بعد استقلال دولة جنوب السودان في 2011، وفقدان السودان 75% من إنتاجه النفطيّ وحصة ضخمة من إيرادات النقد الأجنبي، تزايَد الاعتماد على الذهب مورداً أساسياً لميزانية الدولة ومصدراً للنقد الأجنبي. وتبعاً لذلك، تزايَد إنتاج السودان من الذهب على نحو مُطّرد حتى بلغ 105 أطنان في نهاية العام 2017، وتراوح بعدها بين انخفاض وزيادة. وفي ظلال الحرب المُستمرّة منذ 15 أبريل 2023، توجّهت رؤوس أموال وطنية نحو التعدين الأهلي، جراء توقُّف الاستثمارات وتراجُع النشاط الاقتصادي والتجاري. كذلك دفع تدمير المصانع وتوقُّف سوق العقارات أصحابَ الحرف نحو مواقع إنتاج الذهب التي ترافقها عشرات المهن الأخرى. في 9 يناير 2025 قال وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم لوكالة رويترز، إن السودان أنتج 64 طناً من الذهب في 2024 وصدّر رسمياً 31 طناً.
لئن بدا مشهد المعدن الأصفر براقاً على هذا الوجه، فإنّ له وجهاً آخر شاحباً شحوب الموت كما يراه سكانّ ولاية جنوب كردفان، وكم تأذّوا منه بفعل عمليات الشركات والمصانع العاملة في مجال التنقيب عن الذهب، بخاصّة تلك التي تستخدم مادة السيانيد. وقد شهدت الولاية مواجهات عديدة بين المواطنين وتلك الشركات خلال العقد المُنقضي وما فتئت تتجدّد، خاصة في مناطق مثل كلوقي بمحلية قدير، والترتر بمحلية التضامن، وتلودي، ومحلية الليري، مع معاودة الشركات نشاطها في الآونة الأخيرة.
![]()
يعتمد التعدين الأهلي «التقليدي» على تجريف التربة والصخور الخام التي تحتوي على معدن الذهب بين مكوّناتها، ثم طحنها ومعالجتها بمادة الزئبق التي تَستخلص حوالي 30% من كمية الذهب الموجودة بالصخور. تُخلِّف هذه العملية تربةً مختلطة مع نسبة من الزئبق يُطلق عليها اسم «الكرتة»، وتُعالَج لاحقاً بمادة السيانيد لاستخلاص ما تبقى فيها من الذهب. تجري هذه المعالجة في مصانع أو معامل تابعة لشركات تشتري الكرتة من المناجم الأهلية، وتنتج عنها نفايات صناعية شديدة السمّية، مُكوّنةً أملاح سيانيد المعادن المختلفة. ويلجأ المعدِّنون الأهليون والشركات الصغيرة ومعامل الذهب إلى التخلص منها بطرحها في الوديان ومجاري المياه، ما يؤدّي إلى تلوّث فادح وطويل الأمد في البيئات المحلية المحيطة بمناطق التعدين الأهلي.
وقائع السمّ والغضب: 2017-2025
في 10 فبراير 2017، تَظَاهَر المئات من مواطني محلية كلوقي أمام مقرّ المحلية ومكتب جهاز الأمن، مُطالبين بإغلاق مصنع لاستخلاص الذهب يستخدم مادة السيانيد الضارّة بالإنسان والبيئة في المنطقة. حينها استجاب معتمد محلية كلوقي أحمد حسن بدوي لمَطالب المتظاهرين، وتوجّهت لجنة من المتظاهرين برفقة المعتمد إلى مقرّ المصنع في منطقة الحميط، وأغلقوه.
وفي 29 مارس 2017 أحرَق مواطنون من مدينة تلودي بولاية جنوب كردفان مصنع التقولا لاستخلاص الذهب وجميع آلياته احتجاجاً على استخدامه مادة السيانيد.
