أتر

الإمداد المائي: عودة مؤقّتة في الخرطوم وأزمة في التشغيل

بينما كانوا يترقّبون تشغيل محطة «التمانيات» التي كانت مُتوقّفة بسبب أعطال طفيفة، فُوجئ السكان بالريف الشمالي لبحري، يوم الاثنين الماضي، بصدور بيان من هيئة مياه ولاية الخرطوم، أعلنت فيه توقف المحطة كلياً بسبب انحسار المياه من البيارة الرئيسة.

وقالت الهيئة إنّ محطة مياه شمال بحري قد توقّفت عن العمل كلياً اعتباراً من يوم الاثنين الموافق 14 يوليو 2025، لتُسجِّل إنتاجية صفرية من المياه. وعَزَتْ هذا التوقف المفاجئ إلى الانخفاض الحاد وغير المسبوق في منسوب مياه نهر النيل، ما أثر على قدرة المحطة على سحب المياه وتوفيرها للمواطنين.

وعقب توقف محطة بحري شمال، تضاءل أمل السكان الذين استبشروا فرحاً بوصول المياه إلى عدد من المناطق مترافقة مع استقرار نسبي في الكهرباء التي زادت ساعات تشغليها إلى ثماني ساعات بدلاً من ستّ ساعات في البرمجة السابقة.

وبالعودة إلى الوراء قليلاً، يتضح أنه خلال عامين من الحرب الضروس، لحقت بمصادر إنتاج المياه بولاية الخرطوم أضرار بالغة، إذ تعرّضت محطات الإنتاج وخطوط التوزيع وآليات الطاقة الكهربائية لتدمير ممنهج من قبل اللصوص وقوات الدعم السريع التي سيطرت على أجزاء واسعة من الولاية. وشمل التدمير صَهر الكوابل والتوصيلات ضمن ما عُرف بتجارة النحاس أثناء الحرب، فضلاً عن القصف المُتبادل بين طرفي الحرب.

تبذل الجهات الرسمية في الدولة جهوداً كبيرة لمعالجة مشكلة المياه وحلّها جذرياً؛ ولأنّ الخراب كان كبيراً أرادت الجهات الرسمية أن تكون المعالجة شاملة. لكن التدخّل الشامل لإصلاح الأعطال والتدمير في آن واحد لا يمكن أن يتجاوز حالياً ما بين 5% و10% في جميع المحطات الرئيسة بالولاية.

وفي محاولة لتدارك شحّ المياه بالعاصمة سعت السلطات الاتحادية والولائية إلى معالجة تلف الخطوط وصيانة المحطات الرئيسة وتشغيل الآبار في الأحياء، لكن هذه الجهود أخفقت في أغلب المحاولات.

وعن هذا الأمر يقول المهندس هشام الأمير، مدير إدارة مياه الشرب والصرف الصحي بوزارة الري الاتحادية لـ«أتَـر»، إنّ الجهات الرسمية في الدولة تبذل جهوداً كبيرة لمعالجة مشكلة المياه وحلّها جذرياً؛ ولأنّ الخراب كان كبيراً أرادت الجهات الرسمية أن تكون المعالجة شاملة. لكن التدخّل الشامل لإصلاح الأعطال والتدمير في آن واحد لا يمكن أن يتجاوز حالياً ما بين 5% و10% في جميع المحطات الرئيسة بالولاية وعددها 13 محطة: هي المقرن، وبرّي، وبحري، وشمال بحري «التمانينات»، والمنارة، وبيت المال، والصالحة، والشجرة، وجبل أولياء، ومحطة المنطقة الصناعية بحري، وأبو سِعِد، والقماير، والسلام 52 بدار السلام بأمبدّة.

لم تُوفق السلطات إلا في تشغيل طلمبة واحدة في محطة بحري التي كانت تعمل بـ 15 طلمبة ساحبة من النيل، وتنتج في الحالات الطبيعية 300 ألف متر مكعب يومياً، وتعمل حالياً بنسبة 5% في المائة من سعتها الكلية.

