طريق ترابي يربط بين مدينة الفاشر، وحِلّة الشيخ شمال غربها، وهي القرية التي ظهر اسمُها مع حصار المدينة، وأصبحت قِبلةً للفارّين من ضيق الحال بالفاشر المنكوبة منذ 5 أشهر. لقد كان هذا الطريق يخلو من أيّ شيء سوى بعض سيارات البضائع والركّاب، أما الآن فترى فيه مئات المُسافرين: جرحى وذوي احتياجات خاصة، نساء ورجال وأطفال، ذوات حمل أو والدات تَوّاً؛ منهم من يمشي سيراً على الأقدام ومنهم من استأجر حماراً لرفع أمتعته أو نفسه. ومنهم من يدفعه سوء حظّه لمُلاقاة أفراد الدعم السريع، فيجرّدونه عن كل ما يقتني، وقد يلاقي آخرين منهم يسألونه سؤالاً يتيماً: هل أنت مُقاتل؟
يختلف الفارّون في سرعات سيرهم ووسائل نقلهم، لكنّ الخوف وحده يتملّك الجميع، ولا تتوقّف قلوبهم عن الخفقان سريعاً، ولا أعينهم عن النظر يمنة ويُسرة مخافة أن يصادفوا أفراداً من الدعم السريع. أشجار العُشَر على طول الطريق نعمة ونقمة في آن: يَستظلُّ بها المارَّة من حرَّ الطريق، ويختبئ وراءها أفراد الدعم السريع للهجوم المُباغت على السائرين لنهب ما استطاعوا إخراجه من المدينة المكلومة. كذلك تختلف أزمنة خروج الفارّين من المدينة، فمنهم من يَختار الخروج ليلاً علَّه يَبلغ وجهته بسلام، ومنهم من يختار النهار حتى يجد من ينقذه إذا واجه مكروهاً.
لقد ظلّت الفاشر تواجه وضعاً إنسانياً قاسياً منذ سقوط معسكر زمزم للنازحين، وإغلاق آخر الطرق المؤدّية إليه، وأصبح الجوع سيّد الموقف داخل المدينة، وحتى الأمباز الذي اعتمد عليه أغلب السكان بدأ مخزونه في النفاد بسبب توقّف عمل المعاصر داخل المدينة، ولا يزال المهرّبون عاجزين عن إدخال المواد الغذائية باستثناء العصير وبعض المنتجات الخفيفة التي يمكن حملها في اليد أو الظهر.
لقد تعدّدت أسباب الموت في فاشر السلطان، ما دفع سكّانها لاختيار الفرار إلى المجهول وهم يعلمون يقيناً انتشار أفراد الدعم السريع على منفذ الخروج الوحيد بالاتجاه الشمالي للمدينة.
وجهة بلا وصول
يصف الحاج الشارع بأنه ممتلئ بالفارّين كباراً وصغاراً ونساءً وأطفالاً، لم يحملوا معهم سوى قوارير ماء وأكياس زاد صغيرة تختلف باختلاف عددهم ومقدرتهم على الشراء وقدرتهم على الحمل. وعند وصولهم إلى محطة الكارّو في حلة الشيخ أخبرهم سائق الكارّو أنه غير مسموح لأحد بالتحرّك أبعد من هنا. سألوه عن الوجهة التالية، فأخبرهم بأن عليهم الذهاب إلى منطقة قَرْنِي شمال غرب الفاشر ويستغرق المشوار إليها 3 ساعات ونصف بالتقريب مشياً على الأقدام.
قرّر محمد الحاج الخروج من الفاشر إلى محلية طويلة، على بعد 65 كيلومتراً غرب الفاشر، بعد ضيق الحال في المدينة، إذ بلغ ثمن كورة البليلة العدسية 45 ألف جنيه، ولا تسل عن متطلبات طهوها من حطب وزيت وسكر وغيرها؛ فضلاً عن التدوين العنيف على المدينة، بقذائف تستعصي على العدِّ والإحصاء خلال اليوم، ولا اتجاه محدّداً للتدوين، ما صعَّبَ على السكان الوصول إلى الأسواق لشراء متطلباتهم، إضافة إلى انعدام النقد. يقول الحاج في حديثه لـ«أتَـر»، إنه رأى مُصابين يَموتون بسبب النزف أحياناً وبسبب قلة الرعاية الصحية أحياناً أخرى.