وفي 3 أكتوبر 2019 ضبَط سكّان من مدينة كلوقي نحو 5 أطنان سيانيد قادمة من تلودي محمّلة على عدة قلّابات واحتجزوها، ثم دوّنوا بلاغات ضد شركة الجنيد والفطيم للتعدين، بينما أقدَمَ آخرون على إشعال النار في بعض القلّابات. وفي ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي بعد ثلاثة أيام، داهَمَتْ قوةٌ من الدعم السريع وقتها كلوقي على متن 30 عربة، وأحاط الجنود بمكان الحادث وحاولوا رفع السيانيد عن طريق بوكلين لطمس الآثار، فاعترض السكّان على طريقة نقل هذه المادة الخطيرة، وأخبروهم بأنّ عملية النقل تحتاج إلى مُختصّين، لكنهم تجاهلوا حديث المواطنين. حمل الجنود المادة وتوجّهوا بها إلى تلودي، وفي طريقهم صادفوا منجم قردود تورو، وأهانوا العاملين فيه بالضرب بالسياط. وتكرّر الأمر في منجم التقولا التابع لمحلية تلودي، حيث ضربوا ونهبوا المواطنين والصاغة الموجودين بالمنجم، وهذا ما قاد مواطنين من تلودي إلى تنظيم موكب سلميّ عقب توجيههم مذكّرة إلى معتمد المحلية وإلى قيادة اللواء 56 مشاة.
وفي 9 أكتوبر 2019، أصدر مجلس الوزراء توجيهاً بمنع استخدام الزئبق والسيانيد في عمليات التعدين خاصة في منطقة تلودي. وحينها صرّح الناطق الرسمي للحكومة، ووزير الإعلام الأسبق فيصل محمد صالح، بأنّ مجلس الوزراء وجّه بإيقاف عمل الشركات في تلودي فوراً، وقرَّر تعيين مُشرفين من أبناء المنطقة لمراقبة العمل في حقل التعدين وإبلاغ السلطات المسؤولة في حال وجود خروقات تضرّ بالبيئة أو استخدام مواد مُنعت بموجب القانون.
في 3 يوليو 2025، أخبر «أتَر» مزارع من أبناء المنطقة أنّ شركاتٍ نقلت نحو 15 قلاباً من نفايات التعدين (تراب مخلفات المناجم) من مناطق التنقيب إلى مواقع تحتوي على السيانيد، وهو ما أثار احتجاج النشطاء داخل كلوقي، ورافق ذلك رفضٌ من بعض السكّان، أعقبته حملة اعتقالات نفّذتها السلطات الأمنية بمدينة كلوقي ضد عدد من الشباب في المنطقة.
وفي 15 مارس 2023، دفع تزايُد حالات نفوق الأبقار في محلية تلودي مُواطنين إلى فتح بلاغ رسمي ضدّ عدد من مواقع التعدين التي تَستخدم الخلّاطات. وقد ألقت السلطات القبض على أصحاب تسع خلاّطات بعد تحقيقات أظهرت أنهم يَستخدمون السيانيد، وهو ما تسبّب في وفاة الماشية. حينها اتهم ناشطون في مجال البيئة الشركة السودانية للموارد المعدنية، مُؤكّدين أنها منحت تراخيص لتلك الخلّاطات، وكانت تجبي منها رسوماً دورية. وأشاروا إلى أنّ مخلّفات هذه الخلّاطات تُصرَّف في مجاري المياه التي يعتمد عليها السكّان في الشرب وسقي المواشي، ما يُشكّل خطراً بيئياً كبيراً، خاصة مع دخول فصل الخريف.
عند اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، توقفت شركات التعدين في جنوب كردفان عن العمل، ثم عاودت نشاطها بعد اجتماع التنسيق التعديني في 26 يوليو 2024 الذي عقده الوالي محمد إبراهيم عبد الكريم في كادوقلي، ونوقشت فيه قضايا المناجم وإمكانية استئناف عمل الشركات التي توقفت بسبب الحرب والمشكلات الأهلية. حينها ناشد الوالي الشركات العودة إلى العمل، وأشار إلى نية الحكومة إنشاء بورصة للتعدين في إحدى المحليات الشرقية لتقليل التهريب وحماية التجّار. وشدّد على أهمية التنسيق بين المجتمعات، والأجهزة الأمنية، والشركة السودانية للموارد المعدنية. وكان المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، محمد طاهر عمر، قد أعلن في 9 يونيو 2024 تسخيرَ جميع إمكانيات الشركة لأجل نهضة قطاع التعدين بولاية جنوب كردفان.
