لم يَدرِ المكّاوي العجب (60 عاماً)، وهو يزرع الذرة بمشروع الجزيرة في الموسم الزراعي الصيفي 2024، أنه سوف يحصد محصوله لتسلبه منه أيادٍ باغية وتتركه تحت رحمة السوق، لتُحوِّله بقوة السلاح من مُنتج إلى مُشترٍ للذرة، ليسدّ رمق أبنائه الصغار. فبينما كان منشغلاً بحصاد محصوله في نوفمبر عام 2024، بريفي المِحيريبا التابعة لمحلية الحصاحيصا، هجمت على بلدته مجموعة مسلّحة، تنتمي لقوات الدعم السريع، وتمتطي درّاجات نارية، سرعان ما تسلَّلَتْ نحو «الخلاء» وهو اللفظ الدارج المُقابل لـ«الغيط» بلغة إدارة مشروع الجزيرة. لقد أجبرت المجموعة المسلّحة «العجب» على أن يُحمّل محصوله بنفسه في شاحنة مُتوسّطة، هي نفسها منهوبة من مُواطنٍ آخر، ويتلقّى الضربات بالسوط أو بأعقاب البنادق إنْ تأخر في تحميل جوالاته على ظهر الشاحنة. حمّل المكاوي 43 جوالاً من الذرة، هي إنتاج المحصول الذي زرعه في مساحة أربعة أفدنة.
في قديم الزمان، كان الناس في الجزيرة يسخرون من الرجل يعيش وسطهم وهو يشتري الذُّرة أو «العيش» كما تُسمّى في السودان. ولعلّ مركزية الذّرة، بوصفها غالب قوت أهل البلد، حوّلتها من اسمها المعروف إلى «العيش» لارتباطها المباشر بالمعيشة والمعاش، إذ لا تخلو وجبة من وجبات الطعام بالسودان من مادة الذرة مكوّناً رئيساً أو فرعياً. وكان من النادر أن تجد مواطناً من الجزيرة، يشتري العيش أو اللبن من السوق، فكلاهما متوافر بالضرورة في أي منزل.
نزح المكّاوي مع أسرته نحو ولاية النيل الأبيض، لا لسببٍ سوى أنه لم يجد في بيته ما يسدّ رمقه بعد أن نُهب محصوله. وبعد عودته عقب استعادة الولاية إلى قبضة الجيش، وجد مخزنه خاوياً للمرة الأولى منذ سنين، ولا توجد به أيٌّ من أنواع الحبوب التي كانت بمثابة «نوم العين» كما تُسمّى محلّياً بالجزيرة، إذ إنّ من يمتلئ مخزنه ينام ملء جفنيه، ولا يهمّه شيء آخر. لقد دخل «العجب» في دوامة «كسر العيش» وهي عبارة يتداولها سكان الجزيرة كنايةً عن صعوبة العيش.
هذا هو أوّل عام أذهب فيه إلى السوق لشراء ذرة منذ العام 1984، وهو عام شهد جفافاً حادّاً في السودان، بسبب شحّ الأمطار.
وينظر «العجب» إلى التطوّر الجديد في حياته، إذ إنها المرة الأولى التي يخرج فيها صفر اليدين من حوّاشته، ويقول لـ«أتَـر»: «هذا هو أوّل عام أذهب فيه إلى السوق لشراء ذرة منذ العام 1984، وهو عام شهد جفافاً حادّاً في السودان، بسبب شحّ الأمطار». وذلك عامٌ يؤرِّخ الناس فيه لسعر كيلة العيش الذي ساوَى سعر مُرَاح من الغنم أو الضأن.
وشهدت ولاية الجزيرة، عقب اجتياح قوات الدعم السريع لها في ديسمبر 2023 عمليات نهب وسلب واسعة للمحاصيل الزراعية التي أُخذت عنوة وقت حصادها في الحوّاشات أو من داخل المنازل. وفي قرية الفوار، بريفي المحيريبا التابع لمحلية الحصاحيصا، نهب جنود الدعم السريع ما يفوق خمسة آلاف جوال من الحبوب وألفي جوال من الذرة – بحسب إحصائية لجنة المقاومة الشعبية بالمحلية – حمّلوها وفق شهود عيان وتوجّهوا بها نحو سوق «المثلث» بجبل أولياء. وأبلغ شهود العيان ذاتهم أنّ ما لم يتمكّن المهاجمون من تحميله أحرقوه في المخازن داخل القرية، ولا تزال آثار الحريق موجودة!
