيل – بعد ابتعاد شبح الحرب ووطأتها القاسية عن ولاية نهر النيل ومدينة شندي، تُحاول قرية كمير العوضية الواقعة في محلية المتمة استعادة واقعها الطبيعي، بعد أن شهدت موجات نزوح مُتتالية إثر اندلاع الحرب في الخرطوم وولاية الجزيرة، انحسرت تدريجياً بعودة النازحين إلى مناطقهم التي وفدوا منها.
أُغلقت تكية «الفكي علي» إلى جانب تكيّتين أخريين كانتا تقدّمان الطعام للنازحين طوال عامي الحرب دون انقطاع، صباحاً ومساءً، يتناوب على تشغيلهما نحو أكثر من 50 متطوعاً بتنسيق عالٍ مع خيرين من أبناء المنطقة يُوفّرون المواد الغذائية وحطب الوقود.
«أدّت التكايا دَورها على الوجه الأكمل، وخدمت نحو أكثر من 5 آلاف نازح وفدوا إلى المنطقة على مراحل طوال سنتي الحرب»، يقول عبد الله محمد أحمد، أحد المتطوّعين في لجنة حصر وخدمات الوافدين؛ ويضيف في حديثه إلى مراسل «أتَـر»: «توزَّع الوافدون في بداية الحرب بين المدارس ودُور الإيواء الأخرى ومنازل المواطنين، وقدّمت لهم اللجنة مساعدات غذائية شملت الدقيق والعدس والزيت وغيرها من المواد الغذائية، وعملت التكايا على تأمين وجبتين في اليوم».
تبعد الكمير نحو 15 كيلومتراً شمال شرقي مدينة المتمّة، على الضفّة الغربية لنهر النيل، وهي قرية طولية موازية للنهر ويَحدُّها جبل كدركول، الذي يعني اسمه في اللغة النوبية «صاحب النساجة»، إذ اشتُهرت المنطقة قديماً بالعمل في نسيج القطن والكتان، ويعمل أهلها بزراعة محصول البصل والبقوليات إلى جانب التجارة والرعي.
وفي أكتوبر 2024، شهدت البلدة تدفّقاً كبيراً للنازحين من قرى وبلدات شرق الجزيرة بعد اجتياح قوات الدعم السريع لتلك المناطق، عقب انشقاق أبو عاقلة كيكل منها وانضمامه وقواته إلى الجيش السوداني. وتراوحت أسعار إيجار المنازل في القرية، خلال تلك الفترة، ما بين 200 ألف و300 ألف جنيه، وتوسّع سوق النوراب المجاور، الذي شُيد العام 1970، ويؤمّه الناس ثلاث مرات في الأسبوع.
يخبر حمدنا الله، أنه بعد أن خسر محله التجاري في الخرطوم، افتتح متجراً للمواد الغذائية في سوق النوراب الذي انتعش كثيراً بعد الحرب، وتوسَّعت حركته التجارية وتنوّعت مصادره الاقتصادية، ولم يعد مُقتَصِراً فقط على أيام السوق المُحدَّدَة. «لكن هذه الأيام تراجع السوق كثيراً بعد عودة أغلب النازحين إلى مناطقهم، ويشهد ركوداً في حركة البيع والشراء والمواصلات»، يضيف حمدنا الله.
بدَوره يقول الماحي الطيب، ويعمل سائقاً في خط شندي – النوراب، إن حركة المواصلات عادت إلى إيقاعها البطيء وحالتها الأولى قبل الحرب، وغادرت أغلب الحافلات إلى خطوط عملها في الخرطوم ومدني. «بالكاد نكمل رحلتين في اليوم. فقد اقتصرت الركوبة على أهل المنطقة وحدهم»، يقول في حديث لـ «أتَـر» ويضيف: «النازحون الذين بقوا بيننا، بقوا أما للعلاج أو للمدارس. ولقد انحسرت المظاهر العسكرية والارتكازات وصوت إطلاق الرصاص».
وتقول طبيبة تعمل بالمركز الصحي، لمراسل «أتَـر»، إنّ معدل الزيارات اليومي للمركز تراجع كثيراً عن ما كان عليه أيام النزوح الكثيف. وفي المقبرة التي تتوسّط القرية، يُحصي مراسل «أتَـر» أكثر من 300 قبر جديد لموتى دُفنوا بعد الحرب أغلبهم من النازحين.