بحلول 17 مايو 2025، دخلت أكثر من 50 شركة حيز العمل، وقد وُجّهت بإكمال إجراءات معالجة مخلّفات التعدين المتراكمة منذ عام 2010، وفقاً لتصريح مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية بالولاية، ورشة ناصر ورشة، الذي أكّد أنّ الشركات التي باشرت النشاط تمتلك عقوداً رسمية موقَّعة مع وزارة المعادن.
وبحسب مصدر من سكّان المنطقة تحدّث لـ«أتَـر»، عقدت هذه الشركات عدة اجتماعات مع قيادات الإدارة الأهلية، وأقنعتهم بأنها ستقدّم خدمات تنموية للمجتمعات المحلية في حال سُمح لها بالبدء في عمليات التنقيب. وبناءً على ذلك، وقّعت الإدارات الأهلية على اتفاق مع هذه الشركات يَسمح لها بالعمل. وأضاف أن تلك الاجتماعات التي أفضت إلى الاتفاق قد ضمّت ممثلين عن الشركات والحكومة المحلية ولجنة الأمن التي تشمل ممثلين للقوات المسلحة والأمن والشرطة.
وأكّد موظّف حكوميّ لـ«أتَـر» أنّ الشركات التي وصلت إلى كلوقي والليري هذه المرة لم تأتِ بزيّ مدني كما في المرات السابقة، حينما كانت جميع الشركات ترتدي الزي المدني باستثناء شركة «الجنيد» التي يملكها محمد حمدان دقلو وكانت تنشط في منطقة تلودي، قائلاً: «هذه الشركات هي شركات عسكرية وتتكتّم عن ذكر أسمائها».
من جهة أخرى، يُخبر ناشط من المنطقة في حديثه لـ«أتَـر» أنّ الشركات مارست تأثيراً على بعض الشباب في المنطقة، فأعلنوا تأييدهم لعمليات التنقيب، وعلى رأسهم جسم يُعرف باسم «لجنة التنمية»، وهي الجهة التي تُدير عمليات التنقيب حالياً وتعمل في التنسيق بين الشركات والسكّان، وكانت من الجهات الموقعة على الاتفاق.
في 3 يوليو 2025، أخبر «أتَر» مزارع من أبناء المنطقة أنّ شركاتٍ نقلت نحو 15 قلاباً من نفايات التعدين (تراب مخلفات المناجم) من مناطق التنقيب إلى مواقع تحتوي على السيانيد، وهو ما أثار احتجاج النشطاء داخل كلوقي، ورافق ذلك رفضٌ من بعض السكّان، أعقبته حملة اعتقالات نفّذتها السلطات الأمنية بمدينة كلوقي ضد عدد من الشباب في المنطقة. وفي 13 يوليو، نظّم عدد من المواطنين وقفة احتجاجية عبّروا فيها عن رفضهم للتعدين، وطالبوا بإطلاق سراح الشباب المعتقلين. وفي المساء أطلِق سراح المعتقلين من رئاسة الفرقة العاشرة بأبو جبيهة ووصلوا إلى كلوقي.
تثير هذه الوقائع مخاوفَ كبيرة في أوساط المجتمعات المحلية، خاصة مع ارتباط مجاري المياه الطبيعية بين كلوقي والليري وتلودي، ما يُنذر بآثار بيئية وصحية مُحتمَلة قد تطال المجتمعات الرعوية والزراعية، وهو ما ظهر بالفعل في 3 يوليو 2025، إذ عُثر وفقاً لشهود عيان، في محيط مصنع التقولا لمخلفات التعدين، على أكتر من 10 رؤوس من الماعز ميتة ومنفوخة.