وبحسب هشام، فإنّ السلطات لم تُوفق إلا في تشغيل طلمبة واحدة في محطة بحري التي كانت تعمل بـ 15 طلمبة ساحبة من النيل، وتنتج في الحالات الطبيعية 300 ألف متر مكعب يومياً، وتعمل حالياً بنسبة 5% في المائة من سعتها الكلية. أما محطة مياه جبل أولياء التي كانت تنتج 68 ألف متر مكعب يومياً، فقد أُعيد تشغيلها بنسبة 25%، وتُنتج حالياً 17 ألف متر مكعب في اليوم الواحد.

ومن بين محطات المياه بالخرطوم، فإنّ محطة مياه جبل أولياء هي الأكثر إنتاجاً بعد محطة المنارة بأم درمان. ويعزو هشام ذلك إلى توفر الكهرباء العامة من جبل أولياء. وتمدّ محطة جبل أولياء المنطقة الواقعة جنوب الخرطوم، وتدعم محطة منطقة الشجرة، التي تنتج أقل من 5 آلاف متر مكعب يومياً، لتغطية حاجة سكان الشجرة إلى المياه، إضافة إلى مناطق واسعة جنوب الخرطوم.

ومع تشغيل عدد يتجاوز 370 بئراً تعمل بالطاقة الشمسية والجازولين في ولاية الخرطوم، وفقاً لمصدر في هيئة مياه ولاية الخرطوم، تحدث لـ«أتَـر» وطلب عدم إبراز هويته، فإنّ أزمة المياه بدأت تتراجع في عدد من الأحياء. ويقول إبراهيم مبارك من حي الصحافة جنوب الخرطوم، إنّ تشغيل عدد من الآبار بالمنطقة أسهم في تخفيف أزمة العطش التي كانت مستمرة منذ اندلاع الحرب قبل سنتين.

وفي المقابل، وصلت المياه إلى عدد من الأحياء بمدينة بحري. ويقول سالم عبيد من سكان الحلفايا، شمال بحري، إنّ المواسير في المنازل تعمل بين حين وآخر، وهو ما قلَّلَ من أزمة العطش، وأصبح العدد القليل من السكان في المنطقة يحتفظون بكميات مُقدَّرة من المياه قبل انقطاعها. ويخبر سالم «أتَـر» بأنّ المياه أصبحت تصل إلى المنطقة من محطة بحري الرئيسة بعد إعادة تشغيل جزء منها خلال الأيام الماضية.

المياه مقطوعة عن منطقة الوادي الأخضر لأكثر من سنتين، ما دفع السكان في المنطقة وعدد من الأحياء المجاورة إلى الاعتماد كلياً في الحصول على مياه الشرب على ما يُقدَّم لهم من المطبخ الخيري الذي يشتري تناكر مياه الشرب ويوزّعها على المواطنين بنِسبٍ مُحدَّدة.

بَيْد أن أزمة المياه لا تزال مستفحلة بمنطقة الوادي الأخضر وبعض أحياء الحاج يوسف بشرق النيل منذ بداية الحرب. وتقول إقبال عمر، وهي منسّقة المطبخ الخيري بالوادي الأخضر لـ«أتَـر»، إنّ المياه مقطوعة عن المنطقة لأكثر من سنتين، ما دفع سكان الحي وعدد من الأحياء المجاورة إلى الاعتماد كلياً في الحصول على مياه الشرب على ما يُقدَّم لهم من المطبخ الخيري الذي يشتري تناكر مياه الشرب ويوزّعها على المواطنين بنِسبٍ مُحدَّدة، ويبلغ سعر التنكر سعة 110 براميل 300 ألف جنيه، وسعر التنكر سعة 55 برميلاً 150 ألف جنيه، وسعر البرميل 3000 ألف جنيه. ويبلغ عدد السكان الذين يعتمدون على المطبخ الخيري في توفير مياه الشرب والطعام 1500 أسرة، وفقاً لإقبال التي قالت إنّ عدد الأسر في زيادة مستمرة يومياً بسبب عودة الناس من النزوح، وأغلبهم لم يتمكّنوا بعد من استعادة مصادر دخلهم.

هذا بينما تُحاول السلطات بولاية الخرطوم تشغيل محطة مياه المقرن التي تعرّضت لأضرار بالغة، وفقاً لهشام الأمير، الذي قال لـ «أتَر» إنّ الضرر بمحطة المقرن كبير، لذا يَجري تجريبها بعدد من الطلمبات من أجل تشغيلها، وأثناء عمليات التجريب تصل المياه إلى عدد من المنازل بالمقرن والمناطق القريبة منها.

