أتر

مخلّفات الحرب: معركة أخرى طويلة

بعد مرور حوالي أربعة أشهر على إيقاف العمليات العسكرية المُباشرة بولاية الخرطوم، وزيادة وتيرة عودة النازحين واللاجئين إلى بيوتهم بالعاصمة، التي استحالت مناطق واسعة منها أطلالاً خربة تحتاج إلى سنوات لتعميرها، فاجأ مدير المركز القومي لمكافحة الألغام بالسودان، اللواء خالد حمدان، في 28 يوليو الماضي، السكّانَ الذين عادوا بالفعل إلى منازلهم، بتصريح صادمٍ يكشف فيه عن عثور فرق المركز القومي على ثلاثة حقول ألغام في غابة السنط المُجاوِرة لمنطقة المقرن السكنية بالخرطوم، تحوي أنواعاً نادرة من الألغام المُضادّة للأفراد والمُحرَّمة دولياً، وتوقَّع العثور على حقول في مناطق أخرى في الفترة المقبلة.

بحسب آخر تقرير لمنظّمة الهجرة الدولية، وحتى 26 يونيو 2025، عاد 1.3 مليون شخص إلى مناطقهم، منهم 952 ألفاً عادوا إلى ولاية الجزيرة، وأكثر من 178 ألفاً عادوا إلى سنار، وأكثر من 105 آلاف عادوا إلى الخرطوم، وعاد أكثر من ثلثهم إلى محلية بحري، بينما توزّع البقية في ولايات أخرى هي النيل الأبيض، ونهر النيل، وغرب دارفور.

كان السكّان يعتقدون أنهم وضعوا عصا المعاناة بعد أكثر من عامين قضوهما على دروب النزوح واللجوء، إلا أنّ الإعلان عن اكتشاف حقول ألغام في عمق المناطق السكنية أعادهم إلى التفكير بجدية في مدى الخطر الذي يُحْدق بهم من تحت الأرض ومن بين الأنقاض والأعشاب والأشجار التي نمت خلال فترة الحرب.

وبحسب اللواء خالد حمدان، فإنّ حقول الألغام التي عَثرت عليها فرقُ المركز القومي في غابة السنط وحول منطقة المقرن هي ثلاثة، زُرعت فيها ألغام مضادّة للأفراد. وقال حمدان لـ«أتَـر»: «كنا نعتقد أنها منطقة خالية من الألغام حتى عثرنا على الحقول أثناء العمل الميداني لفرق الإزالة التي كانت تُجري تقييماً لمعرفة مدى تلوّث المناطق التي شهدت معارك عسكرية بالمُخلّفات الحربية والألغام».

إنها ألغام من النوع المضادّ للأفراد، وهي في غاية الخطورة، ويمكن أن تنفجر في حمولة أقل من كيلوغرام واحد، وتحتاج إزالتها إلى فرق عمل مُدرّبة تدريباً مُعيّناً ومتخصّصة في التعامل مع هذه النوعية من الألغام الخطرة، لأنّ الألغام التي عثرنا عليها بلاستيكية وتحوي كمية قليلة جداً من المعدن ما يجعل اكتشافها أمراً صعباً ويتطلّب نوعاً مُحدّداً من الكاشفات المتطوّرة.

ويفصّل اللواء حمدان قائلاً: «إنها ألغام من النوع المضادّ للأفراد، وهي في غاية الخطورة، ويمكن أن تنفجر في حمولة أقل من كيلوغرام واحد، وتحتاج إزالتها إلى فرق عمل مُدرّبة تدريباً مُعيّناً ومتخصّصة في التعامل مع هذه النوعية من الألغام الخطرة، لأنّ الألغام التي عثرنا عليها بلاستيكية وتحوي كمية قليلة جداً من المعدن ما يجعل اكتشافها أمراً صعباً ويتطلّب نوعاً مُحدّداً من الكاشفات المتطوّرة».

ومع اكتشاف حقول الألغام الثلاثة هذه، تزيد احتمالية وجود ألغام ومتفجّرات ومخلّفات حربية في مناطق أخرى من ولاية الخرطوم، التي شهدت قتالاً ضارياً بين الجيش والدعم السريع امتدّ لحوالي سنتين، وهي الاحتمالية التي بدّدت آخر أمل في أمن السكّان وسلامتهم وهم يتوقون إلى العودة النهائية رغم انعدام الخدمات وانهيار البنية التحتية وسرقة ممتلكاتهم.