بدأ الحاج ورفقاؤه الثلاثة في السكن، السؤال عن حال الطريق، وإمكانية وصول الفارّين إلى المناطق الآمنة دون أن تتعرّض لهم الدعم السريع، وكانوا قد قرّروا الخروج معاً حتى مدينة مليط شمال مدينة الفاشر، لكنهم لم يستطيعوا توفير النقد اللازم فاضطرّوا إلى البقاء يومين آخرين بحثاً عنه. ولم يجدوا حيلة غير أن يشتروا ربعاً من الدخن بـ 480 ألف جنيه عبر تطبيق «بنكك» ليبيعوه بنصف قيمته نقداً. يقول الحاج: «خرجنا تاركين وراءنا كل شيء حتى ملابسنا، لم نخرج سوى بهواتفنا فقط، وحتى الهواتف أخذناها عندما علمنا أن أفراد الدعم السريع ينشغلون عن إيذاء الناس إذا وجدوا غنائم في أيديهم، لتصبح هواتفنا سبباً في تخفيف العقاب». خرج الحاج ورفقاؤه في الليلة التي حصلوا فيها على النقد، ومكثوا لساعات في معسكر أبوشوك للنازحين، ومن ثم استأجروا عربة كارّو حتى حلة الشيخ القريبة من الفاشر، حاملين جركانة ماء للشرب. يصف الحاج الشارع بأنه ممتلئ بالفارّين كباراً وصغاراً ونساءً وأطفالاً، لم يحملوا معهم سوى قوارير ماء وأكياس زاد صغيرة تختلف باختلاف عددهم ومقدرتهم على الشراء وقدرتهم على الحمل. وعند وصولهم إلى محطة الكارّو في حلة الشيخ أخبرهم سائق الكارّو أنه غير مسموح لأحد بالتحرّك أبعد من هنا. سألوه عن الوجهة التالية، فأخبرهم بأن عليهم الذهاب إلى منطقة قَرْنِي شمال غرب الفاشر ويستغرق المشوار إليها 3 ساعات ونصف بالتقريب مشياً على الأقدام.
عزَم الحاج ورفقاؤه على المسير، لكن بعد 20 دقيقة من مسيرهم خرج عليهم أفراد من الدعم السريع من ظلال شجر العُشَر المُنتشر في الطريق، والذين قال الحاج إن عددهم كبير وقد يساوي عدد الفارّين أنفسهم أو يفوقه. يقول الحاج: «هَدَّدونا لإخراج كل ما نحمل، وقبل أن نستخرج هواتفنا فتّشونا وأخذوا نقودنا وهواتفنا ولم يتركوا شيئاً سوى ما نرتديه، ثم سألونا عن جهة قدومنا، فأخبرناهم أننا من الفاشر واكتفوا بذلك وتركونا». لكن بعد خمس دقائق من مواصلة مسيرهم وجدوا مسلّحين آخرين يحملون أسلحة بيضاء، يسألون الفاريّن عن هوياتهم وما إذا كانوا مقاتلين، ومن ثم تركوهم إلى حال سبيلهم.
عند وصولهم إلى قرني، أخبرهم مقاتلو الدعم السريع بأنّ سائقي السيارات الصغيرة يستغلّون المواطنين، وأنّ عليهم انتظار شاحناتهم فقط، وتسجيل أسمائهم في قائمة الحصر ثم الانتظار. وعندما قَدِمت الشاحنة كان جنود الدعم السريع يُصوِّرون الفارّين أثناء ركوبهم السيارات، ويسافر الناس بشاحنات كبيرة خصَّصَتْها الدعم السريع، إضافة إلى سيارات أخرى قتالية أُنزل منها سلاح الدوشكا، ليستغلّها الجنود في تجارة نقل الركاب بسعر 120 ألف جنيه للفرد الواحد.
ظلّ الحاج ورفقاؤه وبقية الفارّين على هذا الحال يَلقون مجموعة فأخرى من الدعم السريع والمسلّحين، حتى وجدوا مجموعة على ظهر سيارات قتالية، فأخبروا أفرادها بأنهم قد نُهبوا على أيدي مسلّحين قَبلهم. يقول الحاج: «وعَدنا أولئك الجنودُ باسترداد ما نُهب منّا، وقدّموا لنا الماء والكعك والعصير». وعند وصول الحاج ومجموعته إلى إحدى المناطق – بين حلة الشيخ وقرني ولم يستطع الحاج تحديدها – وجدوا عدداً كبيراً من الفارّين من الفاشر وأفراداً من الدعم السريع أقاموا تكايا لإطعامهم. يقول الحاج معلقاً: «كأنهم ليسوا من يحاصروننا ويقصفوننا يومياً! وكانت هذه المرة الأولى التي تناولتُ فيها اللحم منذ ثلاثة أشهر».
