بعد ستة أشهر من بداية الحرب، قرّرت ميساء محمد الأمين، التي تسكنُ الحارة 57 الثورة بأمدرمان، أن تُواجه الجوع بمبادرتها «سنَدك يا وطن»، التي تسهم في إطعام المحتاجين في الحارات 55 و60 و41 الثورة، والإسكان 99.
لكنّ الحاجَةَ لا تستأذن ولا تنتظر، لذا لم تكتفِ ميساء بهذه المناطق الأربع في أم درمان، وأنشأت مبادرة «تكية الفردوس الجوّالة»، وهي مطبخٌ على عجلات يتنقّل بين الفتيحاب، ومستشفى الشهداء، وسوق أم درمان، حتى مستشفى الكرامة بالقرب من النادي القبطي بحي العمدة. استأجرت المبادرة «ركشة» تجوّلت بها تكية الفردوس بين هذه الأحياء، والقائمون عليها يحملون الطعام على أكياسٍ شفافة.
سارت تكية الفردوس خطواتٍ بعيدةً في شمال أم درمان، فسار معها الخير حتى وصل إلى غربها بأمبدّة، حيث قرّرَ عبد الرزاق محمد أحمد إبراهيم المعروف بلقب «رِزْقة ملك الابتسامة»، وهو أحد سكّان أمبدة، ومن الشخصياتِ الشهيرةِ في وسائل التواصل الاجتماعي، أن يطهو الأمل في حيّه بعد أن استعادته القوات المسلحة.
لم تحتج فكرة رزقة إلى وقتٍ طويل، فقد اتجه كما ذكر لـ«أتَـر» إلى الاستخباراتِ العسكرية باحثاً عن مكان يبدأ منه التكية، فساعدته على الوصول إلى صاحبِ منزل بأمبدّة الحارة الثالثة غرب المستشفى الصيني. كانت كلمة صاحب المنزل واحدة: «البيتُ للناس»، وهكذا بدأت القصة.
بعدها جمع رزقة شبابَ الحيّ، وأشعلوا نارَ الحطبِ تحت قدورِ الفول، وأطلقوا أولَ تكيةٍ في المكان. يقول رزقة وهو يحرّك ملعقةً خشبيةً داخل قدرٍ يغلي فيه العدس: «كلُّ يومٍ نطبخ حوالي 15 حلة، خمس منها تُوزّع خارج التكية، وتصل في الغالب إلى مستشفى أم درمان». ويضيف: «أحياناً نجد لحماً، وأحياناً لا نجد سوى العدس أو الفول أو البليلة العدسية. نعمل بالقليل، ونحمد الله إن وجدنا الكثير».
الأهمّ لدى رزقة أن لا ينقطع العمل، وكذلك ميساء التي تقول متحدّثةً عن تكية الفردوس: «أحياناً نقدّم وجبتين في اليوم، وأحياناً واحدة، لكننا نحرص على ألا نتوقف عن العمل». ولا تعتمد ميساء على مصدرٍ واحدٍ في دعمِ مبادراتِها ويأتيها المال من أصدقائها، وأهلها، ومن كل من يستطيع ويرغب في إغاثةِ الجياع. وتشير ميساء أيضاً إلى دعمٍ نوعيٍّ من «المؤسسة الوطنية التعاونية»، وهي من أولى الجهاتِ التي قصدتْها للمساعدة.
تأتي التبرّعاتُ إلى رزقة من مبادراتٍ داخل السودان وخارجه، كان آخرها من الطلابِ السودانيين في ماليزيا، وفي بعض الأحيان، يصله دعمٌ متفرّقٌ من جهاتٍ حكومية، مثل مكتب والي الخرطوم.
تقول ميساء إنّ مبادرتها تمكّنت من الوصول حتى إلى عابري السبيل، وكذلك رزقة، الذي يقول وهو يشير إلى طابورٍ طويلٍ اختلطت فيه الأواني البلاستيكية مع بعض «البستلّات»: «نُحصي الأيتامَ والمحتاجين، ونعطيهم بطاقاتٍ يتسلّمون بها وجبتَهم اليومية. والباقي لكل الناس، حتى عابري السبيل».
لم يكن رزقة وحده، بل التفّ حوله شبابُ الحيّ، يعملون معه، ويحملون ذاتَ الرغبةِ، يقول عنهم: «حولي شبابٌ يعملون لكي يروا البسمةَ في وجوهِ الأطفال بعد أن يأخذوا وجبتَهم»، فلم تعد التكيةُ لرزقة وصحبتِه من المتطوّعين محضّ مكانٍ لتوزيعِ طعام، بل تحوّلت إلى نقطةِ لقاء، ومنبرٍ للتماسك، ومكانٍ يجد فيه الناس بعضهم.
أما ميساء، فتعتمد على نساءٍ متطوّعاتٍ يطبخن بجدّ، ورجلٍ واحدٍ فقط يتولّى مهمةَ التوصيل. وتقول عنهن: «نحن فريق، نعمل سويّاً، نتكاتف لنكافح الجوعَ ونخدم الذين يعانون، حتى ولو بالأكل فقط».
حين يُسأل رزقة عن السببِ في الاستمرار، يجيب: «نبحث عن الأثر. نبتسم لأننا نمنح شيئاً نحتاجه جميعاً: الأمل. في زمنِ الحرب، إن لم تبتسم، ستنهار». بينما ترى ميساء المسألة من زاويةٍ أخرى، لكنها لا تبتعد كثيراً عن المعنى الذي رمى إليه رزقة، فتقول: «ما نفعله هو واجبنا تجاه المجتمع، والكرمُ السودانيُّ والتكافلُ هما السلاحُ الحقيقي. لقد تعاطف الناس، وشعروا ببعضهم، وذلك ليس بغريبٍ على السودانِ والسودانيين».
مع أن الوجبة لم تعد وجبة، بل وسيلة لتجاوز يوم آخر، فإنّ التكايا، والمبادرات الفردية، والقلوب المفتوحة، أثبتت أنّ السودانيين، حتى في أصعب الظروف، ما زالوا يُقاتلون جماعةً، ويصنعون من الجوع رسالة تضامن، لا وصمة عجز.