بدأ المركز القومي لمكافحة الألغام أنشطته في أبريل 2024، من محليتي كرري وأم درمان، وله حالياً 14 فريقاً تعمل في عدّة ولايات منها الخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض وشمال كردفان وجنوبها. ووفقاً لمديره اللواء خالد حمدان في حوار لوكالة الأنباء السودانية «سونا»، تمكّن المركز في الفترة السابقة من تدمير أكثر من 12 ألف دانة و37 ألفاً من الذخائر الصغيرة. وفي ولاية الجزيرة دمّر المركز ما يقارب 8 آلاف قطعة، وما يقارب 3 آلاف قطعة في ولاية سنار. وفي 2024 بلغ عدد الضحايا عن انفجار الألغام والمخلفات الحربية 59 ضحية، منهم 45 إصابة و14 قتيلاً، وبلغ في العام 2025 حتى يونيو 49 ضحية منهم 37 إصابة و12 قتيلاً.

ويوجّه المركز إرشاداته للعائدين إلى مناطقهم ومنازلهم بعدم الاقتراب من الأجسام الغريبة أو لمسها، والمبادرة بإخطار الآخرين ليتفادوها، ومن ثمّ التبليغ لدى السلطات الأمنية الموجودة بالحي، أو التواصل مع المركز القومي لمكافحة الألغام عن طريق الرقم المجاني 60666 من جميع الشبكات.

وعن المناطق التي يَتوقّع أن تكون موبوءةً بالألغام في ولاية الخرطوم وتمثل خطراً على السلامة العامة وحياة المواطنين، يقول اللواء خالد حمدان إنها كثيرة، ويستطرد قائلاً: «أما المناطق التي اكتُشفت فيها ألغام بالفعل فهي الجيلي شمال الخرطوم، ووسط الخرطوم، ومنطقة البنك العقاري بأم درمان».

وعن مدى انتشار حقول الألغام بوسط الخرطوم يُفصِّل قائلاً: «بعد اكتشاف الحقول الثلاثة بغابة السنط، نتوقّع وجود حقول أخرى في منطقة وسط الخرطوم، فضلاً عن منطقة الجيلي التي استمرّ العمل فيها طويلاً، إلا أننا اكتشفنا لاحقنا أنها تحتاج إلى مزيدٍ من المسح حتى يجري التحقّق من خلوّها من الألغام كلياً».

وفي 2 أغسطس الجاري، فجّر المركز القومي لمكافحة الألغام قدراً كبيراً من المخلّفات الحربية بأم درمان وغربها، من ضمنها 50 ألف دانة، وألغام مضادّة للأفراد، عُثر عليها في المنطقة الواقعة بين كوبري النيل الأبيض المؤدّي إلى حي الموردة وكوبري الفتيحاب حتى مسجد الشهيد بالمقرن.

لقد عثر السكّان الذين عادوا إلى منازلهم على كثير من المخلّفات الحربية مثل الذخائر والدانات غير المنفجرة في المنازل وفوق الأسطح وحتى داخل الغرف

ويتخوّف السكان بولاية الخرطوم من انتشار المخلّفات الحربية في مناطق متعدّدة بالأحياء السكنية. يقول محمد صالح، وهو مواطن من حي جبرة جنوب الخرطوم، لـ«أتَـر»: «لقد عثر السكّان الذين عادوا إلى منازلهم على كثير من المخلّفات الحربية مثل الذخائر والدانات غير المنفجرة في المنازل وفوق الأسطح وحتى داخل الغرف».

ويضيف صالح قائلاً: «الأمر أخطر في تلك الأحياء التي شهدت معارك عنيفة حول سلاح المدرّعات والذخيرة بحي الشجرة، لأن بها كثيراً من المخلفات الحربية التي لم تُجمَع بعد، بعضها ذخائر ودانات غير منفجرة مبعثرة بين أكوام النفايات والأعشاب والأشجار التي نمت خلال العامين الماضيين، ويمكن أن تُحدث خسائر بشرية كبيرة، مثل أن ينشب حريق أثناء محاولة السكّان الذين عادوا تنظيف منازلهم والساحات العامة، أو أن يطأ على أحد هذه المخلّفات شخصٌ لا يعرف خطورتها».

