مع إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في 3 يوليو الجاري، اكتمال بناء سدّ النهضة، ودعوته السودان ومصر للمشاركة في حفل التدشين المقرّر في سبتمبر المقبل، عادت قضيته إلى البروز في نوافذ الإعلام. وهي ليست قضية واحدة، إنما لسدّ النهضة قضيتان تشغلان الرأي العام في بلدَي المصبّ: مصر والسودان. أُولاهما تلك المتعلّقة بأمان السدّ واحتمالية انهياره، بخاصّةٍ أن إثيوبيا تقع في منطقة نشطة زلزالياً. أما القضية الثانية، وقد ظلت تقضّ مضاجع المراقبين في البلدين، فهي تأثير عمليات تشغيل السدّ على حصّة مياه النيل لشعبَي السودان ومصر اللذين يفوق مجموع تعداد سكانهما 155 مليون نسمة.
نتناول هاتين القضيتين في فصلين، ابتدرنا أولهما في العدد السابق، حيث فحصنا فرضية انهيار السدّ، ونفحص في هذا الفصل الثاني ما يُثار حول تشغيل السدّ وتأثيراته على السودان في مستقبل الزراعة والطاقة والأمن الغذائي والقومي.
الفصل الثاني: تشغيل سدّ النهضة
كان لإعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وَقْع الصاعقة على المهتمّين بالأمر في دولتي المصبّ (السودان ومصر)، بَيْد أنه كان أشدّ وقعاً على القاهرة التي سعت بجميع السبل للتشكيك في مقدرة إثيوبيا على إتمام بناء السدّ أو حتى تشغيله.
وبينما تغرق بحيرة السد الإثيوبي بالمياه، مبشّرةً شعب أرض الحبشة بتحقيق حلم النهضة، تغرق دولتا المصبّ في بحر الأزمات، إذ يعاني السودان ويلات الصراع المسلّح الممتدّ لأكثر من عامين، وتقاسي مصر أعباء تحدياتها الاقتصادية التي باتت تمسّ سيادتها ونفوذها في القارة الأفريقية، لمصلحة لاعبين إقليميين آخرين. ولعلّ وجود لاعبين إقليميين قد عزّز عوامل الانقسام بين دول حوض النيل الأزرق (السودان ومصر وإثيوبيا)، التي فشلت في الوصول إلى اتفاق عبر عدد من جولات التفاوض قبل أن تسدل الستار على المسار التفاوضي في ديسمبر 2023.
لقد ضمنت مصر حقوقها المائية من خلال توقيع عدد من الاتفاقيات لحصص مياه النيل، شملت رافديه (الأزرق والأبيض). وجدير بالذكر أنّ أطراف هذه الاتفاقيات كانت ممثلة في الدول الاستعمارية، فبينما مثلت بريطانيا العظمى كلاً من السودان ومصر وكينيا ويوغندا وتنزانيا، كانت إيطاليا ممسكة بالقلم الذي وَقَّع نيابة عن الحبشة (إثيوبيا وإرتريا).
وُقِّعت خمس اتفاقيات بخصوص مياه النيل برعاية بريطانيا العظمى، بدءاً من خواتيم القرن التاسع عشر، وتحديداً في العام 1891م. وكفلت تلك الاتفاقيات لمصر هيمنتها على مياه النيل الأزرق والأبيض، بما لا يضرّ بمصالحها. وعلى مدى 68 عاماً ظلّت مصر برعاية بريطانيا تمضي في توقيع اتفاقيات تضمن حصتها وهيمنتها على مياه النيل.
