في ظلمة الليل، وبين خيام ممزّقة ومآوٍ هجرتها الطمأنينة، جلس «م. ص» يتأمّل مسار نزوحه الطويل: من جنوب كردفان إلى أم درمان ثمّ رَبَك، فالرَّنْك، ثم جوبا، وأخيراً إلى مستوطنة كِرياندُنغو شمال يوغندا.
لكنّ كِرياندُنغو، التي ظنّها محطته الآمنة الأخيرة، لم تلبث أن تحوّلت إلى ساحة خوف جديدة. ففي مساء الخميس 11 يوليو الجاري، تعرّض اللاجئون السودانيون في «كلاستر L شرق» لهجوم مباغت نفّذته مجموعة من شباب قبيلة النوير من جنوب السودان، يُقدّر عددهم بأكثر من مائة شخص، مُدجَّجين بالعصي والسواطير والأدوات الحادة.
ووفقاً لبيان صادر عن المكتب القيادي لمجتمع اللاجئين السودانيين – حصلت أتَـر على نسخة منه – انطلقت الهجمة من ثلاثة محاور واستهدفت الخيام والمنازل، ما أسفر عن إصابة 16 شخصاً على الأقل، بينهم أربعة في حالة حرجة.
رغم تدخّل الشرطة لاحقاً، لم يُعتقل أيّ من المهاجمين، واقتصَر دَورُها على نقل عدد من المصابين إلى مستشفى بنادولي الذي يعاني من نقص حادّ في الإمكانات، بينما تولّى الأهالي نقل بقية الجرحى بجهود ذاتية.
وكانت السلطات اليوغندية قد فرضت حظر تجوال من 7 مساء إلى 7 صباحاً، يوم الأحد الماضي، بعد تجدُّد هجمات اللاجئين من قبيلة النوير على مساكن اللاجئين السودانيين، ما نتج عنه مقتل لاجئ سوداني اسمه كبّاشي وإصابة أكثر من ثلاثين شخصاً.
مُسترجعاً أحداث الشهور الأخيرة، يقول «م. ص» إنه بدأ إقامته في «كلاستر G»، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى «كلاستر B». ومع تصاعد الأحداث الأمنية الأخيرة، وصلت الهجمات إلى «كلاستر L»، ثم امتدّت إلى «كلاستر B» نفسه، ليجد نفسه مرة أخرى في قلب الخطر. ويضيف: «أُجبرنا على النزوح من كلاستر B، وقضينا ليلة صعبة في منطقة الاستقبال (الرسيبشن)، قبل أن تنقلنا سيارات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى كلاستر G. تركنا خلفنا منازلنا وخيامنا، ونبدأ الآن رحلة سكن جديدة وسط تحديات كثيرة».
لم تكن هذه أول رحلة نزوح لـ«م. ص»، لكنها، كما يصفها، كانت الأشدّ قسوة. في كلّ محطة كان يبحث عن أمان مؤقت، لا يدوم. واليوم، حتى هذا الأمان في كِرياندُنغو بات مُهدَّدَاً من جديد.
تفاعُل محدود واستجابات مؤقّتة
رغم خطورة الهجمات الأخيرة، لم تتجاوز الاستجابات الرسمية والمجتمعية حدود التدخّلات المؤقتة والمحدودة. فقد بادر المكتب القيادي للّاجئين السودانيين، بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بإنشاء مخيّمات سكنية مؤقتة داخل «كلاستر G» لاستيعاب النازحين من كلاسترات B وC وL، إلى جانب مطبخ جماعي يقدِّم وجبة غداء واحدة يومياً، تُوزَّع عند الساعة الثالثة عصراً.
وبحسب إحصائية صادرة عن المفوضية بتاريخ 13 يوليو 2025، يبلغ عدد اللاجئين السودانيين المسجّلين في يوغندا 86.547 لاجئاً، من بينهم 86.341 حصلوا رسمياً على صفة لاجئ، بينما لا يزال 206 في طور إجراءات اللجوء. وتشير البيانات إلى وجود 3,528 لاجئاً من ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن هذا العدد.
يتوزَّع اللاجئون السودانيون في المعسكر على عشرة أحياء تُعرف بـ «الكلاسترات»، من بينها: G، وL شرق، وL غرب، وI، وA، وB، وC، وBQ، وK، وMR، بينما يقيم اللاجئون من جنوب السودان في كل «الكلاسترات» ما عدا G، وهو «كلاستر» جديد خُصّص للاجئين السودانيين.