المُجْلَد: مُسيَّرات الجيش تطارد الدعم السريع
غرب كردفان – ظلّت مدينة المُجلد، بولاية غرب كردفان، بعيدة عن وقوع ضحايا بأعداد كبيرة حتى عصر يوم السبت الماضي، المُوافق 21 يونيو الجاري، عندما شَنَّت مُسيّرة تابعة للجيش غارة على مستشفى المدينة، وقُتل جراء ذلك 41 مواطناً وأصيب العشرات.
وبحسب شهود عيان تحدثوا لـ «أتَـر»، فإنّ المُسيّرة التي قصفت المستشفى ما بين الرابعة والخامسة عصراً كانت تستهدف تجمّعات لأفراد الدعم السريع، وبينهم مصابون في معركة السيطرة على الفرقة 22 بابنوسة التي وقعت في اليوم السابق للهجوم.
وأكد شهود عيان لـ «أتَـر»، أنّ الدعم السريع نقلت كثيراً من جرحى معركة بابنوسة إلى مستشفى المُجلد لتلقي العلاج. وقد امتلأ محيط المستشفى وداخلها بالمركبات العسكرية والجنود الذين كان بعضهم مُرافقاً للجرحى.
ولما يقرب من العام ظلّت مدينة المجلد، التي تخضع لسيطرة الدعم السريع أكثر استقراراً من بين بقية مُدن الولاية، التي انتقلت إليها مؤخراً العمليات العسكرية، وتحوّلت إلى خطّ مجابهة بين الجيش والدعم السريع، التي تمكَّنت في الآونة الأخيرة من دخول مدينة النهود، وجدّدت سيطرتها على مدينة الخِوَي التي فقدتها لعدة أيام قبل أن تستردّها بتكلفة بشرية باهظة.
ويقول مصدر لـ «أتَـر»، إنّ المدينة لم تشهد معاركَ عسكرية منذ سيطرة الدعم السريع عليها في نوفمبر 2023، إذ أصبحت من أهم المناطق التي تتوفر بها الخدمات الأساسية والرعاية الطبية.
وقد استقبلت المجلد وفقاً للمصدر، آلافَ النازحين من بابنوسة والخوي والنهود، وأصبحت مركزاً تجارياً كبيراً، وافتُتحت بها عدّة مراكز صحية، بجانب المستشفى الحكومي الرئيس، الذي يضمُّ وحدة غسل كلى يفد إليها المرضى من إقليم دارفور.
ومنحها الموقع الرابط ما بين جنوب السودان وإقليمي كردفان ودارفور ميزة إضافية، فأصبحت معبراً للمركبات والشاحنات القادمة من الجنوب ومن كردفان والولاية الشمالية، قبل قرار الدعم السريع بمنع التجارة بين مناطق سيطرته وسيطرة الجيش.
ويصف أحد سكّان مدينة المجلد الوضع داخل المدينة قبل تقدّم متحرّك الصياد وفكّ الحصار عن الأبيض بأنه كان هادئاً. ويُرجع المواطن، الذي فضّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، الأمر إلى نجاة المدينة من الشفشفة والانتهاكات بعد سيطرة الدعم السريع عليها، ويضيف: «لم يتعرّض التجّار لخسائر كبيرة، وذلك ما دفعهم للبقاء ولم يغادروا، وقد عزّزت الدعم السريع من حماية ممتلكات المواطنين لأنها الأكثر استفادةً من استمرار الحياة في المدينة وعدم تشريد سكانها».
وفي المقابل، تقول مصادر، إنّ المدينة التي كانت بؤرةً للتعايش السلمي، وتتمتّع بأنها من أهمّ المناطق الإنتاجية بغرب كردفان وتوجد بها أهم قطعان الضأن الحَمَري والأبقار، قد حدثت فيها انتهاكات ضدّ المجموعات السكانية غير الموالية للدعم السريع.
وتصل المواد والسلع الغذائية إلى المُجلد من عدة جهات، أهمّها طريق الدبّة التي تُنقل منها السلع إلى المُجلد عبر طرق مُعقّدة، ومن سوق النعام الذي أصبح من أكبر الأسواق التي ترد إليها السلع والبضائع من عدة دول منها أفريقيا الوسطى وكينيا ويوغندا وجنوب السودان.