| الاتفاقية | محتوى الاتفاق |
|---|---|
| اتفاقية 1891 | وُقّعت بين بريطانيا العظمى وإيطاليا، وحدَّت من إقامة مشاريع للري على نهر عطبرة لضمان عدم التأثير على حصص المياه. |
| اتفاقية ترسيم الحدود 1902 | وُقّعت بين بريطانيا العظمى وإيطاليا وإمبراطور الحبشة، ونصّت على عدم إقامة أي مشاريع على النيل الأزرق أو نهر السوباط إلا بالاتفاق مع بريطانيا وحكومة مصر والسودان (الحكم الثنائي). |
| اتفاقية 1925 (اتفاقية روما) | وُقّعت بين بريطانيا العظمى وإيطاليا في روما، وقضت بالتأكيد على الحقوق المكتسبة لدولتي المصبّ (السودان ومصر) في حصص مياه النيل الأزرق والأبيض وروافده. |
| اتفاقية 1929 | وُقّعت بين مصر وبريطانيا: وَقَّعت بريطانيا بالإنابة عن السودان وتنزانيا وكينيا، ونصّت على أن حصّة السودان السنوية (4 مليارات متر مكعب)، بينما تكتسب مصر نصيب الأسد (48 مليار متر مكعب). |
| اتفاقية 1959 | وُقّعت بين السودان ومصر (بعد حصول السودان على استقلاله)، وجرى التأكيد فيها على الاستحقاقات السابقة مع رفع حصص دولتي المصبّ إلى (18.5 مليار متر مكعب للسودان)، و(55.5 مليار متر مكعب لمصر). |
بعد حصول دول حوض النيل على استقلالها، أبدت غالبيتها تحفّظاتٍ على العدالة في توزيع حصص مياه النيل بما يضمن استفادة دول المنبع من ثرواتها المائية، في ظل الزيادة السكانية وطموحات هذه البلدان في التوسّع وتحقيق الرفاه لشعوبها. وإثر ذلك توافقت هذه الدول على إطلاق مبادرة حوض النيل في العام 1999 لتحقيق مبدأ الانتفاع الكامل، والتي أسفرت في نهاية الأمر عن توقيع اتفاقية الإطار التعاوني لحوض نهر النيل «اتفاقية عنتيبي» في العام 2010، التي تهدف إلى المساواة في السيادة والاستخدام العادل لمياه النيل، ما يفيد بعدم الالتزام باتفاقيات الأعوام 1929 و1959، ومن ثمّ عدم الاعتراف بالحصص السنوية للسودان ومصر. وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ بعد مصادقة جنوب السودان عليها في يوليو من العام الماضي (2024).
وللمفارقة، فإنّ اتفاقية العام 1902 الآنف ذكرها، والتي تعترض عليها إثيوبيا، قد شملت إعادةَ ترسيمٍ للحدود ضمّت إقليم بني شنقول (الذي يقع عليه سدّ النهضة) إلى إثيوبيا، بعد أن كان داخل الحدود السودانية، ليكون أي إلغاء للاتفاقية هذه، يعني عودة الإقليم إلى السيادة السودانية، وهذا ما لوّحت به الخارجية السودانية خلال الأعوام الماضية.
وأعقب الإعلانَ عن تدشين سد النهضة في العام 2011 عددٌ من جلسات التفاوض بين إثيوبيا والسودان ومصر، تحت إشراف لجان خبراء دوليين في الأعوام 2012 و 2014. وخلال هذه المفاوضات لم تُبدِ دولتا المصبّ تحفّظات على بناء السد، وبختامها جرى التأكيد على ضرورة استكمال الدراسات التي تضمن عدم تأثرهما بقواعد الملء والتشغيل.
وشهد العام 2015 اختراقاً جزئياً للأزمة، بعد توقيع إعلان المبادئ في الخرطوم، الذي منح إثيوبيا الحقّ في بناء السدّ، ونصَّ على 10 بنود رُوعي فيها التعاون بين الدول الثلاث من خلال الاستخدام المُنصف للمياه وعدم التسبّب في ضرر ذي شأن، والتعاون في ملء السد وتشغيله وأمانه وبناء الثقة وتبادل المعلومات والسيادة والتسوية السلمية للمنازعات. وقد مثّل هذا التوقيع انتصاراً سياسياً لإثيوبيا، فخلال الأعوام التي تلته، واصلت إثيوبيا إنشاءات السدّ، غير مبالية بمطالب مصر بالتوقّف عن الإنشاء إلى حين الفراغ من الدراسات والوصول إلى اتفاق مُلزِم لعمليات الملء والتشغيل. وتمسّكت إثيوبيا بأنها لن تُلحِق ضرراً بدولتي المصبّ بينما تنفي الدولتان هذه المزاعم، وتعتقدان أن الجانب الإثيوبي يسعى لكسب الوقت بإطالة أمد التفاوض. ولقد رعت أطراف إقليمية ودولية بعضاً من جولات التفاوض، كانت أبرزها التي استضافتها واشنطن في فبراير 2020 إلا أن مصيرها لم يختلف عن سابقاتها في عدم الوصول إلى اتفاق مُلزم.