ولم يتمكّن المركز القومي لمكافحة الألغام، حتى بعد مرور أكثر من شهرين على توقّف العمليات الحربية، من إرسال فرق مسح إلى جميع أحياء العاصمة التي دارت فيها معارك عسكرية. وعزا مدير المركز خالد حمدان الأمر إلى ضعف التمويل لإجراء المسح الأوّلي وإزالة الألغام والمخلّفات الحربية، وقال لـ«أتر»: «لدينا شراكة عمل مع 14 منظّمة وطنية ومنظّمتين أجنبيتين في مجال الألغام، لكن بسبب ضعف التمويل في الوقت الراهن تعمل أربع منظّمات فقط من مجمل 16 منظمة، وقد توقّفت جميع الدول عن تمويل إزالة الألغام في السودان ما عدا كندا. ولكي يستمرّ العمل في إزالة الألغام على نطاق واسع، لا بدّ من الحصول على دعم وتمويل دولي كافٍ».

وما زال المركز القومي لمكافحة الألغام غير قادر بعدُ على إجراء مسح شامل للأحياء والمناطق السكنية داخل أحياء العاصمة لتحديد الأماكن الخطرة، ولا يَعرف متى سوف تكتمل عملية إزالة المخلّفات والألغام وإعلان الخرطوم منطقة آمنة. وعن ذلك يقول اللواء خالد حمدان لـ«أتر»: «رغم عملنا لأكثر من عام، إلا أننا ما زلنا نُفاجأ للأسف بوجود حقول ألغام في مناطق كنا نعتقد أنها خالية، وهذا يُحتّم علينا إجراء مسح جديد ودقيق لجميع المناطق التي عملنا فيها سابقاً، ونتوقّع أن نعثر على حقول ألغام في مناطق أخرى لم تكن في حسباننا».

لتنظيف الخرطوم في عام ونصف، يحتاج الأمر إلى 20 فريقاً مؤهلاً ومدرباً على نحو جيد

ويستطرد خالد قائلاً: «سابقاً كنا نُجرى تقييماً أولياً عبر فرق عمل متخصّصة، وهي التي تحدّد لنا نوع الخطر الموجود في المنطقة، والمدى الزمنيّ لإزالة المخلفات، وتبعاً لذلك نستطيع وضع الميزانية اللازمة للتنفيذ. أما في حالة الخرطوم، ولأنّ تلوّثها بالمخلفات الحربية كان كثيفاً وفائقاً وملحوظاً بالعين المجردة، فقد بدأنا العمل مباشرة. وفي ظل اكتشاف مناطق جديدة بها ألغام ومخلّفات بين الحين والآخر، يبقى من الصعوبة بمكان تحديد وقت لنظافة الخرطوم وإعلانها خالية من الألغام».

بينما يقول معتز عبد القيوم سليمان، مدير الدعم الفني بمبادرة التنمية، المتعاقدة مع دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، مكتب السودان (TDI-UNMAS Sudan)، إنّ خطورة الألغام بمدينة الخرطوم يمكن أن تمتدّ لسنوات قادمة، مشيراً في حديثه لـ«أتَـر»، إلى ضعف إمكانات المركز القومي لمكافحة الألغام في إزالة الخطر من الخرطوم. وعزا ذلك إلى أن تكلفة العمل في إزالة الألغام كبيرة للغاية، والفرق التي تعمل حالياً قليلة العدد وغير مدرّبة جيداً. يقول: «لتنظيف الخرطوم في عام ونصف، يحتاج الأمر إلى 20 فريقاً مؤهلاً ومدرباً على نحو جيد».

ويرى عبد القيوم أنه لا توجد خطّة واضحة لإزالة الألغام والمخلّفات الحربية من الخرطوم، وأنّ الخطّة السليمة تبدأ بإجراء مسح أوّليّ شامل لجميع مناطق العاصمة، وقد يستمرّ لستة أشهر، ومن بعدها تبدأ الإزالة بفرق مكتملة عدةً وعتاداً. ويشير عبد القيوم إلى أنّ عملية إزالة الألغام بالسودان تواجهها صعوبة توفير التمويل اللازم من المانحين الدوليين والمنظمات الإقليمية والدولية، ويفسّر هذا بالقول: «لا يأتي التمويل الخارجي إلا عبر علاقات سياسية واضحة ومتينة، إذ إنّ المموِّلين يحتاجون إلى شفافية في صرف الأموال وهي غير متوفرة في بيئة العمل حالياً بالسودان».

ويقول عبد القيوم: «فضلاً عن الألغام التي زرعتها الدعم السريع حول ارتكازاتها وأثناء تحرّكاتها داخل الخرطوم، فإن الجيش نفسه قد زرع ألغاماً في مناطق كثيرة بأم درمان بالقرب من كوبري الفتيحاب من الناحية الغربية، وأغلب هذه وتلك ما زالت غير مكتشفة حتى اليوم».

Scroll to Top