ومع عمليات النهب الواسعة للمحاصيل الزراعية بالجزيرة، من قِبل قوات الدعم السريع لجأ المواطنون إلى تناوُل أنواعٍ من الذرة، كانت تُستخدَم علفاً للحيوانات في السابق وأشهرها «الفيتَريتا»، لانخفاض سعرها مقابل الأنواع الأخرى ولعدم الإقبال عليها. ويعود انخفاض الطلب عليها إلى التناقص الكبير في أعداد الماشية، وذلك بالنهب الذي طال أعداداً كبيرة منها، ما خلق وفرة في «الفيتريتا».
يمضي «العجب» وهو يحمل صرّة من الذرة داخل جوال، متّجهاً بها نحو الطاحونة، ساخراً من حالته مع شراء الذرة من السوق. وتعادل «الكيلة» رُبعين من الحبوب، أي 12,5 كيلوغراماً. يقول إنها أصبحت مثل «خِدمة الأسبوع»، في إشارة منه إلى «العروض الأسبوعية» التي تقدّمها شركات الاتصالات في السودان للمكالمات والإنترنت، ويضيف: «الكيلة أصبحت «ممحوقة» وهي مثل خدمة الأسبوع، تنتهي وحداتها، قبل انتهاء صلاحيتها».
لقد أصبحت كيلة الذرة من متلازمات الأسبوع، ويجتهد العجب ورفاقه في توفير مبلغ شرائها، لتُضحي عبئاً جديداً يضاف إلى أعبائهم المعيشية التي تُرهق كاهلهم، وهم الذين كانوا إلى وقت قريب، يكتالون الذرة من مخازنهم، التي تمتلئ بـ«العيش» حتى يأتي الإنتاج الجديد، فيبقى القديم علفاً للحيوان. وللمكّاوي ورفاقه اعتقاد يصل حدّ اليقين بأنّ الكيلة التي تُشترى من السوق، ليست مثل التي يكتالونها من مخازنهم. يقول لـ«أتَـر»: «في السابق كنّا نطحن الكيلة فتفي بحاجتنا لوقت طويل حتى نكاد ننساها، ولا نحمل غيرها إلى الطاحونة قبل أن يجري تنبيهنا لضرورة ذلك. أما الآن فإننا نحصل على الكيلة بعد الاجتهاد في تدبير ثمنها، ثم ندخل في دوّامة الحصول على الكيلة الجديدة قبل أن تنتهي سابقتها، وترانا نحمل همَّ تدبير ثمن كيلة الأسبوع القادم بينما نحن نأكل من كيلة هذا الأسبوع».
في الوقت الحالي، يشتري الناس في الجزيرة كيلة العيش بمبلغ 30 ألف جنيه، بعد أن كانت في السابق وقبل عامين، حين كان الإنتاج وفيراً، بمبلغ خمسة آلاف جنيه، الذي أصبح الآن سعر طحنها في الطاحونة، وارتفع سعر جوال الذرة إلى 170 ألف جنيه، بعد أن كان 35 ألف جنيه في عام 2023.
لاحقاً تسلّم «العجب» من إدارة مشروع الجزيرة 12,5 كيلو من البذور لزراعتها في هذا الموسم، وبدلاً من زراعتها، طحَنَها وأكلها، غير آبه بتحذيرات مختصّين، قالوا إنّ تلك البذور مُعالجة ببخار كيميائي. والبذور على غير العادة هذا الموسم، إذ إنها كانت تُعالَج في السابق بمواد كيميائية مُلوَّنة، تحفظها من الحشرات والآفات داخل التربة، لكنها هذه المرة أتت دون ذلك اللون. وتقول إدارة مشروع الجزيرة، إنها عالجتها بالبُخار غير المُلوَّن. ويُغالط «العجب» في إصرار، ربما حمَلته عليه شدّة جوعه، ويقول إنّ هذه البذور غير مُعالجة كيميائياً؛ لذلك حمَلها نحو الطاحونة، وهو يُفكِّر في تدبير ما يقيم أوده وأطفاله في مُقبل الأيام. ولم ينسَ في غمرة ذلك كيلة الأسبوع القادم.



