أتر

«إدوارد سعيد: فكرُه كرواية»: مفكّر يكبح سرد الروائي، فيلسوف يشرّح ورد المغنّي

عرضٌ لكتاب:

Edward Said: His Thought as a Novel, by Dominique Eddé. Verso Books, 2019.

إلى صلاح محمد خير

«سأصنعُ نفسي بنفسي

وأختارُ منفاي

أدافعُ عن فكرةٍ كسَرَتها هشاشةُ أصحابها

وأدافع عن بلدٍ خَطَفَتْهُ الأساطير».

- محمود درويش

أرادت الكاتبة دومينيك إدّه، وهي روائية فرنسية من أصل لبناني، أن يكون كتابُها هذا «روايةً» لفكر إدوارد سعيد، وذلك ما ألهم عنوانه «إدوارد سعيد: فكرُه كرواية»، مثلما ألهم متنه؛ إذ فتحَ الكتاب على مدى صفحاته نوافذ على منجز سعيد، وتخلّلته إشارات حميمة لسيرته تصل حدّ زعمها بأنها أحبّته أو أنه أحبّها في وقت ما وتبادلا عدداً من الرسائل. ننفذ من كلّ نافذة إلى واحدٍ من مؤلفات إدوارد سعيد، وكل كتاب من كُتبه يمثل مفردةً وعنصراً مكوّناً لهذا البورتريه المفتوح على سيرته ومتواترات الفكر النقدي بلحظاتها المهمة والجوهرية في مشروعه، إضافة إلى مصادر معرفته التي متح منها واقْتَاتَ عليها في كتاباته، خاصة كتابه «البدايات: المنهج والمقصد» (1975) الذي نزعم مركزيّته في مشروع سعيد النقدي، بخاصّة في جوانبه النظرية والمفاهيمية. وأنت تتأمّل في هذا البورتريه الذي رسمته دومينيك إدّه، يقفز إلى ذهنك مشهد من فيلم الياباني أكيرا كوروساوا «أحلام» (1990)، إذ يبدأ بلوحة للرسام الهولندي ڤنسنت ڤان غوخ، وبكل شاعرية الكاميرا تُفتح اللوحة على الأحداث. وهكذا كانت نوافذ السيدة إدّه: كل نافذة منها لوحة تضيء عوالم سعيد في هذا البورتريه البديع.

«كان سعيد مؤلّفاً وخطيباً مفوّهاً»، هكذا افتتحت الكاتبة فصلها الأول من هذا الكتاب الذي يتألّف من ثلاثة وعشرين فصلاً قصيراً. من وراء ذلك، كانت ثمة حالات صمت ملتبسة، حالات إنصات لهذا الكون وللموسيقى، نصغي عبرها لخطيب مفوّه حفظ دروسه من ابن خلدون والإيطالي باتيستا فيكو. مثقف علمانيّ، تطاوحت به أوساع المنفى، وعاش في بلدين، ونطق بلسانين، ومسيحيّ على فرسٍ مثخن بالمجاز، كما قال درويش في قصيدته «طِبَاق»، منذ لحظة اللقاء المهيب مع عوالم كاتبه الأثير جوزيف كونراد وحتى مؤلَّفه العظيم «الإمبريالية والثقافة» (1993). نقرأ مَشاهد خاطفة لسيرة سعيد كما وردت في كتابه «خارج المكان» (1999)؛ سيرته الذاتية، ومن ثمّ إفادة المؤلفة بأنها كتبت هذا الكتاب حتى تتعافى من صدمتها لموت سعيد.

على الرغم من فتحها المتواتر لتلك النوافذ، من خلال استعارات منتزعة من متونه وتحشيته لها، توقفت الكاتبة كثيراً عند سعيد الخطيب المفوّه، وكيف أن كتابته «تنطق وتلفظ» الكلام، وكيف أنّ ذلك بدا ظاهراً في كتابه الأكثر شهرةً «الاستشراق» (1978)؛ فقد كان «أطروحة علمية ملفوظة» أكثر منه نصّاً مكتوباً، وذلك لأنّ «الخطابة محورية جداً في مشروع سعيد». الكتابة عند سعيد نغمات موسيقية، وكتاباته مثل ترتيلات مفعمة بالحنين. إنه راهبٌ في محراب المعرفة، يعكف في منفاه على تسكين الآخر في متونه وحواشيه. هكذا الأمر في كتابه المحوري «البدايات: المنهج والمقصد» (1975)، كما زعمت الكاتبة هنا، حيث يقودنا المتن وحده إلى أحلام سعيد وأشواقه في التقاط البدايات في النصوص الجمالية التي عمل على نسجها بهوية موسيقار بارع هو فاغنر، وبذات حساسية نيتشه وكتاباته الباكرة عن الموسيقى. من ثمّ نعود مع الكاتبة إلى كونراد مرة أخرى، بإنجاز سعيد أطروحته «جوزيف كونراد وأدب السيرة الذاتية» (1966)؛ وهُنا أكدت إدّه أنها ظلّت مرجعيته النقدية ونقطة انطلاق لجميع أعماله حتى عمله الأخير عن فرويد وتداعياته الموسيقية «فرويد وغير الأوروبي» (2003).

