أتر

نـوتـة من عِـلْـم الكُونِكا (16)

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.

كانت دُبي، في العام الذي زار فيه المرحوم كارل ماركس الجزائرَ يتحرّى الطقس الدافئ فلم يجده، حِلّةً لصيّادي السمك واللؤلؤ؛ حِليلة على الخليج الفارسي، تعود إلى منشأ قريبٍ في آخر القرن الثامن عشر وأوّل التاسع عشر. وتُفتي «الموسوعة البريطانية» بأنّ دبي قد برزت في الخريطة أوّل أمرها عام 1799. وبحسب الموسوعة، وقّع شيخُ الإمارة، ولما يبلغ الرشد بعد، اتفاقيةَ سلامٍ مع البريطانيين عام 1820، وكانت حتى حوالي العام 1833 بغير وثاق يخصّها، حِلّة تعتمد في بقائها على أبي ظبي. في العام 1833 غزَت جماعةٌ من قوم البوفلاسة، ومنهم آل مكتوم؛ حُكَّام دبي حتى يوم الناس هذا، حِلّةَ دبي فسيطروا عليها، ذلك على إثر صراع بينهم وآل نهيان في أبي ظبي. وكانت دبي وقتها حلّة لحوالي 800 نفس من قوم بني ياس تحميها عدة حصون صغيرة.

صارت دبي، بشوكة البوفلاسة، دويلةً عزيزةً بمقاييس ذلك الزمان. لكنْ ظلّ الصراع قائماً بين البوفلاسة في دبي ومشايخ أبي ظبي من جهة، ومن أخرى بينهم والمشايخ من القواسم الذين سادوا في رأس الخيمة والشارقة وبندر لجّة منذ انحلال دولة اليعاربة التي امتدّ سلطانها (1624-1741) على عمان وجزر الخليج بما في ذلك الإمارات العربية المعاصرة وقطر وأجزاء من فارس وكذلك جزء من ساحل شرق أفريقيا. وكان لدولة اليعاربة فضل طرد الغزاة البرتغاليّين من عمان ورأس الخيمة قبل بروز السطوة الإنجليزية. واستطاع مشايخ دبي بمهارة شديدة الحفاظ على استقلالهم الخاص في مقابل المشيخات والعشائر المحيطة بهم.

أطلق الإنجليز على الشّطر العربي من الساحل اسم «ساحل القراصنة» لفشوّ القرصنة فيه، وهدَّد هذا النهب المسلَّح سبل التجارة الرئيسة التي كان البريطانيّون سادتها، بخاصّة ما يلي الهند والعراق. لم يَقبل مؤرّخٌ وعالِمٌ محليّ من الأسرة الحاكمة في الشارقة، تعلَّم صنعة التاريخ، هذا النعتَ الاستعماري لموطنه، وترصَّد هذا الزعم بالتساؤل عن بواعثه. قدَّر الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وهو مع أكاديميّته حاكمُ الشارقة منذ العام 1972، في رسالته للدكتوراة التي صدَرت كتاباً حسناً أنَّ التاريخ الاستعماري للخليج شابَهُ تشويهٌ شديد. ووجَّه نقده بالأخصّ إلى الكِتَاب العُمدة في تاريخ الخليج العربي «دليل الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية» لمؤلِّفه جون غوردون لوريمر (1915)، والذي صدَر أوّل الأمر دليلاً سريّاً في خمسة آلاف صفحة، من مطابع الحكومة البريطانية في الهند، للدبلوماسيين والمخبرين والعسكريين وغيرهم من رجال الدولة البريطانية، حتى قُرِّر فكّ حظره في العام 1955. ولوريمر هذا موظّف في الخدمة المدنية البريطانية في الهند، كاتب دولة، أمرَه رئيسُه اللورد كورزون، الحاكم العام للهند بين 1899 و1905، وذلك بعد زيارته الخليج العربي في 1903، بتنفيذ هذه المهمة، وأمهله أوّل الأمر ستة أشهر، لكنّ لوريمر ظلّ يمدّد هذا الأجَل حتى أكمل عشرة أعوام من العمل بمعيّة فريق من الباحثين جمعوا مادّتهم من الأرشيف الحكومي في كالكتا وبومباي ومن زيارات متكرّرة إلى الخليج العربي.

