طوال سنتين من العمليات الحربية في ولاية الخرطوم، تعرّض قطاع الزراعة والثروة الحيوانية بالولاية لخسائر فادحة، وصلت إلى عشرات الملايين من الجنيهات في المشروع الواحد بحسب تقديرات مُلّاك مزارع في الولاية تحدّثوا لـ«أتَـر»، إذ تحوّلت مَزارع شاسعة كانت مُنتِجة للخضروات والفاكهة، وتُربَّى فيها آلافٌ من رؤوس الأبقار والأغنام، إلى خراب يَدلّ على بشاعة ما جرى في تلك الحقول التي كانت يانعة ومخضرة حتى منتصف أبريل 2023.
ومن مئات المشاريع الزراعية بولاية الخرطوم، لم يَنجُ من الدمار إلا عدد قليل؛ أما البقية من تلك المشاريع التي كانت تُسهم في سدّ حاجة العاصمة إلى الخضروات والفاكهة واللحوم والألبان، فقد تحوّلت إلى أطلال خربة، وفقاً لإفادات أصحاب مزارع في الخرطوم تحدثوا لـ«أتر».
يقول محمد صالح، ويملك مشروعاً زراعياً مساحته حوالي 58 فداناً، يقع شمال سجن الهدى على طريق شريان الشمال، وكان يُنتِج قبل الحرب كميات مُقدَّرة من البرتقال والليمون والنبق، ويُربِّي قطعاناً من الضأن؛ إنَّ تدمير المشاريع خلال سنتي الحرب قد شمل البنية التحتية والأشجار المُثمرة والسلالات النادرة من قطعان الحيوانات؛ إضافةً إلى سرقة المولّدات الكهربائية وألواح وبطاريات الطاقة الشمسية وتناكر تخزين المياه وخطوط وأنابيب الري ومعدات الحراثة. ويضيف أنّ عمليات سرقة البنية التحتية للمشاريع الزراعية، شملت كذلك المباني والمقرات، ولجأ اللصوص إلى تفكيك الزنك والطوب ونزع الأخشاب من المباني.
ويُقدِّر محمد صالح، في حديثه لـ«أتر»، خسائر مشروعه الزراعي بأكثر من تريليون جنيه، قائلاً إنّ الخراب الذي وقَعَ على المشاريع التي وصلت مرحلة متقدّمة من الإنتاج يحتاج إلى مجهود عشرات السنوات لإزالته وإعادة المزارع إلى ما كانت عليه قبل الحرب؛ ويُشير إلى سرقة معدات ثلاث آبار مياه جوفية من مشروعه، واصفاً سرقتها بـ«العملية الاحترافية»، إذ شملت سرقة المواسير من داخل الأرض.
خسرت محلية أمبدّة وحدها ما يزيد عن 60 ألف فدان من المشاريع الزراعية التي كانت تنتج جميع أنواع المحاصيل الزراعية والبستانية والحقلية، وكانت تكفي المحلية من الخضروات والفاكهة.
بينما يقول جابر الذي فضّل الإشارة له باسمه الأول فقط، إنه خسر ما يزيد عن سبعمائة مليون جنيه، وهي قيمة مشروع زراعي يملكه في شمال غرب أم درمان، كان يضمّ أبقاراً حلوباً ومزرعة دواجن منتجة للحوم والبيض، تُقدَّر قيمتها مع قيمة الأبقار والبنية التحتية بما يزيد عن سبعمائة مليون جنيه، مضيفاً أنّ عدداً كبيراً من الأبقار سُرقت في بداية الحرب، وما تبقى اضطرّ إلى بيعه للجزّارين والمربّين بأسعار متدنية للغاية. أما الدواجن فقد نفقت بسبب عدم توفر المياه وانعدام العليقة.
ويَستطرد جابر بالقول إنّ البنية التحتية للمشروع مثل الهناكر والحظائر وآبار المياه ومخازن الأعلاف، لم تنجُ من السرقة من قِبل اللصوص والمتفلّتين الذين يعتقد أنهم لم يكونوا على عجلة من أمرهم أثناء تفكيكهم للبنية التحتية للمشروع الذي تحوّل حالياً إلى أطلال كأنه لم يكن مُنتِجاً في يوم من الأيام.