من بَعد إشارات عابرة لسيرة سعيد، نعود إلى فصل مهمّ دار حول موضوعة المنفى ومقالات سعيد «تأمّلات في المنفى» (2000)، مع إشارات إلى تقاطعات تجربة المنفى والكتابة مع فانون وربما تودوروف وحنا أرندت، وقد صار المنفى لازمةً لكتابات سعيد، كما قال كيليطو. إلا أنّ كتاب «تأملات…» قاد الكاتبة إلى اشتباكات سعيد مع كُلٍّ من فوكو ودريدا. يقول سعيد برواية الكاتبة: «أدخلَنا فوكو إلى النص، بينما أدخلَنا دريدا إلى النص وأخرجَنا منه بسلام». لنقف من بعد ذلك عند اشتباك سعيد مع المنظّر الأدبي إريش أورباخ الذي كتب سعيد مقدّمةً لعمله المعروف «محاكاة: الواقع كما يتصوّره أدب الغرب» (1957). ننتقل من بعد ذلك إلى لحظة مهمّة في مشروع سعيد، ألا وهي علاقة المثقّف والسلطة ومحورية كتابَي القرآن وألف ليلة وليلة في مشروعات الكتابة في المحيط العربي. انتهى الفصل بإشارات مقتضبة لدفاع سعيد عن سلمان رشدي عقب صدور روايته «آيات شيطانية» (1988) وفتوى الخميني بإهدار دمه في العام 1989.

عند صدور كتاب سعيد «الاستشراق» في العام 1978، تباينت الكتابات حوله واستمرّ الجدل والسجال بشأنه بضعة عقود إلى أن أصدر طبعة ثانية وصدّرها بمقدّمة أضاء فيها بعض «تناقضات النصّ» التي كشفتها بعض تلك الكتابات. على أنّ أكثر ما آلمه من نقدٍ، حسب زعم الكاتبة هنا، كان من المفكّر السوري صادق جلال العظم والمستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون، وختمت بأنّ «كلّ ما كُتب عن الكتاب لم يزده سوى وهج يزداد قوة وصلابة، وأنّ ذلك كان أمراً مهمّاً لحيوية محتوى الكتاب». ومن أهمّ السّجالات التي لم تذكرها الكاتبة تلك التي ابتدرها بذكاء المفكّر الهندي الراحل إعجاز أحمد ولاحقاً الإيراني حامد دباشي. من هنا التقطَت الكاتبة حضور أهمّ كاتبين في النقد السياسي ونقد الأيديولوجيا في القرن العشرين، جورج أورويل وألبير كامو، في كتابات إدوارد سعيد، بخاصّة في عمله المحوري الآخر «النصّ والعالَم والناقد» (1983). ويدهشك، إن كنت من المريدين لسعيد، أنّ الكاتبة أشارت إلى إحدى كتاباته الباكرة جداً عن الفيلسوف الروماني سيوران، وكان مهتماً في الوقت ذاته بكتابات جان جينيه. وثمة بضعة تفاصيل أوردتها الكاتبة، مثل أن سعيد قد طلب منها أن يلتقي سيوران بعد أن عرف منها صداقتها للرجل، وأنه أحبّ مكتبات بيع الكتب والحفلات الموسيقية، وأنه ابن المدينة، وأن علاقته بأزمنة المنفى لا تعادلها سوى علاقته بالمعرفة.

سعيد والموسيقى، سعيد والأسلوب المتأخر، وأخيراً سعيد وفرويد: هي آخر نوافذ دومينيك إدّه في هذا الكتاب. ومثلما فتحت هذه النوافذ على تلك العناوين الدالة والمؤشرة لمتواترات الفكر النقدي عنده، فقد فتحتها أيضاً على موضوع محوري واحد: المنفى والكتابة. في أواخر أيامه، اختزل إدوارد سعيد العالَم إلى مستويين، واحد سياسي والآخر وجودي، وقد ربطهما معاً، حسب ما ذهبت إليه المؤلفة، في كتابه «فرويد وغير الأوروبي» (2003). ومن بين موسيقى بيتهوفن وكتاب فرويد «موسى والتوحيد»، تأتي دعوة سعيد إلى أدب وموسيقى متمرّدين على ذاكرة الأدب وعلى ذاكرة الموسيقى، قطيعةً من حيث الشكل والمضمون أو قل الدالّ والمدلول، تتحقّق بها ثورة كونية تُسْمِعُ صوتَ الإنسان من الأدب ومن الموسيقى. إنه صوتٌ حرٌّ وقويّ يضع حدّاً لكل هذا العنف ولكل تلك القسوة. ومن بعد، فقد كان هذا الكتاب بورتريهاً لإدوارد سعيد، يَضُمُّ عجائب الكتابة ومعجزة المعنى.

Scroll to Top