بعد موجة العنف، اضطرّ العشرات إلى النزوح نحو مركز الاستقبال (الرسيبشن) التابع لـمفوضية اللاجئين طلباً للحماية. وعلى إثر ذلك، قرّرت السلطات، بالتنسيق مع المكتب القيادي للمخيم وUNHCR، إخلاء هذه المواقع ونقل المتضرّرين إلى كلاستر G، حيث نُصبت خيام الطوارئ وأُعيد تنظيم خدمات الطعام والإيواء.
ضمن الإجراءات الإضافية، جرى الاتفاق على إنشاء مظلّات (شلاتر) مخصّصة للنساء والأطفال وكبار السنّ، كما وفّرت منظمة LWF، بالتعاون مع الشرطة، وسائلَ لنقل النازحين إلى مواقع الإيواء المؤقت.
وفي بيان طارئ بتاريخ 16 يوليو 2025، حازت «أتَـر» على نسخة منه، وجّه مكتب رئيس الوزراء لشؤون اللاجئين في يوغندا نداءً عاجلاً إلى الشركاء والمنظّمات الإنسانية لدعم الجهود الأمنية في مستوطنة كِرياندُنغو. وأوضح البيان أن التدخّل الأمني جاء بطلب من مُفوَّض المقاطعة، ما استدعى نشر قوة من الجيش اليوغندي، وسط حاجَة مُلحَّة إلى الدعم اللوجستي والغذائي والوقود لضمان استقرار المُخيّم. ودعا المكتب إلى تحرّك فوري لمنع تفاقم الوضع وحماية أرواح المدنيين.
مشمّعات معلّقة
لم تكن مشكلته فقط في فقدان الأدوات أو توقّف العمل، بل في ما تُمثّله الخيمة غير المكتملة من صورة مُتكرّرة لحالة اللجوء السوداني في كِرياندُنغو: بدايات متعثّرة، انقطاعات مفاجئة، وأمان هشّ يمكن أن يتبخّر في لحظة.
اللافت في هذه الاعتداءات، بحسب مقابلات عديدة أجراها مراسلو «أتَـر» في كمبالا وكِرياندُنغو، أنها ليست بدوافع مالية، ما يُعزِّز فرضية الاستهداف القائم على خلفيات إثنية وسياسية. ويقول حسين تيمان، رئيس مجتمع اللاجئين السودانيين في كِرياندُنغو، إنّ تكرار هذه الاعتداءات في الفترة الأخيرة «يرسّخ المخاوف من وجود استهداف ممنهج، وسط غياب أي محاسبة أو إجراءات رادعة».
من جهته، أصدر الخبير القانوني لحقوق الإنسان والمراقب الميداني لحالة اللاجئين السودانيين في معسكر كِرياندُنغو، الأستاذ أرباب أبوكيف، بياناً تلقّته «أتَـر»، حذّر فيه من تدهور الوضع الأمني، مشيراً إلى أنّ ما يحدث «يُمثّل تهديداً مباشراً لحياة اللاجئين»، مؤكّداً أن هذا الوضع «يُخالف الالتزامات الدولية المفروضة على الدول والمنظمات بحماية اللاجئين وضمان سلامتهم».
في منتصف فبراير 2025، وصل «ح ج» إلى كِرياندُنغو هرباً من نيران الحرب في السودان. استقرّ في «كلاستر F»، وبدأ يحاول ترتيب حياته من جديد، شيئاً فشيئاً، بدءاً من بناء مأوى صغير له.
«كنتُ قد بدأت في بناء خيمتي، وصلت إلى مرحلة تثبيت الهيكل، ولم يتبقَّ سوى وضع المشمّعات»، يروي. «كان العمّال الذين يُساعدونني من اليوغنديين، لكنهم غادروا بعد الأحداث الأخيرة، ولم أتمكّن من العثور عليهم… المشمّعات معهم».
لم تكن مشكلته فقط في فقدان الأدوات أو توقّف العمل، بل في ما تُمثّله الخيمة غير المكتملة من صورة مُتكرّرة لحالة اللجوء السوداني في كِرياندُنغو: بدايات متعثّرة، انقطاعات مفاجئة، وأمان هشّ يمكن أن يتبخّر في لحظة.
مستوطنة تحمل ذاكرة النزوح
تُعدّ مستوطنة كِرياندُنغو – الواقعة في شمال يوغندا – واحدة من أقدم وأكبر مستوطنات اللاجئين في يوغندا، إذ يعود استخدامها لأغراض اللجوء إلى عام 1954، عندما طلبت الإدارة البريطانية من سلطات مملكة بونيورو تخصيص أرض لإيواء لاجئين كينيين فرّوا من انتفاضة «الماو ماو» ضد الاستعمار. ولا يزال بعض أحفاد هؤلاء اللاجئين الكينيين يقيمون في المنطقة حتى اليوم.