لقد كانت مسألتا قواعد ملء السدّ وتشغيله من أهمّ الملفات المطروحة على طاولة المفاوضين، نظراً إلى حساسيتهما البالغة وتأثيراتهما المتوقّعة على إيراد مياه النيل وحصص كلا الدولتين. وتكمن حساسية ملء سد النهضة في أن عمليات التخزين ستكون خصماً على الحصص السنوية لدولتي المصبّ، أضف إلى ذلك احتمالية تزامن عمليات الملء مع سنوات الجفاف (انخفاض معدل هطول الأمطار) على الهضبة الإثيوبية. ولأجل ذلك تمسّكت مصر بأن يكون الملء على 10 سنوات (10 مواسم أمطار)، بينما أصرّت إثيوبيا على أن الفترة يجب أن تتراوح بين 4 و7 سنوات، بينما وافق السودان على أن يجري الملء في 7 سنوات. بَيْد أن إثيوبيا مضت في مسار أحاديّ ببدء عمليات الملء في خريف العام 2020 دون الوصول إلى اتفاق مع دولتي المصبّ، وهو ما اعتبرته الأخيرتان إخلالاً باتفاق المبادئ في العام 2015. وعلى الرغم من استمرار إثيوبيا في عمليات الملء طوال خمس سنوات ماضية (2020 – 2025)، لم يصاحب ذلك انحسار في واردات النيل لدولتي المصبّ، ويُعزى ذلك إلى أنّ السنوات الماضية شهدت هطولاً غزيراً للأمطار، مثّل فائضاً في إيرادات النيل الأزرق، تمكّنت من خلاله إثيوبيا من إتمام 5 عمليات ملء قبل أن تعلن هذا العام أنها ستُسدل الستار على هذه العمليات بملءٍ سادس، مؤكّدة بذلك صدق ما ذهبَتْ إليه سابقاً بأنها لن تضرّ بمصالح دولتي المصبّ.
غير أنّ إتمام عمليات الملء الحالية لا تعني نهاية المطاف، بخاصّة أن تشغيل السد يستلزم عملية إعادة ملء مع كلّ موسم للأمطار، ومع الأخذ في الاعتبار عدم انتظام معدلات هطول الأمطار، فإنّ التهديد لا يزال قائماً من حيث آلية ملء السد خلال موسم الجفاف (انخفاض معدل هطول الأمطار) أو الجفاف المستمر (استمرار انخفاض معدل هطول الأمطار لسنوات متتالية مثلما حدث سابقاً في الفترة من 1979 – 1987). لذا تتمسّك مصر بضمان الوصول إلى اتفاق مُلزم بخصوص الملء يضمن حصصها المائية خلال فترات الجفاف.
يجري ملء خزان سد النهضة خلال موسم الأمطار من كل عام (يوليو - سبتمبر)، وهي الفترة التي تهطل فيها 85% من الأمطار على إثيوبيا. يُقدّر متوسط إيراد مياه الأمطار سنوياً في إثيوبيا بحوالي963 مليار متر مكعب.
