يُزاول فيصل عثمان مهنة الزراعة مُذْ كان عمره 12 عاماً، عندما كان يمشي صغيراً خلف والده إلى المَزارع مثل حياة أغلب الناس في قرى ريفي ود حامد غربي المتمة بولاية نهر النيل، ويبلغ عمره الآن 53 عاماً. ورغم أنه زرع عدداً من المحاصيل الشائعة في المنطقة، لكنه ركّز منذ وقت طويل على محصول وحيد تُشتهر به منطقته، وهو البصل.
تقع ود حامد على الشاطئ الغربي للنيل على بعد 100 كيلومتر شمالاً من أم درمان، وتضمّ 11 قرية وجزيرة في محلية المتمَّة، بولاية نهر النيل، وتشتهر بإنتاج البصل؛ إذ يَروي السكّان أن نشاط زراعته بدأ حوالي خمسينيات القرن الماضي مع دخول بوابير الجاز (مضخّات الجازولين) للعمل على ضفاف نهر النيل.
ويُعدُّ البصل من أهمّ المحاصيل الغذائية التي تُزرع في شمال السودان وشرقه ووسطه، ويُزرع في عدد من ولايات السودان، ومنها الجزيرة وكسلا ونهر النيل والولاية الشمالية، وتختلف أساليب وتقنيات زراعته وطرق ريّه باختلاف بيئات هذه الولايات ومناخاتها.
يُباع البصل محلّياً، ويُصدَّر إلى بلدان أخرى، مثل إثيوبيا وجنوب السودان. ورغم أهّميته لدى السودانيين، تُشير بعض الجهات إلى أنّ السودان صدّر في عام 2023 حوالي 5.83 مليون دولار فقط من البصل.
وتبدأ زراعة البصل في ود حامد بعددٍ من العمليات الفلاحية، من حرث الأرض وتجويدها، و«الجُواد» هو عمليات تجهيز الأرض وتقسيمها إلى مساحات أصغر تُعرف بالأحواض، إضافة إلى شقّ القنوات الفرعية خلال الحقل، وهذه العمليات ضرورية في الري عبر المضخّات صغيرة الحجم لإدارة عمليات الري والتحكّم بها بما يضمن سقي المحاصيل بكفاءة مع المحافظة على تكاليف ريّ معقولة. والتكاليف هي مربط الفرس في الإنتاج الزراعي، وتُحدِّد مصير موسم زراعي كامل، فأسعار التيراب والشتل وساعة التراكتور والملح «سماد» والمبيدات وأجور العاملين؛ جميعها قد تخبرك شيئاً عن المستقبل القريب: وقت الحصاد.
يقول فيصل إنّ دخول الطاقة الشمسية في آخر الموسم الماضي، قلَّل كثيراً من تكاليف زراعة البصل، وأراح الناس من معاناة مضخّات الجازولين، فمحصول البصل يحتاج إلى ريّه 12 مرة في موسم الشتاء حتى وقت الحصاد، لكن تكاليف الري لا تعني «فيصل» وهو ليس مسؤولاً عنها.
السوق في ود حامد لا يرحم، كالحرب تماماً. إنها حربٌ مُعتادةٌ ومكرّرة كل خريف وشتاء. ومنذ سنوات كثيرة، كان رأس الرمح في هذه الحرب هو تكلفة الزراعة. يقول فيصل إنّ زراعة فدان البصل كلّفتهم في خريف 2024 مبلغ 950 ألف جنيه، وفي موسم الشتاء كلّفتهم مبلغ مليون ومائتين وخمسين ألف جنيه، رغم أنّ تكلفة زراعة البصل في الشتاء أقلّ من زراعته في الخريف كما تعوَّد المزارعون.