وفي عام 1990، خصّصت الحكومة اليوغندية المستوطنة رسمياً لإعادة توطين لاجئين من جنوب السودان ورواندا والكونغو الديمقراطية، بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وشهدت المستوطنة تحوّلات ديموغرافية كبيرة عام 2014، مع تدفّق موجة واسعة من لاجئي جنوب السودان عقب اندلاع الحرب الأهلية هناك، ليشكّلوا لاحقاً الغالبية العظمى من سكان المنطقة.
لكنّ عام 2023 حمل تحوّلاً جديداً في طبيعة الساكنين، إذ بدأت السلطات اليوغندية بإيواء لاجئين سودانيين فارّين من الحرب الأخيرة، إلى جانب لاجئي جنوب السودان، ما جمع في بقعة جغرافية واحدة أجيالاً متعدّدة من ضحايا النزاعات السودانية والجنوب سودانية، ضمن مستوطنة تحمل تاريخاً مثقلاً بالحروب والانقسامات الإثنية.
من الاستضافة الطارئة إلى الاندماج
صورة للقطع الزراعية المخصصة للاجئين
تتبنّى يوغندا واحدة من أكثر سياسات اللجوء تقدّماً في أفريقيا، ترتكز على «قانون اللاجئين لسنة 2006» والدستور الوطني والاتفاقيات الدولية. وتسعى «أجندة تحويل التوطين» (2015) إلى تحويل المستوطنات من فضاءات طارئة إلى مجتمعات دائمة، عبر مَنْح اللاجئين أراضيَ للبناء والزراعة وتعزيز اندماجهم مع السكّان المحليين.
تُعدّ مستوطنة ناكيفالي نموذجاً مبكّراً لهذه المقاربة، بينما تستضيف كِرياندُنغو اليوم عشرات الآلاف من اللاجئين السودانيين ضمن نحو 1.92 مليون لاجئ في يوغندا، موزّعين على حوالي 13 مستوطنة. غير أن الخلفيات السياسية والإثنية المتباينة، خاصة بين الجنوب سودانيين والسودانيين، خلقت توترات تهدّد التماسك الاجتماعي داخل المعسكر.
يمنح قانونُ اللاجئين اليوغندي رئيسَ الوزراء سلطة تخصيص أراضٍ مؤقّتة أو دائمة للاجئين، ويكفل لهم معظم الحقوق التي يتمتّع بها المواطنون، بما في ذلك استخدام الأرض للسكن والزراعة دون الحقّ في البيع أو التملّك.
ويحصل اللاجئ المسجَّل على حزمة تشمل قطعة أرض (30×30 متراً) ومستلزمات بناء، إضافة إلى قطعة أخرى للزراعة. كما تسمح الدولة للاجئين بالوصول إلى الأسواق والخدمات، وتُشرك المجتمعات المضيفة في بعض المساعدات لتقليل التوترات.
بين الخطاب والتطبيق
في عام 1997، حاولت المفوضية السامية للأمم المتحدة تسليم إدارة كِرياندُنغو للحكومة اليوغندية، التي رفضت، مفضّلة تبني استراتيجية «الاعتماد على الذات». جرى ترسيخ هذه السياسة لاحقاً في قانون 2006، لكنها واجهت صعوبات في التطبيق. فقد رصدت الباحثة تانيا كايزر في ورقة عام 2000 غياب التنسيق بين المفوضية والحكومة، واعتبرت أن مفهوم «الاكتفاء الذاتي» ظلّ ضبابياً، يُختزل غالباً في إنتاج الغذاء، بينما تُتجاهل الاحتياجات الأخرى كالخدمات الصحية والتعليمية. ورغم إعلان المفوضية حينها أن كِرياندُنغو أصبحت مكتفية ذاتياً، عانت المستوطنة فعلياً من ضعف البنية التحتية، ونقص الخدمات، وانتشار الأمراض، ما قوّض فاعلية النموذج وأبرز التناقضَ بين التصوّر والسياسة على الأرض.