المهمّ أنّ الدكتور القاسمي لم يهضم هذا الباعثَ الاستعماريّ لكتابة التاريخ، وصَدْرُ كتابِه «أسطورة القرصنة العربية في الخليج» (كروم هلم للنشر، 1986) أنَّ شُغل لوريمر قد داخَلَه التبريرُ البريطاني للاستعمار، وأنّ مثل لوريمر، موظَّف الحكومة، لا يُتوقَّع منه «الحياد» تجاه شغل حكومته. أضاف القاسمي أنّ «الدليل»، كما اشتُهر كتاب لوريمر، قد طغى على غيره من المصادر لأنّه جاء مسطَّراً بلغة المستعمِر بوزن ثقيل، وكان متاحاً لصاحبه وفريقه الاستفادة من المصادر الحكومية البريطانية كما يشاء، لكنه في تقدير الدكتور القاسمي لم يستفد من هذه الميزة كما يستفيد منها الأكاديمي المؤرّخ، إنما عرَضَ «أكاذيب» و«إشاعات» باعتبارها «حقائق دامغة». كذلك عاب الدكتور القاسمي على خلَف لوريمر من المؤرّخين البريطانيين، وأبرزهم الدكتور ج. ب. كيلي، مؤلِّف «بريطانيا والخليج الفارسي 1795-1880» (دار نشر جامعة أوكسفورد، 1968)، اعتمادَهم الكبير على لوريمر، بما في ذلك ردّهم القرصنة في الخليج الفارسي إلى نفر الدكتور القاسمي؛ أهله «القواسم»، وهم عند لوريمر قراصنة الخليج بامتياز.

ولم يأتِ الدكتور كلي بتفسير حسن لهذه القرصنة، وقال ربما كان الخليج استثناء عن قوانين التجارة الطبيعية، فالقرصنة تضرّ في عمومها بالتجارة، لكن لم يظهر هذا الأثر الضارّ في الخليج الفارسي ما قبل العام 1820، كما لم تزدهر التجارة بعد إحباط القرصنة في العام 1820. وربما كانت العلّة أن ثمّة علاقة بين التجّار والقراصنة، أو أنّ هؤلاء هم أولئك، فالعلاقات التجارية والسياسية كانت قائمة بين القواسم وآل خليفة ما قبل 1820 واستمرّت بعده. وتقدير الدكتور كلي أنّ القرصنة لم تكن هي ما ثبَّط نموّ التجارة في الخليج الفارسي ما قبل العام 1820 وإنما تكاثُف الحروب البحرية (كلي، «بريطانيا والخليج الفارسي»، ص 251).

خريطة لشرق الجزيرة العربية والخليج العربي «الفارسي» حيث تقوم الآن دولة الإمارات العربية المتحدة.

J. B. Kelly. Britain and the Persian Gulf (1795 - 1880). Oxford: 1968. P 867.

فما الذي حدث عام 1820؟ قدَّر البريطانيّون أن «القرصنة» في الخليج الفارسي صارت خطراً يهدِّد التجارة العالمية، فشنَّت كلٌّ من البحرية البريطانية وبحرية شركة الهند الشرقية البريطانية، وكان لها جيشها الخاصّ، حملةً عسكريةً واسعةً على محطات ومدن «القواسم» في الخليج العربي، لإجبارهم على إيقاف هجماتهم على السفن البريطانية في الخليج، بخاصّة على جانبَي مضيق هرمز. وكان للقواسم أسطول بحريّ وتجاريّ يضمّ أكثر من سبعين سفينة موزَّع على عدد من الموانئ منها رأس الخيمة والشارقة. قصفت السفن البريطانية الشارقة ورأس الخيمة وغيرهما من محطّات القواسم على الخليج. وكانت شركة الهند الشرقية البريطانية، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، قد حقّقت نفوذاً تجارياً متعاظماً في المنطقة هدَّدته في آخره كوارث متتالية، منها الطاعون في العراق عام 1773، والسيطرة الفارسية على البصرة في 1776-1779، والحرب الأهلية في فارس عام 1779، وحرب القواسم وإمام مسقط السيد سلطان بن أحمد بن سعيد في 1779، وتوسُّع القرصنة ونهب السفن في الخليج تبعاً لتوسُّع الحروب. وتغيَّر بحسب الدكتور كلي دَور شركة الهند الشرقية، من شريك تجاري في الخليج، إلى قوة عسكرية تحمي تجارة بريطانيا من الهند وتُزاحم التجار المحليّين من فرس وعرب وهنود وأتراك على الفوائد. بصياغة الدكتور القاسمي: «لم تكن لدى الشركة [شركة الهند الشرقية] أيّ نية لحماية تجارةٍ غير تجارتها، وكان قصدُها الظاهر، في مواجهةِ منافسةٍ متعاظمة، استغلالُ قضية «الحماية» كمبرّر لاستغلال قوّتها البحرية، بحرية بومباي، لقمع المنافسين، فبدلاً عن تجارة سلميّة صارت تجارة سفن حربية» (القاسمي، ص 28).