بين وجهه البّراق وما يستشعره السكّان من خطر في الماء الذي يشربونه، وفي الهواء الذي يتنفّسونه، وفي فقدان الماشية التي تنتفخ على مرأى من أعينهم، يتساءل أهل ولاية جنوب كردفان: هل تتحوّل الحياة هنا إلى ثمن مؤجّل لعوائد الذهب؟
رواية أخرى
في حديث لـ«أتَـر»، قال مسؤول في الشركة السودانية للموارد المعدنية، فضّل حجب اسمه، إنّ عدد الشركات التي وصلت حالياً إلى المنطقة، وتستعد لمباشرة أعمالها، يبلغ 11 شركة، منها كونكورب، ديدان، تانسي، كسودة، كاتور، شنقلي، SNS، مامور، مسبت، إلى جانب شركات أخرى في طور الاستعداد للدخول. وأضاف أنّ من بين هذه الشركات أربع شركات كانت تعمل سابقاً في المنطقة، موضحاً أنها بدأت في اتخاذ إجراءات أولية للعمل، إلا أنّ ظروف فصل الخريف حالَت دون انطلاق العمليات فعلياً. وتوقّع أن تتوقف أعمال التعدين مؤقتاً ريثما تتحسّن الظروف المناخية.
وفي ما يتعلّق بجذور مشكلة التعدين، أوضح المسؤول أن شركات معالجة المخلّفات قد أُنشئت في الأساس بهدف الحد من التلوث الناتج عن استخدام الزئبق في التعدين الأهلي أو ما يُعرف بالتعدين العشوائي، مشيراً إلى أنّ هذا النمط من التعدين يَعتمد على استخراج نحو 30-35% فقط من الذهب الموجود في الصخور باستخدام الزئبق، بينما تُترك التربة المُتبقية «الكرتة»، ليُستخلَص ما تبقى فيها من المعدن الثمين باستخدام وسائل ومواد أخرى.
وأشار إلى أنّ الشركات تشتري «الكرتة» من المُعدّنين الأهليّين وتُعالجها باستخدام السيانيد لتعظيم الفائدة الاقتصادية وتقليل الفاقد من الذهب. وتتراوح نسبة الحكومة من إنتاج هذه الشركات ما بين 17% في السابق و22% حالياً.
وشدّد على أنّ هذه الشركات ملزَمة باتّباع إجراءات صارمة تتعلّق بالبيئة والسلامة، من بينها تركيب مكثّف للزئبق واسترجاعه أثناء المعالجة، ويتعين عليها أيضاً تقديم دراسات جدوى قبل بدء العمل تتضمّن خطةً لإدارة الموقع أثناء الإغلاق وبعده، إضافة إلى التزاماتها بالمعالجة البيئية لما بعد التشغيل.
وفي ما يخصّ المسؤولية المجتمعية، أشار إلى أنّ الدولة أصدرت قراراً يُلزم الشركات بتخصيص 4% من إنتاجها لمشروعات التنمية المحلية، على أن يجري تحديد تلك المشروعات بمشاركة ممثلين للمجتمع والمحلية والشركة السودانية للموارد المعدنية والشركة المُنفِّذة للمشروع.
وبخصوص السيانيد أوضح المسؤول أن مادة السيانيد رغم سمّيتها، تُستخدم في إطار عالمي مضبوط، من المناولة إلى التخزين وحتى الاستخدام، وأنه وفقاً للمواصفات السودانية، يُمنع أن يزيد تركيز السيانيد عن 40 ملغراماً في كل كيلوغرام في التربة، وهو أقل من الحد العالمي البالغ 50 ملغراماً في كل كيلوغرام، مؤكّداً وجود مراقبين فنيّين تدرّبهم الشركة السودانية لمتابعة التزام الشركات بهذه المعايير، إضافة إلى إجراء تفتيش دوري.
وحول الاتهامات الموجّهة إلى هذه الشركات، قال المسؤول إنّ هناك جهات وَصَفَها بأنها ذات دوافع سياسية، درَجَتْ على التحريض ضدَّ نشاط الشركات، والترويج بأن السيانيد مادة قاتلة، مُتجاهلةً في الوقت نفسه مخاطر الزئبق المُستخدم بكثافة في التعدين الأهلي، مُشيراً إلى أنّ هذه الجهات نفسها تضمّ في صفوفها معدّنين أهليين يملكون آباراً ويَنخرطون في تهريب الذهب إلى الخرطوم سابقاً والآن أصبحوا يهرّبونه إلى أديس أبابا.