ويُضيف الأمير أنه رغم محاولات تشغيل محطة المقرن، لكن المنطقة الواقعة بين شارع النيل بالخرطوم وحتى أجزاء من أحياء الصحافة لم تصلها المياه حتى الآن. وبحسب الأمير، كانت محطة مياه المقرن تنتج 90 ألف متر مكعب من المياه يومياً، وتغطي وسط الخرطوم والخرطوم 2 و3 والرِّميلة والقوز والحلة الجديدة والسجّانة وأجزاء من أحياء الصحافة، لكنها دُمّرت بالكامل.

تسعى هيئة مياه ولاية الخرطوم إلى توفير الطاقة الشمسية والوقود لعدد من الآبار الصغيرة من أجل تشغليها داخل الأحياء للحَدِّ من أزمة العطش التي بدأت تتراجع قليلاً أمام الجهد الرسمي للهيئة.

وأسهمت محطة مياه سوبا، التي تعرّضت لخرابٍ أقلّ مقارنةً ببقية المحطات، في توفير المياه لعدد من الأحياء بسوبا والباقير، لكن تُواجهها معضلة انقطاع الكهرباء العامة، وتُحاول السلطات تشغيلها باستخدام مولدات كهربائية تعمل بالديزل، إلا أنّ صعوبة توفير الوقود تُعيق عملها، وقد تراجع إنتاجها من المياه من 100 ألف متر مكعب يومياً إلى 10% من طاقتها. يقول هشام الأمير لـ«أتَـر» إنّ محطة  مياه سوبا تحتاج إلى ثلاثة براميل وقود من الجازولين يومياً، وهي تكلفة تفوق قدرة هيئة المياه التي لا تملك أموالاً لتشتري بها الوقود يومياً. ويستطرد: «لذلك تعمل المحطة لساعات معدودة وتتوقّف بحسب كميات الوقود المتوفرة». وهو ما يؤكّده مصدرٌ بهيئة مياه الخرطوم، قائلاً إنّ بقية المحطات منها محطة أبو سعد والصالحة ودار السلام تعاني من أزمة الكهرباء ولا تستطيع الهيئة تشغليها بالوقود.

وقال المصدر السابق في حديثه لـ«أتَـر»، إنّ الهيئة تسعى إلى توفير الطاقة الشمسية والوقود لعدد من الآبار الصغيرة من أجل تشغليها داخل الأحياء للحَدِّ من أزمة العطش التي بدأت تتراجع قليلاً أمام الجهد الرسمي لهيئة المياه.

ورغم تدخّل جهات مثل اليونيسف والصليب الأحمر بتوفير آليات وقطع غيار لمحطّات المياه، لكنّ تكلفة التشغيل اليومية تتجاوز المقدرة المالية للجهات الحكومية، لذلك تعمل محطات المياه بحسب التدخّل الرسمي الذي لا يتعدَّى 5% إلا في مرات نادرة، بحسب ما أكده الأمير، الذي يستشهد بأن محطة سوبا تحتاج إلى ثلاثة براميل وقود يومياً، وتحتاج محطة المنارة في الساعة الواحدة إلى عشرين جالون وقود، لذلك تعمل جميع هذه المحطات بسعة منخفضة رغم أنّ المنظمات دعمتها بالآليات. وقد حصلت محطة المنارة بأم درمان على عدد من المولّدات لإنتاج ثلاثة آلاف واط من الكهرباء، لكنها تحتاج إلى الوقود غير المتوفر حالياً.

وأخبر المصدر السابق الذي يعمل بهيئة المياه، بأنّ محطة بري بالخرطوم مدمّرة تماماً، وأن الأحياء التي كانت تعتمد عليها بجانب أحياء أخرى تحصل على المياه من محطة سوبا، وتُعاني حالياً من أزمة عطش شديدة .

وتُحاول السلطات كذلك تشغيل محطة بيت المال بأم درمان لتوصيل المياه إلى أحياء أم درمان القديمة. ورغم قلة عدد السكان بتلك المناطق، إلا أن الجهود تبدو غير كافية في الوقت الراهن.

Scroll to Top