وعند وصولهم إلى قرني، أخبرهم المقاتلون بأنّ سائقي السيارات الصغيرة يستغلّون المواطنين، وأنّ عليهم انتظار شاحناتهم فقط، وتسجيل أسمائهم في قائمة الحصر ثم الانتظار. ولاحظ الحاج أنه عندما قَدِمت الشاحنة ركب الناس دون أن يُنادَى بأسمائهم، وكان جنود الدعم السريع يُصوِّرون الفارّين أثناء ركوبهم السيارات، وقال إنهم سافروا بشاحنات كبيرة خصَّصَتْها الدعم السريع، إضافة إلى سيارات أخرى قتالية أُنزل منها سلاح الدوشكا، ليستغلّها الجنود في تجارة نقل الركاب بسعر 120 ألف جنيه للفرد الواحد.
سافر الحاج ورفقاؤه مجاناً عبر شاحنة Zs حتى وصلوا إلى منطقة كورما غرب الفاشر، لكن تعذّر عليهم استئناف السفر إلى مليط، فقرّروا الذهاب إلى محلية طويلة، وقد طلبوا من السائق إمهالهم للدفع، بعد أن نُهبوا في الطريق. يقول: «هاتفتُ إخوتي عبر جوال السائق وهو فرد من الدعم السريع، طالباً منهم إرسال المبلغ والإشعار». وعندما وصلوا إلى «طويلة العمدة» حيث معسكر النزوح، اضطروا للرجوع إلى داخل طويلة بسبب صعوبة الوضع وكثرة عدد النازحين المقيمين بالمعسكر.
يحاول الحاج الآن التخلّص من رهق الرحلة واستعادة صحّته لاستكمال المسير إلى منطقةٍ لم يحدّدها بعد، فليس لديه ما يكفي من مال للسفر مرة أخرى.
على الدوابّ أو مشياً على الأقدام
واجه المسؤول الرصاصَ الطائش والاشتباكات المتتابعة والهجمات المتكرّرة والتدوين المُمنهج ضد المدنيين، لكن ما لم يستطع تحمّله هو الجوع. لقد أنفق كل ما يملك لتوفير المأكل له ولصغار أخته التي توفيت بقذيفة استهدفت منزلها تاركةً ثلاثة أطفال أصغرهم بعمر السنتين.
متحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول مسؤول حكومي سابق بحاضرة شمال دارفور، إنه غادر الفاشر إلى الدبّة في الولاية الشمالية مُجبَراً. وعزا بقاءه طوال سنة ونصفها من الحصار إلى إحساسه بالمسؤولية تجاه المدينة ومواطنيها، ورأى في خروجه منها تخلّياً عن هذه المسؤولية.
واجه المسؤول، وقد طلب من «أتَـر» حجب اسمه، الرصاصَ الطائش والاشتباكات المتتابعة والهجمات المتكرّرة والتدوين المُمنهج ضد المدنيين، لكن ما لم يستطع تحمّله هو الجوع. لقد أنفق كل ما يملك لتوفير المأكل له ولصغار أخته التي توفيت بقذيفة استهدفت منزلها تاركةً ثلاثة أطفال أصغرهم بعمر السنتين. عندها عزم على المغادرة، ولأنّ الجوع تمكّن منه ومن الأطفال الصغار. توجّه المسؤول وأفراد أسرته من حلة الشيخ إلى قرني، ومنها إلى ملّيط فالدبّة عبر مناطق الكبابيش، أحياناً على عربات الكارّو، وأحياناً أخرى مشياً على الأقدام، وأخرى على العربات، توفيراً لمبالغ قد تعينهم على ما تبقى من رحلة إلى الدبة.
وقال إنّ تكلفة سفر الفرد الواحد من الفاشر حتى مدينة الدبّة بالولاية الشمالية، تُقدَّر بحوالي مليون ومائتي جنيه متضمّنة قيمة تذكرة السفر والقليل من الطعام، وقد تعوّدوا على قليل الطعام هذا في الفاشر، ما أعانهم على استكمال مسيرهم دون إنفاق مبالغ باهظة على الأكل أو الشرب .
ويسرد المسؤول الحكومي السابق قائمةً بأسعار التذاكر، في مراحل رحلته المختلفة: الكارُّو من الفاشر إلى حلة الشيخ 70 ألف للفرد، ومن حلة الشيخ إلى قرني يبلغ أجر الحمار 50 ألف جنيه، ومنها إلى مليط يدفع الراكب 40 ألف جنيه، من مليط إلى الدبة 350 ألف جنيه، وتشمل أسعار التذاكر حتى الأطفال الأكبر من سنتين. وقد لجأ إلى تحويل كل ما يملك من مال إلى حساب «بنكك» تملكه إحدى قريباته في يوغندا، وكان يُخفي هاتفه في لُبدة الحمار ليُخرجه كلما احتاج إلى تحويل المال.
