يُنقِّب المعدِّنون الأهليّون في أرض السودان بحثاً عن الحجارة التي تحوي معدن الذهب، وقد يصل بهم ذلك التنقيب المُضني إلى أعماقٍ ومُنعرجات يَنعدم فيها الهواء النقي وغير النقي. وفجأة تلوح لهم في آخر النفق المُظلم كوّةٌ من الضوء ونسمة من الهواء تُداعب أجسادهم المتعرّقة؛ لكنّ ذلك الضوء وتلك النسمة المُنبعثة من خلال تلك الفجوة في قلب الصخور، قد تكون المفاجأة الأخيرة في حياتهم، لأنها تُمثّل جرس إنذار لا يُخطئ بانهيار وشيك للبئر، لتُصبح مقبرةً غير مُحدَّدة المعالم لمن هم بداخلها؛ وقد يصل عددهم إلى 50 فرداً، كما في حالة انهيار منجم الهويد في ضواحي هيَا بشرق السودان في أواخر يونيو الماضي، لأنّ ذلك يعني انحلال ما يُعرف بـ «شِكَالَات» البئر بسبب اقترانها بأخرى من الاتجاه المعاكس، بحسب ما أفاد به محمد عبد الله «أتَـر»، وهو مُعدِّن يعمل في الصحراء الشرقية للسودان.
وحين يلتقي مُعدِّنان كُلٌّ منهما يحفر في اتجاهين متعاكسين، فقد لا يجدان الوقت الكافي للشجار بينهما، قبل أن تنهار عليهما كُتَلُ الصخر وكثبان الرمل؛ فالمساحات التي يَجري فيها التنقيب غير مُحدَّدة بمعالم معيّنة، ويتحكَّم فيها وجود الصخور الحَاوية للمَعدن. هذا ما أوضحه عبد الإله، وهو صاحب بئر بالقرب من محلية هيَا، شارحاً في حديثه لـ«أتَـر» أحد الأسباب التي قد تُوقع المعدّنين في أفخاخ الانهيار، فالموقع قد يُصدَّقُ من قبل الجهات المَعنيَّة لأكثر من مُستثمر.
وقد يَحدث الانهيار لأسباب أخرى منها، بطبيعة الحال، عدم الالتزام بمعايير السلامة المهنية من قِبل العاملين في قطاع التعدين، خاصة في المناطق النائية، وقد لا تَتوفّر الموارد المالية الكافية لتنفيذ جميع إجراءات السلامة المهنية المطلوبة، هذا فضلاً عن تدنّي الوعي بها لدى العمّال، إذ لا يتلقَّون التدريب الكافي قبل ارتياد المجال. كذلك قد تؤدّي الظروف الجيولوجية غير المستقرّة إلى حدوث انهيارات في آبار التعدين. وقد تُستخدَم تقنيات غير آمنة في التعدين، ما يزيد من خطر حدوث انهيارات.
ملكيّة الأرض
بحسب المقابلات التي أجراها مراسل «أتَـر»، مع أصحاب آبار ومُعدِّنين، فالجهة التي تصدر تصاديق الآبار هي الإدارة الأهلية التي تزعم ملكيَّتَها لتلك الأرض، رغم أن قوانين الأراضي في السودان (1970-1984-1994) تُشير إلى ملكية الدولة لأراضي التروس العليا، وهي أراضي الوديان خارج الملك الحرّ والأراضي التي يحكمها عُرف القُصَاد.
رغم التزام الشركة السودانية للموارد المعدنية بمعايير السلامة المهنية، بحسب ما تُفصح عنه رسالتها التعريفية بموقعها الرسمي، لكنها لا تُشرف على التعدين الأهلي في المناجم، وتنتهي علاقتها به عند بوّابات أسواق طواحين الذهب، لتتحصّل عوائدها فقط. وبحسب المقابلات التي أجراها مراسل «أتَـر»، مع أصحاب آبار ومُعدِّنين، فالجهة التي تصدر تصاديق الآبار هي الإدارة الأهلية التي تزعم ملكيَّتَها لتلك الأرض، رغم أن قوانين الأراضي في السودان (1970-1984-1994) تُشير إلى ملكية الدولة لأراضي التروس العليا، وهي أراضي الوديان خارج الملك الحرّ والأراضي التي يحكمها عُرف القُصَاد.
لكن واقع الحال، أنّ الإدارة الأهلية في الغالب، تَنوب عن الدولة في تأجير تلك الأراضي في حيازات التعدين الصغيرة. وفي ما يخصّ استثمارات الشركات الكبرى، فإنّ الدولة تتدخّل وفق القانون وتفرض إرادتها غير عابئة بالاحتجاجات الشعبية، فكثيرٌ من الأراضي قد أُجّرت لآجال طويلة لمستثمرين وشركات أجنبية، وقد تَستخدم القوة الخشنة مثلما حدث في مناطق عديدة في شمال السودان جرى فيها استخدام الذخيرة الحية، ومن ذلك ما حدث في نزاع أهل السليمانية مع الشركة الروسية. وأحياناً يصل الأهالي إلى الاتفاق مع شركات التعدين برعاية حكومة الولاية؛ لذا تعتقد الإدارة الأهلية في مناطق التعدين بشرق السودان، أنها مالكة للأرض بالأصالة عن نفسها وليس بتفويض السلطات.
مُتحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول محمد علي إبراهيم، وهو عمدة من منطقة ترتايب في نهر عطبرة، إنهم يملكون هذه الأرض من أجدادهم من قبيلة الأمرأر وبصكِّ ملكية منذ العام 2007، ويؤكّد أن هذا الصكّ مُعتمَد من محلية هيَا بولاية البحر الأحمر، وإنهم يعملون مع المستثمرين تحت إشراف المحلية بنظام شراكة يحصل بموجبه أصحاب الأرض على 25% والمستثمر على 25%، والعمّال على 50%، وبموجب ذلك تجبي المحلية منهم ضرائب غير مُحدَّدة، لكنها في المقابل لا تُلزمهم بأيِّ اشتراطات، ما لم تحدث مشكلات، أما إذا حدثت فإنّ السلطات تحجز على المنجم حتى تُحلّ المُشكلة.
ولا تتعدّى طبيعة الرقابة الحكومية على مجال التعدين شهادة المحليات على عقد الشراكة بين أصحاب الأرض الافتراضيين «الإدارة الأهلية» والمُستثمِر؛ ما أسهم في تضاؤل الرقابة الرسمية على التعدين الأهلي الذي يمثل 80% من إنتاج الذهب في السودان لغياب جهاز مختصّ بالرقابة أو حتى معنيّ بها، رغم توقيع السودان وتصديقه على اتفاقية السلامة المهنية. وهي اتفاقية دولية تُعنى بالسلامة والصحة المهنيتين وبيئة العمل وصادرة عن منظمة العمل الدولية، وتهدف إلى تعزيز السلامة والصحة المهنية في جميع فروع النشاط الاقتصادي. واعتُمدت في عام 1981، ودخلت حيز التنفيذ في 11 أغسطس 1983، وتنطبق على جميع فروع النشاط الاقتصادي، وجميع العمال في هذه الفروع.
ورغم أنّ قانون العمل في السودان يلتزم بجميع بنود الاتفاقية، لكن ذلك مطبق على القطاعات المنظمة في الاقتصاد، إذ يخضع توظيف العمال لرقابة مكتب العمل. أما قطاع التعدين العشوائي، فلا تطاله مظلة هذا القانون ولا رقابة مكتب العمل أو حتى وزارة العمل.
من الزراعة إلى التعدين
كان كثيرٌ من العمال يحترفون الزراعة في الأصل ويأتون من مناطق يعتمد عليها السودان في تحقيق الأمن الغذائي مثل القضارف والجزيرة وكردفان ودارفور. وتعمل في البئر مجموعة ما بين 9 و10 أفراد يستخدمون الأجَنَة والشاكوش في تكسير الصخور، وتعمل الوردية لمدة 10 أيام.
وتختلف المساحة المحدّدة لكل صاحب بئر حسب المنطقة والاتفاقيات المُبرَمة مع الإدارة الأهلية. وفي بعض الحالات، قد يجري تحديد مساحات بعينها لكل مُستثمر بناءً على اتفاقيات أو تصاريح مُحدَّدة. وفي حالات أخرى، يعتمد الأمر على قدرة المستثمر على التفاوض والاتفاق مع الأطراف المعنية.
هذا الواقع يؤكّده حُبّ الدين حامد، وهو صاحب منجم أهلي في وادي العلّاقي بولاية البحر الأحمر بمحلية جَبيت بالقرب من الحدود المصرية. ويُشير في حديثه لـ«أتَـر»، إلى أنّ المُعدِّنين الذين يأتون من مناطق مختلفة، ويجدون آباراً مُنتِجة، ويأخذون نصف الإنتاج، ويضيف أن كثيراً من العمال كانوا في الأصل يَحترفون الزراعة ويأتون من مناطق يعتمد عليها السودان في تحقيق الأمن الغذائي مثل القضارف والجزيرة وكردفان ودارفور.
وتعمل في البئر مجموعة ما بين 9 و10 أفراد يستخدمون الأجَنَة والشاكوش في تكسير الصخور، وتعمل الوردية لمدة 10 أيام. ويستخرج صاحب البئر إيصالاً من المحلية. وفي بعض الأحيان يُستخدَم حفّار آلي، ويأخذ صاحبه 25% من الإنتاج؛ كما يأخذ صاحب البئر أيضاً 25%، بينما يأخذ العمال النسبة المتبقية. وعادةً ما يحكم العُرف هذا التعاقد، وليس بالضرورة أن يكون مكتوباً. ومن ثم يَجري ترحيل الأحجار إلى سوق الطواحين. وفي المنطقة المشار إليها «وادي العلّاقي» يوجد سوق المطار وسوق الأنصاري.