وأفاد المسؤول بأنّ هذه المجموعات سبق أن حرّضت المواطنين ضدّ الشركات، ونجحت في طرد بعضها وحرق عدد من المصانع. وأضاف: «في عام 2021، كنا في زيارة توعوية لشرح طبيعة استخدام السيانيد، لكن بعض هذه الجهات حرّضت الأهالي، فجرى طردنا وتهديدنا، ثمّ اكتشفنا لاحقاً أنّ أغلبهم يملكون مواقع تعدين أهلي، ويستفيدون من تهريب الذهب».
وأكّد أن المجتمع المحلي نفسه هو من بادر هذه المرة بمُناشدة الشركات العمل. ووصلت إلى مكاتب الشركة السودانية وفودٌ تُطالب بعودة الشركات للعمل، وهو ما يعكس – حسب قوله – تغيّراً في موقف المواطنين بعد إدراكهم الفوائد الاقتصادية والتنموية التي يمكن أن تتحقّق من عمل شركات التعدين.
وختم المسؤول إفادته بالتأكيد على أنّ هناك «استغلالاً واضحاً لجهل بعض المواطنين في الترويج لمعلومات مغلوطة ضد الشركات وضد الدولة»، مُعتبراً أنّ غياب رؤية استراتيجية لإدارة هذا المورد الحيوي أسهم في ترك الساحة للعشوائية والفوضى البيئية، وأضاف: «التعدين الأهلي في تقديري، هو السبب الأكبر في تدمير البيئة وطمس الهوية الجيولوجية للمناطق، لأنّ الحفر يجري بطريقة عشوائية دون مراعاة لوجود معادن أخرى أو لتنوع التكوينات الأرضية».
عودة الشركات: معادلة مختلّة
هكذا، بين وجهه البّراق وما يستشعره السكّان من خطر في الماء الذي يشربونه، وفي الهواء الذي يتنفّسونه، وفي فقدان الماشية التي تنتفخ على مرأى من أعينهم، يتساءل أهل ولاية جنوب كردفان: هل تتحوّل الحياة هنا إلى ثمن مؤجّل لعوائد الذهب؟ وهل تكون عودة شركات التعدين إلى العمل، بخاصة في المنطقة الشرقية من الولاية، واستخدامها مادة السيانيد، سوى تعبيرٍ عن استمرار نمط قديم يتجاهل مخاطر البيئة والصحة العامة مقابل جني العوائد الاقتصادية، بخاصّة في ظل الحرب وتراخي قبضة الدولة المركزية؟
على الرغم من تاريخ مقاومة المُجتمعات المحلية لاستخدام مادة السيانيد السامّة في مُعالجة مُخلّفات التعدين الأهلي، ونجاحها في فرض قرارات إيقاف نشاطه في السنوات الماضية، ها هي الشركات تعود اليوم بحماية سياسية وعسكرية وتنسيق مع أطراف في الإدارة الأهلية، في مشهد يعكس تغيُّراً في ميزان القوى على الأرض. وبينما تُبرَّر هذه العودة بحاجة البلاد إلى النقد الأجنبي وزيادة الإيرادات، في ظلّ أزمة اقتصادية طاحنة، تتزايد المخاوف من تكرار كوارث بيئية جديدة في غياب أي مؤشرات لرقابة حقيقية أو مساءلة للجهات المسؤولة.
في ظل هذه المعادلة المختلّة، تقف المجتمعات المحلية بين خيارين أحلاهما مُرّ: القبول بالتلوّث والمخاطر مقابل وعود تنموية قد لا تتحقّق، أو الرفض والمواجهة في ظلّ تراجُع مساحة الحريات وتزايُد الاعتقالات، وهو ما يفرض ضرورة إعلاء صوت الضحايا المُحتمَلين وتوثيق الانتهاكات، وفتح نقاش جادّ حول مستقبل التعدين في السودان بين الحاجة الاقتصادية وحقوق الإنسان والعدالة البيئية.