ومع هذه الكميات الهائلة من المياه خلال موسم الأمطار «الخريف»، يُبدي الجانب السوداني تحفّظاته حول تدفّق المعلومات من الجانب الإثيوبي بخصوص عمليات الملء والتشغيل، فلا أرقام دقيقة حتى الآن عن الحجم الفعلي للمياه المخزّنة داخل بحيرة السد، بعد انتهاء آخر عملية ملء (سبتمبر 2024)، خاصة أن تشغيل السد بكامل طاقته لم يبدأ بعد، (تعمل 6 توربينات فقط من مجموع 13 توربين)، ما يثير الشكوك بعدم تمرير المياه خلال موسم الجفاف الماضي، وأنّ إدارة سد النهضة ستمرّر غالبية مياه الفيضان في الموسم الحالي (يوليو – سبتمبر). وتشير الاحتمالات إلى أن المنطقة ستشهد ارتفاعاً فوق المعتاد في معدلات هطول الأمطار بحسب مركز التنبؤات المناخية والتطبيقات التابع للإيقاد (ICPAC) يصل إلى ما يقدّر بـ 55%، وهو ما ينذر بكارثة حقيقية على السودان، بحدوث فيضانات مُدمّرة على المدن والقرى الواقعة على ضفاف النيل الأزرق وصولاً إلى الخرطوم التي يقترن فيها النيل الأزرق المندفع بشدّة مع نظيره النيل الأبيض ليكمل مسيرة الفيضان شمالاً. إضافة إلى أن مناطق جنوب مقرن النيلين قد لا تَسْلم أيضاً من الأذى، إذ يُسفر بطء تدفّق مياه النيل الأبيض إلى ارتداد كميات منها جنوباً عند الالتقاء بالمياه المُندفعة القادمة من النيل الأزرق، ما ينتج عنه غرق للمناطق المنخفضة الواقعة على ضفاف النيل الأبيض مثل أحياء الفتيحاب والصالحة في أم درمان.
سد النهضة الإثيوبي
ويُمثّل النيل الأزرق 85% من الإيراد الكلي للنيل، بما في ذلك نهر السوباط، الذي ينبع من إثيوبيا ليلتقي مع بحر الجبل جنوبي مدينة ملكال، ليشكِّلا معاً نهر النيل الأبيض مُساهمَيْن بـ 15% من مجموع إيراد نهر النيل.
ولا يقتصر الخطر على الفيضان فحسب، إنما قد يمتدّ لتهديد سلامة جسم سد الروصيرص الذي يبعد 100 كيلومتر فقط عن سد النهضة. وتبلغ السعة التخزينية لسد الروصيرص بعد تعليته في العام 2012 أكثر من 7 مليارات متر مكعب، ورغم ذلك لن يقوى على الصمود حال فتحِ بواباتِ سدِّ النهضة دون تنسيق بين الجانبين الإثيوبي والسوداني.


صورتان بالأقمار الصناعية في بحيرة سد النهضة توضحان عدم حدوث اختلاف ملحوظ في مساحة بحيرة السد في الفترة التي أعقبت الملء الخامس في العام الماضي (2024) وحتى شهر يوليو من العام الجاري (2025). تصوير القمر الصناعي Sentinel-2 التابع لبرنامج Copernicus الأوروبي، باستخدام منتج L2A Surface Reflectance بدقة مكانية تبلغ 10 أمتار، المصدر مجلة أتر (الإمام ـ ساري).
ومما سبق، يتضح أن جميع مخاوف الجانب السوداني سيجري تجاوزها فور البدء الفعلي في التشغيل الكلي لسد النهضة، عن طريق توليد الكهرباء بكامل سعتها. يشرح ذلك طبيعة عمل السد في توليد الكهرباء، إذ يتكوّن السد من 13 وحدة توليد (13 توربين)، وقدرة توليد الكهرباء لكل واحد منها 400 ميقاواط. وتصل القدرة الكلية لسد النهضة إلى 5150 ميقاواط. إنّ عملية التوليد هذه تستلزم تمرير حوالي 4 مليارات متر مكعب شهرياً من المياه (48 مليار متر مكعب سنوياً)؛ وبالتالي فإن التشغيل الكلي للسد يضمن للسودان تدفقاً شهرياً منتظماً بمقدار 4 مليارات متر مكعب من المياه، ما يضمن خطة واضحة لإدارة سد الروصيرص، إضافة إلى الفوائد المُتعدِّدة، مثل زيادة كفاءة توليد الكهرباء للسدود السودانية، فضلاً عن المكاسب في مجالات الزراعة والأمن الغذائي، والوقاية من خطر الفيضانات، وتنظيم النقل النهري، ومجموعة كبيرة من الإيجابيات التي ما كان لها أن تتأتى لولا وجود سدّ ينظّم جريان نهر النيل الأزرق.