لم تنشأ التوترات الأخيرة من فراغ. لقد مرّ المخيّم بتجارب تعايش وتوتّر متكرّرة خلال العقد الماضي. ويُشير باطومي أيول، صحفي وناشط مدني جنوب سوداني يقيم بالمخيّم، إلى أن تدفّقات اللاجئين من جنوب السودان بعد حرب 2013، وخاصة من ولايات أعالي النيل وجونْقلي وبانتِيو، أدت إلى تشكيل مجتمع متنوّع إثنياً من النوير والشُّلك والدينكا وغيرهم.
وبحسب شهادته، فإنّ موجة اللجوء الثانية بعد اندلاع الحرب في السودان عام 2023، قد أدّت إلى تصاعد توتّرات بين اللاجئين الجنوب سودانيين والسودانيين الوافدين حديثاً، خاصة مع إيقاف تسجيل اللاجئين الجدد من جنوب السودان، وسَحْب أراضٍ كانت مخصّصة سابقاً لهم، واستبعاد بعضهم من قوائم الإعانات لمصلحة المُسجَّلين حديثاً من السودان.
في بعض الكلاسترات، تنتشر الشتائم الإثنية بين الأطفال – مثل «جنقو» و«جانقي» – وهي بذور كراهية تنمو لتتحوّل إلى عنف جماعي. وهناك أطفال يتدرّبون على استخدام «الكُوكاب» – سلاح محلي الصنع – في غياب أيّ دور تربوي أو رعاية نفسية
ويشير الناشط واللاجئ السوداني موسى عيسى، إلى أنّ بعض مكوّنات المجتمع – خاصةً من النوير – لديها «خلافات تاريخية تجاه الشماليين والدينكا»، تعود جذورها إلى ما بعد اتفاقية نيفاشا وصراع 2013. ويضيف: «هناك تفاوت طبقي واضح. يحصل بعض السودانيين على تحويلات من الخارج أو يُمارسون التجارة، ما قد يُثير مشاعر الغيرة. هناك من يقول عنهم إنهم أفضل من المواطنين الأصليين».
كما يَربط موسى بين الأزمة الأخيرة ومشكلة نزع الأراضي الزراعية التي كانت تُستخدم من قِبل بعض المجتمعات، وتحويلها إلى مساكن للاجئين الجدد، ما خلق توتراً اقتصادياً ومعيشياً حاداً.
وقد أفضى غياب التنسيق بين قيادات المجتمَعَيْن إلى تراكم الغبن، واحتدام الصراع، خاصة بين إثنية النوير وبعض المجموعات السودانية، في ظلّ انتشار النهب وتراجُع سلطة الإدارة المحلية. ويرى باطومي أن «اللاجئين يتشاركون المعاناة ذاتها، ولا يجب أن تتحوّل الخلافات إلى سبب لتفكيك التعايش السلمي أو تهديد سلامة الجميع»، لكنه عاد وحذّر من أن المخيم يُمثّل صورة مُصغّرة لما يُمكن أن تؤول إليه المجتمعات اللاجئة عند غياب المُصالحة والدعم النفسي، مؤكّداً أن الفرصة ما زالت قائمة لبناء نموذج تعايش حقيقي، إذا توفرت الإرادة المجتمعية والتمويل الدولي والتخطيط الذكي، مثل إصلاح الخلل الإداري في توزيع الموارد والمساعدات لضمان العدالة والشفافية.
ويرصد موسى مظهراً مقلقاً آخر: «في بعض الكلاسترات، تنتشر الشتائم الإثنية بين الأطفال – مثل «جنقو» و«جانقي» – وهي بذور كراهية تنمو لتتحوّل إلى عنف جماعي. وهناك أطفال يتدرّبون على استخدام «الكُوكاب» – سلاح محلي الصنع – في غياب أيّ دور تربوي أو رعاية نفسية».
ويشير الناشط واللاجئ السوداني موسى عيسى، إلى أنّ بعض مكوّنات المجتمع – خاصةً من النوير – لديها «خلافات تاريخية تجاه الشماليين والدينكا»، تعود جذورها إلى ما بعد اتفاقية نيفاشا وصراع 2013. ويضيف: «هناك تفاوت طبقي واضح. يحصل بعض السودانيين على تحويلات من الخارج أو يُمارسون التجارة، ما قد يُثير مشاعر الغيرة. هناك من يقول عنهم إنهم أفضل من المواطنين الأصليين».
كما يَربط موسى بين الأزمة الأخيرة ومشكلة نزع الأراضي الزراعية التي كانت تُستخدم من قِبل بعض المجتمعات، وتُحوّلها إلى مساكن للاجئين الجدد، ما خلق توتراً اقتصادياً ومعيشياً حاداً.