وتضرّرت عشرات المشاريع الأخرى بالريف الغربي لأمبدّة وأم درمان، وفقاً لمسؤول بالإدارة العامة للشؤون الزراعية والثروة الحيوانية بمحلية أمبدّة. ويقول المسؤول الذي فضّل حجب اسمه، لـ«أتَـر»، إنّ محلية أمبدّة وحدها خسرت ما يزيد عن 60 ألف فدان من المشاريع الزراعية التي كانت تنتج جميع أنواع المحاصيل الزراعية والبستانية والحقلية، وكانت تكفي المحلية من الخضروات والفاكهة.
وأضاف المسؤول السابق لـ«أتَـر»، أنّ المشاريع التي دُمّرت كانت مؤهّلة لأن تسهم بفاعلية في سدّ حاجة العاصمة بأكملها من اللحوم والألبان والفاكهة والخضروات والأعلاف. وذكر أنّ الحيوانات المنتجة للألبان واللحوم كانت تُنتِجُ بكميات كبيرة في تلك المشاريع، إضافة إلى مساحات مقدّرة لإنتاج الأعلاف كانت تفيض عن حاجة السوق المحلي وتذهب للتصدير، إلا أنّ المتفلّتين وعصابات النهب أسهموا في تدميرها، بجانب أن الدعم السريع حوّلتها إلى ثكنات عسكرية مستغلّةً كثافة الأشجار والمباني للتمويه عن رصد الأجهزة العسكرية والأمنية.
وتحتضن محلية أمبدّة أكثر من 40 مشروعاً وشركة كبيرة تعمل في المجالات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية وإنتاج الدواجن بمساحة صالحة للزراعة تقدر بحوالي 700 ألف فدان. وتوفر هذه المشاريع احتياجات السوق المحلي وأسواق الصادر، وتُسهم بنحو فاعل في توفير الأمن الغذائي لولاية الخرطوم، كما تُسهم في توفير فرص العمل.


تقارن صور الأقمار الصناعية أعلاه حال المساحة الزراعية الواقعة في جنوب الخرطوم، جوار مشروع سوبا الزراعي، قبل الحرب (يناير 2023) وبعدها (يناير 2025)
وبحسب المسؤول بإدارة الزراعة بمحلية أمبدّة، فإنّ الخراب لحق بثمانية مشاريع زراعية حكومية بولاية الخرطوم، منها مشروع سوبا غرب الزراعي ومساحته 30 ألف فدان، ومشروع الجمّوعية الزراعي ومساحته 7 آلاف فدان، ومشروع السِّليت الزراعي ومساحته 18 ألف فدان، ومشروع ألبان كوكو للإنتاج الحيواني والزراعي ومساحته أكثر من 4 آلاف فدان، ومشروع سندس الزراعي الذي تُقدر مساحته بأكثر من 30 ألف فدان. وقال المسؤول إن هذه المشاريع الحكومية دُمّرت تدميراً تاماً وتحتاج إلى تأهيلها من الصفر.
وتفيد المعلومات التي حصلت عليها «أتَـر»، إلى أنّ قطاع الثروة الحيوانية داخل المشاريع الزراعية بولاية الخرطوم يضمّ ما يقارب مليوني رأس تتوزّع بين الأبقار والإبل والماعز والضأن، بحسب تقديرات وزارة الزراعة والثروة الحيوانية، وتضم 700 ألف رأس من الضأن و800 ألف رأس من الماعز و400 ألف رأس من الأبقار، إضافة إلى عشرات الآلاف من الإبل التي كانت تُربَّى في المزارع لغرض الذبيح والهجن والحليب.
وأكّد مصدر مسؤول داخل وزارة الزراعة والثروة الحيوانية بولاية الخرطوم لـ«أتَـر»، أنّ جميع تلك القطعان قد دُمِّرت إما بالسرقة أو نفقت لانعدام مياه الشرب والأعلاف، وبعضها تخلّص منها أصحابها بالبيع لأنّ إدارتها أصبحت محفوفة بالمخاطر.