زرعَ فيصل 5 أفدنة على نظام المُزارَعَة، وهو اتفاق زراعة تساهمية يقدّم فيها صاحب الأرض مساحاته ويوفر ريّ المحصول في الموسم، بينما يفلح فيصل الأرض ويزرعها ويهتم بالتكاليف الزراعية الأخرى حتى وقت الحصاد، وفي آخر الأمر يقتسم الطرفان المحصول حسب الاتفاق بينهما. يقول فيصل لـ«أتَـر»، إنّ اتفاقه مع صاحب الأرض هو الخُمسَين أي 40% يأخذه صاحب الأرض من المحصول، و60% يأخذه فيصل. وينتج الفدان أعداداً متفاوتة من الجوالات، لكن في حال نجاح الإنتاج تتراوح في متوسطها بين 45 إلى 55 أردباً للفدان، وفي مرات نادرة قد تكون عالية حتى 70 أردباً للفدان.
في ود حامد تجري زراعة البصل في موسمين من السنة، يقولون: بصل الشتا وبصل الخريف. ويحتاج بصل الشتاء إلى 12 سقية، بينما قد يحتاج بصل الخريف إلى ضعف هذا العدد أو أكثر من مرات السقي بسبب سخونة الجو. ولا يُفضِّل بعض المزارعين زراعة البصل في الخريف بسبب تكاليفه الأعلى وبسبب مخاطره البيئية الأخرى من حرارة عالية وأمطار على المحصول وهو في بداياته.
زرع فيصل مساحاته في شهر ديسمبر الماضي، وبعد 4 شهور أتمّ حصاده في شهر أبريل، ورغم ذلك وحتى مطلع شهر يوليو الجاري، كانت لا تزال أكوام بصل فيصل المسماة بـ«البوتة» موجودة فوق الأرض التي زُرعت بها.
عند اندلاع الحرب كان سعر أردب البصل في حدود 40 ألف جنيه، وهو سعرٌ لا بأس به، لكنه يترك هامش ربح قليلاً للمزارعين، ما يُهدّد قدرتهم على زراعة الموسم القادم. وفي بعض الأحيان قد يهدّد قوت عيشهم وأسرهم لعام كامل، لأنّ أغلب المُزارعين في ود حامد يعتمدون على الديون طوال السنة إلى أن يحين سدادها في آخر الموسم. بعض المزارعين يضطرّون كلّ سنة للبيع بالخسارة لضوائق مالية قد تُلمُّ بهم.
لكنّ السوق في ود حامد لا يرحم، كالحرب تماماً. إنها حربٌ مُعتادةٌ ومكرّرة كل خريف وشتاء. ومنذ سنوات كثيرة، كان رأس الرمح في هذه الحرب هو تكلفة الزراعة. يقول فيصل إنّ زراعة فدان البصل كلّفتهم في خريف 2024 مبلغ 950 ألف جنيه، وفي موسم الشتاء كلّفتهم مبلغ مليون ومائتين وخمسين ألف جنيه، رغم أنّ تكلفة زراعة البصل في الشتاء أقلّ من زراعته في الخريف كما تعوَّد المزارعون. وعزا فيصل هذه الزيادة غير المتوقّعة إلى ارتفاع تكاليف العمالة الزراعية وأسعار الشتل والتيراب بعد الخريف مباشرة. وبسبب ارتفاع التكاليف، يقول فيصل إنّ أغلب المزارعين لم يستطيعوا الزراعة في الشتاء: «غلبهم يزرعوا».
قبل الحرب كان بصل ود حامد يُباع في أسواق شمال مدينة أم درمان، ومنها يتّجه إلى أسواق غرب السودان. لكنّ اضطراب الأسواق وانغلاق الخطوط التجارية مع ولايات غرب السودان جراء نشوب الحرب قد غير معادلات التوزيع؛ ففي العام 2024 استعاد سوق المحاصيل بشمال أم درمان نشاطه وبدلاً من توجه بصل ود حامد إلى غرب السودان، بات يُنقل إلى ولايات وسط وشرق السودان وبعض أجزاء كردفان الكبرى.
في أبريل الماضي، وعندما أتمَّ فيصل حصاده، كان سعر أردب البصل في أسواق شمال مدينة أم درمان 40 ألف جنيه، وهو ليس سعر خسارة، ولكنه ليس ربحاً مبيناً «يتعشّى» منه المزارع، بحسب تعبير المزارعين في ود حامد. ومع هذا باع عددٌ من المزارعين جزءاً من محصولهم، بينما تركوا أجزاء أخرى في الحقل على هيئة أكوام من البصل مغطّاة بالقشّ اليابس.