إنّ التدفق المنتظم لمياه النيل الأزرق يضمن للسودان الاستفادة الكاملة من حصته المائية، والتي تُفقَد سنوياً لمصلحة مصر، وذلك لغياب مواعين التخزين الكافية التي تتسع للكميات الضخمة من مياه النيل الأزرق. ويبلغ مجموع إيراد النيل الأزرق ورافديه (الدندر والرهد) حوالي 49 مليار متر مكعب، إلا أنّ 41 مليار متر مكعب منها (أي ما يعادل 80%) يتدفق خلال موسم الفيضان (يوليو – سبتمبر)، ما يجعل استغلالها كلياً أمراً مستحيلاً، بخلاف ما هو عليه بالنسبة لمصر التي تبلغ سعة خزان السد العالي بها حوالي 162 مليار متر مكعب، ما يجعلها قادرة على استيعاب أضعاف هذه الكمية المُهدَرة من المياه. وهذا ما يفسّر كيفية فقدان السودان لحصته المائية؛ وفي المقابل تأذّي مصر من مشروع سد النهضة الذي سيحرمها من فائض حصة السودان. إنّ الجانب المصري يدرك جيداً أّن تشغيل سد النهضة لن يمسّ حصته السنوية من المياه والمقدّرة بـ 55.5 مليار متر مكعب (تأتي هذه الحصة من النيل الأزرق ونهر عطبرة والنيل الأبيض)، إذ إنّ الغرض من تشغيل السدّ هو توليد الكهرباء، وبالتالي لا يُعَدُّ السدُّ مُستهلِكاً للمياه، كما هو الحال في السدود المصمَّمة لأغراض الري. ودليل ذلك أن السدّ قد أنشئ على آخر نقطة يمرّ بها النيل الأزرق داخل إثيوبيا والحدود مع السودان، لذا فإنّ مثار القلق هو حقيقةٌ يتعمّدُ الجانب المصري عدم ذكرها إعلامياً، وهي أنّ الحصة الفعلية لمصر ولعقود مضت، كانت تزيد عن 62 مليار متر مكعب، بزيادة عن حصتها بحوالي 6.5 مليار متر مكعب، تحصل عليها من حصة السودان البالغة 18.5 متر مكعب.
مصادر مياه النيل خلال موسمي الجفاف والأمطار
شكل يوضح مجموع الإيراد السنوي لمياه نهر النيل، ويُظهر الإيراد الهائل للنيل الأزرق (الذي أنشئ سد النهضة على مجرى مائه)، بينما تسهم الروافد الموسمية (الدندر والرهد وعطبرة) بحوالي 15 مليار متر مكعب، وتصبُّ جميعها في مجرى النيل الأزرق داخل حدود السودان. وجدير بالذكر أنّ المرتفعات الإثيوبية تسهم في تدفق النيل الأبيض من خلال نهر السوباط الذي يلتقي ببحر الجبل جنوبي مدينة ملكال ليُشكّلَا معاً نهر النيل الأبيض بما مجموعه 26.7 مليار متر مكعب.
ومع دخول سد النهضة مراحل الملء والتشغيل، بدأت مصر فعلياً في تقنين زراعة بعض المحاصيل ذات الاستهلاك العالي للمياه، فقد قضت بتقليص مساحات زراعة الأرز مثلاً، ما يعني تقليل الاكتفاء الذاتي منه لينعكس على حجم صادراته ووارداته.
إنّ كل مليون متر مكعب من المياه يمثّل لمصر دخلاً إضافياً من العملات الأجنبية، إذ تغرق الأسواق الخليجية والأوروبية بالمنتجات المصرية من الخضروات والفواكه والأجبان، فضلاً عن المنسوجات والمنتجات القطنية، التي تشكل جميعها مياهاً افتراضية (إنّ المياه العذبة التي يستهلكها الفرد ليست فقط تلك المستخدمة في المنازل، وإنما هي في الواقع جميع كميات المياه التي يستهلكها في غذائه وملبسه من خلال قياس كميات المياه المستخدمة في زراعة المحاصيل الغذائية أو الملابس). جميع هذه المنتجات في واقع الأمر تستهلك كميات ضخمة من المياه من خلال ما يستهلكه ذلك الغذاء من مياه للزراعة والري ورعي الماشية.