وتجد القارئةُ عند لوريمر رصداً استشراقيّاً لحوادث «القرصنة» هذه، منها استيلاء «القواسم» على سفينةٍ لشركة الهند الشرقية في ديسمبر عام 1778، وزَعْم الشركة أنهم استرقّوا الركاب والطاقم وباعوهم في سوق النخاسة؛ ثمّ هجوم القواسم على سفينة تجارية تابعة لشركة الهند الشرقية في يناير 1779 خلال عبورها من البصرة إلى مسقط، وهجومهم في الشهر الذي يليه على سفينة أخرى كانت في طريقها أعلى الخليج، واستيلاؤهم بمراكبهم الصغيرة على سفينتين عظيمتين للشركة: الأولى محمّلة بالبضاعة، والثانية محمّلة بالبارود والذخائر في مايو وأكتوبر 1797 على التوالي. اجتهد الدكتور القاسمي في عرض سياقات هذه الحوادث وتاريخها الملتبس من غير وجهة نظر الموظّف الحكومي المسؤول عن حفظ الأمن، فحرَّرها من التبعة الكلية للقرصنة ووطَّنها في خريطةٍ صراعيةٍ شملت المساعي السعودية لإخضاع عمّان، ثمّ تحالُف السلطان العمّاني مع القواسم لصدّ الاختراق السعوديّ الذي توسَّع ليشمل كلَّ الخليج عدا رأس الخيمة؛ عاصمة القواسم، ثمّ ميثاق السّلم السعودي العماني الذي دام سنوات ثلاثاً فقط وانتهى إلى حرب توسّعية سعودية للتخلّص من الإمام سلطان بن أحمد وفَرْض ابن أخيه بدر بن سيف في محلّه. لكنْ تعطَّلت الحملة باغتيال الملك عبد العزيز بن محمد آل سعود في نوفمبر 1803. تلى ذلك اغتيالُ إمام مسقط السيد سلطان في نوفمبر 1804؛ الاغتيال الذي اتَّهم به لوريمر القواسم كذلك، وباغتياله صعد حليف السعودية السيد بدر إلى الحكم، وكان الاغتيال علامةَ حلفٍ بدأ يتشكَّل بين القواسم والسعوديّين على حساب مسقط حليفة بريطانيا الأولى.

كان مفتاح التحوّل نحو السعودية هو انتقال السلطة بين القواسم إلى سلطان بن صقر في العام 1803 وذلك بموت والده صقر بن راشد القاسمي، الأمر الذي أثار حفيظة البريطانيين، وذلك لأنه أدى إلى عزلة حليفهم العماني. وكأن رأي لوريمر أنّ الخليج انفرط وقتها بسبب محاولة القواسم كسر هيمنة مسقط البحرية، فغزَوا بالفزَع القبَلي جزر قشم وهرمز في فبراير 1805 وسيطروا على بندر عباس وحاصروا ميناب، فصاروا بذلك أسياد مضيق هرمز وباستطاعتهم ضرب أي سفينة تعبر الخليج. بهذه الهيمنة، تمكَّن القواسم في العام 1805 من الاستيلاء على سفينتين تجاريّتين مملوكتين لممثّل بريطانيا المقيم في البصرة، السيد مانستي، ثم حاولوا بغَشَامة الاستيلاء على سفينة كبرى لشركة الهند الشرقية (القاسمي، ص ٤٢-٤٣). فنَّد الدكتور القاسمي جوانب عدة من الرواية البريطانية، رواية لوريمر بالدرجة الأولى، فهي عنده رواية تبريريّة لفرض السيطرة البريطانية، بوسيلة شركة الهند الشرقية، على تجارة الخليج وموانئه، الأمر الذي لم يتحقّق آخر الأمر سوى بقوّةٍ غاشمةٍ كانت الحرب القصيرة على رأس الخيمة ومراكز القواسم الأخرى عام 1809 هي ميدانها. فما الذي حدث عام 1820 إذاً؟ في حساب المرحوم ماركس، سنّة من سُنن الأجيال السابقة التي تُلقِي بثقلها ككابوس جاثم على قلوب الأجيال اللاحقة.

يُتبع...

Scroll to Top