يصبر المزارعون في ود حامد أملاً في تحسّن السعر، ومع الأيام واصَل البصل ارتفاعه في السوق حتى وصل في الأيام الفائتة من يوليو إلى سعر 140 ألف جنيه للأردب. يعتقد فيصل أن سبب ارتفاع البصل هو قلّة عرضه في الأسواق بسبب قلة البصل المزروع في موسم الشتاء. ويعتقد المزارعون أنّ السعر قد يصل إلى أكثر من 200 ألف جنيه في الأسابيع القادمة، وربما قليل من الصبر سيؤتي أكله، لكن توجد أخطار أخرى قد تهبط بالسعر إلى درجة الخسارة كاملة.
إن عدداً من الأسباب قد تؤدّي إلى تلف المحصول، أهمّها الآفات والتعفّن الطبيعي مع الوقت، لكن أهمّ سبب يؤرّق المزارعين هو ما يأتي من السماء: المطر. تُسرّع الرطوبة والأمطار من تعفّن الفطر، لهذا يحاول المزارعون حفظ محصولهم في مكان جاف مع الحرص على عدم تعرّضه للحرارة العالية، ورغم بساطة هذه الظروف وقَدَريّتها، لكنها تأتي بتعقيدات عدة عندما يتعامل معها المزارعون في الأرض. في السابق، كانت تُستخدم «القطَاطي» لحفظ البصل في ود حامد؛ لكن يقول فيصل إنّ القطاطي فقدت قدرتها على حفظ البصل بسبب ارتفاع درجات الحرارة، مشيراً إلى التغير المناخي العام.
اليوم توجد طرق تقليدية لحفظ محاصيل البصل منها «البوتة»، التي تحفظ البصل مؤقّتاً ولفترات غير طويلة، ولأجل ذلك ابتكر المزارعون حظائر مسقوفة يُسمّى الواحد منها «الكُرْنُك»، وتُبنى في أراضٍ عالية وتكون جيدة التهوية وتقي من الأمطار المباشرة، لكنّ فيصل يقول إنّ صغار المزارعين لا يملكون الموارد المالية الكافية لترحيل محصولهم وحراسته هناك. هذا مع تقديره أنّ نسبة كبيرة من المحصول، قد تصل إلى ربعه، ستفسد على كل حال في غضون ثلاثة أشهر حتى وإن نُقل إلى الكُرنك.
لم تُمطر السماء في ود حامد هذا العام حتى الآن، لكن لأيامٍ ظلّت الغيوم تتكوّن في أشكال مخيفة لمزارعي البصل، في أواخر يونيو الماضي ويوليو الحالي، وكانت أهم الأمور المُتداولة في ود حامد الأيام الفائتة: توقعات الطقس وأسعار أردب البصل.
لم يَبع معظم المزارعين بصلهم في ود حامد انتظاراً لربح أفضل في الأسابيع المُقبلة رغم مخاطر فساد المحصول مع الزمن، لكنّ فيصل باع آخر بصل له ويوليو يمضي نحو خواتيمه، مفضّلاً ألا يخوض الأمطار ومخاطرها.
تزداد خطورة الوقت كلما تقدَّم المحصول في عمره بعد الحصاد، وبعد عدة أشهر سيكون كل يوم فارقاً، والمخاطر قد تكون كارثية لدرجة فقدان 90% من المحصول حسب ما يروي مزارعو ود حامد. وهذه المخاطر تهدّد بالفعل قوت عام كامل قادم لأسر صغار المزارعين.
قد يرى البعض في محاولات مُزارع البصل تعظيم ربحه معادلات تجارية عادية، يسوقها الطمع ويطاردها الخوف، لكنها على الأرض وفي الحقول، مُجاهَدةٌ مُتكرّرة تحفّها الأخطار ودافعها الأمل للبقاء، خاصة إن كنتَ من صغار المزارعين على ضفة النيل، ولا تملك سلطانَ الأرض أو السماء.