| المحصول / المنتج | كمية المياه المستهلكة (لتر) |
|---|---|
| الأرز | 4,000 |
| القمح | 1,500 |
| الذرة | 480 |
| القطن | 10,000 |
| الموز | 790 |
| الطماطم | 214 |
| لحم الضأن | 10,412 |
| لحم الدجاج | 4,325 |
استهلاك المياه (البصمة المائية) لمجموعة من المحاصيل الأساسية (بالكيلوغرام للمحصول)
إنّ مقدار 6.5 مليار متر مكعّب من المياه سنوياً، قادرٌ على زراعة ملايين الأفدنة من الأراضي في مصر، وتوفير آلاف فرص العمل، وإنتاج أطنان من المحاصيل الغذائية التي تُسهم في الاكتفاء المحلي وتحقيق الأمن الغذائي، فضلاً عن صادراتها ووارداتها من العملة الأجنبية.
وتكتسب إثيوبيا ودول حوض النيل المُطلّة على البحر الأحمر أهمية جيوستراتيجية، تدفع اللاعبين الدوليين للتباين في الانحياز إلى أطراف النزاع في قضية سد النهضة. وليس أدلّ على ذلك من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الآونة الأخيرة (يونيو الماضي) التي قال فيها إنّ الولايات المتحدة الأمريكية قد اتخذت قراراً «غبياً» بتمويل سد النهضة، قبل أن يكرّر ذلك مرة أخرى في تصريح مُتلفز في يوليو الجاري بعد أيام قليلة من إعلان أبي أحمد لافتتاح السد، بأنّ أمريكا قد أخطأت بدعم وتمويل سدّ النهضة ووصفه بأنه يمثل تهديداً وجودياً لمصر، وقد وعَد بأن يتولى علاج الأزمة والوصول إلى اتفاق. بَيد أن هذه التصريحات يمكن أن تُقرأ بأنها محاولةٌ لتسييس قضية سدّ النهضة، ولمساومة مصر على مجموعة من الملفات الإقليمية، على رأسها تهجير سكان غزة إلى أراضي جزيرة سيناء. لكن في مُغالطةٍ لحديث ترمب، ينفي الجانب الإثيوبي مزاعم الرئيس الأمريكي، ويُؤكّد أن تمويل السد قد كان بالموارد الذاتية.
غير أنّ اللافت هو التزام الجانب السوداني الصمت جرّاء ما يدور في الآونة الأخيرة، وقد يُعزى ذلك إلى الفراغ التنفيذي الذي تعانيه أجهزة الدولة السودانية منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وما أعقبه من الصراع العسكري الدائر وتحدّيات تشكيل الحكومة. لكن من الضروري التأكيد على أن السودان شريك أساسي في صنع القرار لأي مشروع اتفاق مستقبلي بنهر النيل، وهو الذي يحتضن ما نسبته 43% من مساحة حوض النيل. لقد بات السودان أمام تحديات مستقبلية تستلزم قرارات مصيرية لمواجهة الزيادة السكانية والتنافس المستمر على الموارد الطبيعة في ظل تداعيات تغير المناخ.
وقد خسرت السدود السودانية خلال العقود الماضية كثيراً من سعتها الاستيعابية جراء الإطماء، ما أدّى إلى انخفاض كفاءتها لتوليد الكهرباء وتدفّقات الري الانسيابي. كذلك، ظلّت مواسم الأمطار «الخريف» تشكّل هاجساً مُزعجاً للسودانيين على مرّ السنوات الفائتة، من حيث تدمير ملايين الأفدنة الزراعية، وفي الذاكرة ما حدث خلال العام 2020، حيث وصلت مناسيب نهر النيل الأزرق إلى ارتفاع تاريخي بلغ 17.66 متر. وقد أدت الفيضانات إلى تدمير ما يصل إلى 5.4 مليون فدان من الأراضي الزراعية التي بلغ حجم دمار محاصيلها الزراعية ما يزيد عن مليون طن من الذرة والسمسم والفول السوداني والدخن وبعض الخضروات، كذلك تضرّر القطاع المْروي بما يزيد عن مليونين ونصف المليون فدان، فضلاً عن الخسائر الكبيرة في رؤوس الماشية بما يزيد عن 108 آلاف رأس، إضافة إلى الخسائر الكبيرة على مستوى البنية التحتية وشبكات الري وقطع الطرق ودمار المنازل، وما يترتّب عليه من نزوح وانقطاع لمصادر الرزق وانتشار للأوبئة جراء فقدان المراحيض الصحية، وما يتبعها من مُمارسات التبوّل والتبرز في العراء. إنّ الكوارث والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الفيضانات لا يمكن تصوّرها.