وقد أفضى غياب التنسيق بين قيادات المجتمَعيْن إلى تراكم الغبن، واحتدام الصراع، خاصة بين إثنية النوير وبعض المجموعات السودانية، في ظلّ انتشار النهب وتراجُع سلطة الإدارة المحلية. ويرى باطومي أن «اللاجئين يتشاركون المعاناة ذاتها، ولا يجب أن تتحوّل الخلافات إلى سبب لتفكيك التعايش السلمي أو تهديد سلامة الجميع»، لكنه عاد وحذّر من أن المخيم يُمثّل صورة مُصغّرة لما يُمكن أن تؤول إليه المجتمعات اللاجئة عند غياب المُصالحة والدعم النفسي، مؤكّداً أن الفرصة ما زالت قائمة لبناء نموذج تعايش حقيقي، إذا توفرت الإرادة المجتمعية والتمويل الدولي والتخطيط الذكي، مثل إصلاح الخلل الإداري في توزيع الموارد والمساعدات لضمان العدالة والشفافية.
ويرصد موسى مظهراً مقلقاً آخر: «في بعض الكلاسترات، تنتشر الشتائم الإثنية بين الأطفال – مثل «جنقو» و«جانقي» – وهي بذور كراهية تنمو لتتحوّل إلى عنف جماعي. وهناك أطفال يتدرّبون على استخدام «الكُوكاب» – سلاح محلي الصنع – في غياب أيّ دور تربوي أو رعاية نفسية».
بين الإهمال الدولي وضعف الإدارة المحلية
يَرى مُراقبون تحدَّثَتْ معهم «أتَـر»، أنّ انفجار الأزمة يعود جزئياً إلى عجز إدارة المعسكر عن السيطرة على التوترات، مع نقص حادّ في عناصر الشرطة، وتراجُع كبير في التمويل المُخصّص من المنظمات الدولية، خاصة بعد تقليص ميزانية UNHCR وإيقاف التمويل الأمريكي لوكالة USAID.
وحسب الناشط إديسون جوزيف، فإنّ «المخيّم لم يكن مُهيَّئاً لاستقبال هذا العدد الهائل بعد حرب 15 أبريل. هناك شحّ في الموارد، والمدارس لا تستوعب، وكثيرٌ من الشباب خرجوا من التعليم».
ورغم تصاعد التحديات الأمنية، فإنّ الأزمات الصحيّة والمعيشية ليست أقل خطورة، إذ تعاني مستوطنة كِرياندُنغو من تدهور كبير في الخدمات الصحية والغذائية. ووفقاً لعددٍ من اللاجئين تحدّثت معهم «أتَـر»، أدّى تقليص دعم برامج صحة الأم والطفل إلى ارتفاع حالات سوء التغذية وفقر الدم، خاصة بين النساء والأطفال.
ويأتي ذلك في وقت لم تُموَّل فيه سوى 12% من خطّة الاستجابة الوطنية للاجئين في يوغندا لعام 2025، ما يجعل نقصَ التمويل مسألة بقاءٍ لا محض أزمة إدارة. فقد تراجَع التمويل على نحوٍ حادٍّ مُقارنةً بعام 2024، حين بلغت الميزانية المطلوبة 857.9 مليون دولار، ولم يُؤمَّن منها سوى 46%. أما في 2025، ورغم تحديد ميزانية تبلغ 968 مليون دولار، لم يتجاوز التمويل المتحقّق حتى مارس 12% من الاحتياجات، في وقت ارتفع فيه عدد اللاجئين إلى نحو 1.9 مليون بحلول يوليو، بسبب تصاعد النزاعات في السودان والكونغو الديمقراطية.
اللجوء ليس ساحة حرب
ما يَحدُث في كِرياندُنغو اليوم، ليس محض انفلات أمني، إنما إنذار مبكّر لمخاطر تسييس الإغاثة، وتجاهل جذور الصراعات، وفشل إدارة التنوّع. وفي الوقت الذي يطلب فيه اللاجئون الحماية والكرامة، فإنّ تركهم عُرضةً للصراعات يُعيد إنتاج دوائر العنف، ويُقوِّض قيم الإنسانية التي يفترض أن تحكم العمل الإنساني.
اللجوء، في النهاية، ليس امتداداً للحرب، بل فرصة للنجاة منها.
ضم فريق أتَر – يوغندا مجموعة من المحررين والمراسلين، هم:
- هيام اليسع
- جوليوس الجيلي
- بيرا كـرّا
- علي العرّش
- عمّار جمال