في بعض الأحيان، يَذهب المُعدِّنون إلى الخلاء حاملين شواكيشهم بحثاً عن آبار جديدة، فإذا وجدوها ذهبوا إلى المحلية لاستخراج إيصال. ويعتقد حبّ الدين أن هذه القسمة تُعَدُّ عادلةً في نظر العمال، ولذلك ليست لهم قضايا أو مشكلات، مؤكّداً أن هناك تداخلاً بين المحلية والإدارة الاهلية. ويقول إن رسوم الإيصال التي يتحصّلون عليها ليست ضمن أورنيك 15 الذي يجري وفقه تحصيل عوائد الدولة من قِبل وزارة المالية الاتحادية، كما في هو جارٍ في جميع الأنشطة الاقتصادية الأخرى؛ فالدولة ليست لها جباية على الإنتاج في هذه المرحلة. وحسب القانون المؤسّس والصادر عن مجلس الوزراء، فإنّ الشركة السودانية للموارد المعدنية مسؤولة عن أسواق الذهب المعروفة باسم «أسواق الطواحين» وتتحصّل رسومها فقط من الحجر الداخل إلى تلك الأسواق.
عمّال بلا نقابة
كان كثيرٌ من العمال يحترفون الزراعة في الأصل ويأتون من مناطق يعتمد عليها السودان في تحقيق الأمن الغذائي مثل القضارف والجزيرة وكردفان ودارفور. وتعمل في البئر مجموعة ما بين 9 و10 أفراد يستخدمون الأجَنَة والشاكوش في تكسير الصخور، وتعمل الوردية لمدة 10 أيام.
متحدّثاً لـ«أتَـر»، يؤكد محجوب كناري وهو خبير عمّالي وقائد نقابي سابق، له تجربة وسط عمال التعدين في منطقة هيَا بولاية البحر الأحمر، حقيقة أن التعاقد بين أصحاب الآبار والعمال شفاهي، مع غياب كامل لوزارة العمل، لذا فإن العمال مكرهون ويُواجهون مشكلات كبيرة في التعامل مع أصحاب العمل. يضيف كناري: «لقد اجتمعنا معهم في هيا واستمعنا لمشكلاتهم، وهم يعانون من قسوة الطبيعية والبيئة الصعبة وغياب أي حماية، ولا يستطيعون تنظيم أنفسهم في أجسام مطلبية لأنهم مُشتَّتون، مع أن لهم مطالب مثل تحسين بيئة العمل والأمن الصناعي، وتدخل الدولة وفرض قوانين الأمن الصناعي على أصحاب العمل والتدخل في الأجور وتوفير العلاج والخدمات».
واقترح محجوب أن تقوم مبادرة لتنظيمهم من مناديب منهم ومتطوّعين في جمع المعلومات والبحث في القوانين المنظِّمة للعمل، وجمع بيانات بهدف إنشاء نقابة خاصة بهم لا سيّما وأنّ أعدادهم لا تزال تتزايد، ويُعانون جميعاً من عدم توفر وسائل السلامة وانعدام فرق الإنقاذ، وشحّ مضخّات الهواء النقي داخل الآبار.
والحال كذلك، فقد رصدت الصحافة في الفترة من 2019-2025 انهيار عددٍ من المناجم في أنحاء السودان المختلفة، أودت بحياة العشرات من المعدنين، الذين تعذّر إخراج جثثهم فطُمِروا تحت الركام.
في فبراير 2019، انهارت بئر في ولاية القضارف شرقي السودان، ما أدى إلى مصرع 13 عاملاً. وحذّرت الشركة السودانية للموارد المعدنية من تزايد حالات الوفاة وسط عمال التعدين بسبب انهيارات الآبار، كما لقي 8 من المعدّنين الأهليين مصرعهم جراء انهيار بئر في منجم أغبش – خطّ بوط بولاية جنوب دارفور.
وفي يناير 2021، انهار منجم تجاري بقرية أم قجّة بمحلية الليري بولاية جنوب كردفان، ما أدّى إلى فقدان شخصين من أبناء قبيلة لفوفا. وبعد عملية بحث استمرّت ستة أيام، عُثِر على جثتين، وتبين أنهما للشخصين المفقودين. ونفت الشركة السودانية للموارد المعدنية حينها، وجود أكثر من 20 جثة تحت الركام.
وفي نوفمبر 2022، انهار منجم «صبيحة» في منطقة جبال النمر بولاية البحر الأحمر، ما أدّى إلى مصرع 11 شخصاً من عمال التعدين الأهلي. ونُقلت جثامين المتوفين إلى مدينة العبيدية بولاية نهر النيل.