يقول إنّ جنود الدعم السريع يصولون ويجولون شرقاً وغرباً ويستهدفون الشباب أكثر من غيرهم، ويسألون في كل مرة الأسئلة نفسها: هل أنتم مقاتلون أم لا؟ وما هي وظيفتكم في الفاشر؟ وفي النهاية ينهبون مقتنيات المواطنين ويتركونهم للذهاب في سبيلهم. ويصف أفراد الدعم السريع بأنهم «تجّار بامتياز»، إذ يَضعون أسعاراً جنونية للركّاب، وعلى من اضطرّ أن يدفع دون جدال، أو يذهب سيراً حتى وجهته. وحتى من يحمل السلاح منهم يحمله لأجل النهب فقط لا القتال.
وشبَّه المسؤول الوضع الإنساني داخل المدينة بجهنم: «بمجرد خروجك ترى نعيم الجنة، وتندهش بسلع لم ترها لأكثر من سنة، فقد كدنا ننسى كثيراً من الأشياء التي لم نرها منذ مدة طويلة».
رحلة نجاة
الآن أنا ووالدي في مدينة الدبة بالولاية الشمالية بعد رحلة جميلة؛ أقول جميلة لأنني رأيت أشياء لم أرَها منذ سنة، تذوّقت المكرونة أخيراً بعد أن نسيت طعمها، أيضاً رأيت صابونة كاملة تباع بألفي جنيه بعد أن كنت أشتريها بنحو 20 ألفاً داخل الفاشر. لقد اندهشت بشكل الأسواق على الطريق وأخيراً استرحت من دوي الانفجارات والطرقات المهجورة
تمكَّنَتْ سناء من النجاة ووالدها المُسنّ وممتلكاتها خلال رحلتها من الفاشر إلى الدبّة، وهي ترى في هذه النجاة شيئاً من الغرابة، لأن الطريق ممتلئ بأفراد الدعم السريع الذين ينهبون كلّ من يجدونه في الطرق التي اتخذها الفارّون سبلاً للنجاة.
رفضت سناء الخروج قبلها بسبب التهديدات التي يُطلقها أفراد الدعم السريع لسكان الفاشر بحجّة مشاركتهم في القتال، وخوفاً على والدها وأخيها اللَّذين تقيم معهما في المدينة. لكن حال المدينة دفعها للمغادرة مع والدها وترْك أخيها في الفاشر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. تقول في حديثها لـ«أتَـر»، إنها لم تواجه أي مشكلات حتى وصلت إلى وجهتها، وتضيف مستغربة: «هنالك شيء غير منطقي، فنفس قوات الدعم السريع التي تطلق القذائف على المدنيّين في المساجد والمستشفيات وتقطع الإمداد عن السكّان، هي ذاتها التي حملت معي أمتعتي في منطقة قرنِي، وسألتني عن حال المواطنين بالفاشر، وأطعمتني وسقتني، بل سألوا والدي عن صحّته وكيف بقي بالمدينة كل هذه الفترة!».
كانت سناء تحمل معها كمية مقدّرة من ذهب والدتها وشقيقاتها، إضافة إلى هاتفها وهواتف أخرى لشباب معها في الطريق، وجهازَي كمبيوتر محمولين. تقول: «كنتُ قلقة بشأن ما أحمل، وإذا سألوني عن أي شيء، كنت سأُخرج كلّ ما عندي فوراً حتى أضمن سلامتي، لكن بحمد الله وُفِّقْتُ في الوصول بكل ما أملك». استأجرت سناء حماراً من الفاشر حتى حلة الشيخ، ودسّت ممتلكاتها داخل جوالات كبيرة، ومن حلة الشيخ حتى قرني استأجرت عربة كارّو. تقول: «التقينا بعناصر الدعم السريع، وعلى طول الطريق كانوا يتحرّكون بسيارات الدفع الرباعي وأخبرونا أننا الآن في أمان، ولا أحد يستطيع سؤالنا عن شيء بعد الآن، وهم سيعملون على تأمين الطريق من المتفلّتين». لكنها أشارت إلى أنّ عناصر الدعم السريع ينقسمون إلى قسمين: قسم يتحرّك ذهاباً وإياباً على طول الطريق بحجّة التأمين، وقسم آخر ينهب الفارّين على مرأى ومسمع ممن سموا أنفسهم عناصر تأمين. ورأت سناء أفراداً من الدعم السريع وهم ينهبون مقتنيات الشباب.
«الآن أنا ووالدي في مدينة الدبة بالولاية الشمالية بعد رحلة جميلة؛ أقول جميلة لأنني رأيت أشياء لم أرَها منذ سنة، تذوّقت المكرونة أخيراً بعد أن نسيت طعمها، أيضاً رأيت صابونة كاملة تباع بألفي جنيه بعد أن كنت أشتريها بنحو 20 ألفاً داخل الفاشر. لقد اندهشت بشكل الأسواق على الطريق وأخيراً استرحت من دوي الانفجارات والطرقات المهجورة»، تقول سناء بعد انقضاء رحلة نجاتها الطويلة.