| السد | السعة (مليار م³) |
|---|---|
| الروصيرص | 7.3 |
| سنار | 0.4 |
| خشم القربة | 0.5 |
| أعالي عطبرة وستيت | 3.7 |
| مروي | 12.5 |
سعة السدود على مجرى النيل الأزرق. أُضيفَ سدُّ مروي باعتبار أن غالبية المياه التي تمر به تأتي من النيل الأزرق، بينما لم يُضف سد جبل الأولياء إذ يقع على مجرى النيل الأبيض جنوب الخرطوم بحوالي 44 كيلومتراً.
إنّ فوائد سد النهضة للسودان، تدفع بعض الخبراء إلى وصف السد بأنه هدية إثيوبية للسودان، بدءاً من تصميم السد بسعة خزان تعادل 74 مليار متر مكعب، وذلك يكفل حجز كميات هائلة من الطمي ترد إلى السودان عبر النيل الأزرق، ما يزيد من كفاءة تشغيل السدود السودانية لتوليد الكهرباء، إضافة لإطالة عمرها وتوفير الأموال الضخمة التي كانت تُنفَق على إزالة هذه الرواسب وتنظيف مداخل التوربينات. ورغم ما يُثار حول أن انخفاض الطمي سيؤثر سلباً على خصوبة الأراضي الزراعية ويُفقِدها السماد الطبيعي والمغذيات، إلا أنّ الطمي الذي سيُحجَزُ في سد النهضة هو ما يعرف بالطمي الزاحف، وهو الموجود في عمق النهر، ويشبه في تكوينه الكثبان الرملية، ويُعدّ مسؤولاً عن الحدّ من كفاءة السدود. أما الطمي المغذي، وهو ما يعرف بالعوالق، فإنه يُتوقَّع أن يمرّ دون إعاقة من سد النهضة عبر فتحات التوريد الخاصة به.
مع تنامي النفوذ الإقليمي في المنطقة، وتواتُر الأنباء عن أن إثيوبيا بصدد إنشاء مشاريع سدود مستقبلية عقب الفراغ من سد النهضة، يتّضح بلا شك أننا نشهد عصراً جديداً في ما يتعلق بالسيادة على نهر النيل، وتحوّلاً في مراكز القوى الإقليمية؛ لذا لا بدّ من الوصول إلى حلول وتسوية بحضور جميع اللاعبين الإقليميين، وقبل ذلك يجب أن يدرك السودان أنه ليس محض وسيط، وأنه يتعيّن عليه النظر إلى موارده برؤية مستدامة تضمن له الصمود أمام تحديات المستقبل القريب.
إنّ التعاطي مع قضايا سد النهضة يجب أن يتجاوز النظرة التقليدية القائمة على الهواجس والمخاوف، ليتجه نحو استثمار الفرص وتحقيق المكاسب المُمكنة بما يضمن مصالح السودان الحيوية ويُعزّز من قدرته على إدارة موارده المائية. فبينما يحمل السد تحديات حقيقية، إلا أنه يفتح كذلك أبواباً جديدة للتعاون الإقليمي والتنمية المُستدامة، شريطة أن يجري ذلك من خلال رؤية استراتيجية واعية وشراكة عادلة تُراعي حقوق جميع دول الحوض وتؤسّس لمرحلة من التكامل لا التصادم والاستفادة لا الاستنزاف.