وتعدّدت الأضرار التي لحقت بالمشاريع الزراعية بولاية الخرطوم، ما بين انقطاع الكهرباء والمياه وتفكيكها من قِبَلِ اللصوص، واستخدامها ثكنات عسكرية. ويقول مهند عمر، أحد أصحاب المشاريع الزراعية بغرب أمبدّة لـ«أتَـر»، إنّ الأضرار كانت مُتعدِّدة، بين انقطاع الكهرباء وهو ما نتج عنه انقطاع المياه الذي تسبّب في ذبول الأشجار، وكذلك السرقات التي لم تَستثنِ حتى آبار إنتاج المياه وخطوط الري.
ووصَف مهند ما لحق بالمشاريع الواقعة غرب أمبدّة بالكارثة، قائلاً إنّ السرقات بدأت بألواح الطاقة الشمسية التي كانت تُشغِّل آبار المياه بالمَزارع، وبسبب العطش ذبلت الأشجار والمحاصيل الزراعية، ولاحقاً اقتلع اللصوص معدّات الآبار نفسها ونقلوها بالكرينات إلى جهات غير معروفة، إضافة إلى تفكيك المباني وتكسيرها وسرقة ألواح الزنك.
ووفقاً لمهند عمر، فإنّ أشجار المَزارع التي كانت تُنتج الفاكهة مثل المنقة والبرتقال والنّبَق والتمر قُطِعَت واستُخدمت حطباً وفحماً. وقال: «بعد سرقة ألواح الطاقة الشمسية واقتلاع الآبار من باطن الأرض جفّت الأشجار، وهنا جاء دَورها لاستخدامها في الوقود والفحم، وحالياً أصبح كثير من المَزارع سهلاً مترامياً يخلو من الشجر أو البناء».
ويصف مهند ما لحق بالمزارع بولاية الخرطوم بأنه يفوق أسوأ التكهّنات، ويقول إنّ إعادتها إلى ما كانت عليه قبل الحرب رهين بمساعدة الدولة لأصحاب هذه المشاريع التي أُتلفت كلياً وفقدت حتى أسوارها الخارجية التي لم تسلم من السرقة.


تقارن صور الأقمار الصناعية أعلاه حال المساحة الزراعية الواقعة في شرق النيل، قبل الحرب (يناير 2023) وبعدها (يناير 2025)
وفي المقابل، يصف «أحمد الساير»، وهو اسم مستعار لصاحب مشروع زراعي لإنتاج الأعلاف وتربية السلالات النادرة من الماعز بشرق النيل، ما لحق بالمشاريع الزراعية بأنه «غير مسبوق»، ويقول لـ«أتَـر» إنّ عصابات منظّمة استغلّت الحرب لتدمير المشاريع الزراعية بولاية الخرطوم، إذ أتلفت الأشجار ومحطّات المياه ومعدّات العمل وكلّ ما تقوم عليه المشاريع الزراعية.
وخسر الساير في الأسبوع الأول من الحرب مئات الرؤوس من أجود سلالات الماعز، بعضها لإنتاج الحليب وبعضها لإنتاج اللحوم، إلى جانب ما يزيد عن 150 فداناً لإنتاج الأعلاف ومصنع للعلف، ومصنع للألبان استولى عليه اللصوص والعصابات المتفلّتة التي استغلّت الحرب لتنفيذ خططها.
وبجانب تعدّي اللصوص على المشاريع الزراعية والمُنتِجة بولاية الخرطوم، استُخدم عدد منها ثكنات عسكرية لأطراف الحرب. يقول صاحب مشروع بغرب أمبدّة فضّل حجب اسمه لـ«أتَر»، إنّ الدعم السريع كانت تُخيّم في مشروعه الزراعي الذي توجد به أكثر من 260 شجرة برتقال و300 شجرة ليمون، وهو ما تسبّب في تدمير بنيته التحتية كلياً. ويضيف بقوله: «بعد خروج الدعم السريع استخدمَت الأجهزة الأمنية الموقع لذات الغرض، ولأنّ المياه انقطعت عن الأشجار لمدة طويلة فقد ذبلت واستخدمَها جنود الطرفين في إشعال النار لإعداد الطعام».



