عرضٌ لكتاب: «من رفاعة إلى فلورنسا: حوار مع النحّات عبد الرازق عبد الغفار» لـفتحي عثمان، معهد أفريقيا. الشارقة. 2022
في التاسع والعشرين من مارس عام 2013، رحل عن دنيانا الفنّان التشكيلي والنحّات عبد الرازق عبد الغفار عن عمر ناهز الخامسة والتسعين. لقد أفنى النحّاتُ عُمرَه في خدمة الفنّ والتعليم؛ تعليم الفنون تحديداً أو ما يعرف بـ«بيداغوجيا الفنون»، وأدّي دَوراً تاريخياً في مجال التربية الفنية، أو ما سَمّاه «فلسفة التربية الجمالية» في كتابه الوحيد «فلسفة التربية الجمالية ونشأة الفنون الجمالية: بخت الرضا والمستر ج. ب. جرينلو»، الصادر عن مركز عبد الكريم ميرغني (2010). وهو كتابٌ جمَع بضعة أجناس كتابة، من سيرة إلى تراجم إلى تربية وتاريخ، بل وحتى وثائق تاريخية مهمّة للغاية، وتناوَل الدَّور الريادي لمعهد بخت الرضا في مجال التربية الفنّية عموماً، من مسرح وموسيقي ورسم ونحت وتصوير تحديداً، والأدوار التاريخية للمستر قرينلو، ولاحقاً الدكتور أحمد الطيب أحمد في إشاعة المعرفة الجمالية التي ظل أثرها وصوتها قويَّيْن حتى هذه اللحظة. جاءت ريادة الفنّان عبد الرازق عبد الغفار من كونه أوّل المشتغلين بالنحت تدريباً ومُنجَزاً إبداعياً. وقد نضّد فتحي محمد عثمان قدراً كبيراً من منحوتاته في هذا الكتاب المتميّز عن حياة ومنجز الفنّان النحّات والتشكيلي على روحه السلام.
كما في حواراته الكاشفة عام 2011، «بيت الجاك: حوار مع إبراهيم الصلحي»، ولهَمّه المُقيم بكتابة تاريخ حركة التشكيل في السودان، أعدّ فتحي محمد عثمان هذا الكتاب ليَشمل حواراً مطوّلاً مع النحّات الكبير في آخر سنوات عمره. بدأ الكتاب بإهداء، مفتاحيّ في حسباننا: «إلى روح الأستاذ عبد الرازق عبد الغفار، الذي لم يَلقَ في حياته الاهتمام والتكريم اللائقَيْن بما قدَّم للفنون والتربية الفنية، وبريادته الباكرة لفنّ النحت الحديث في السودان». ومن ثمّ رسم خطوطاً عامّة لسيرة الفنّان.

وُلد الفنّان التشكيلي والنحّات عبد الرازق عبد الغفار في مدينة أم روابة بشمال كردفان في 1918، ومنها انتقلَ إلى مدينة ود مدني برفقة أسرته حيث درَس المرحلتَيْن الأوّلية والمتوسّطة، ثمّ إلى العاصمة الخرطوم حيث التحق بكلية غردون طالباً ليتخصّص في قسم المُحاسبة ويتخرّج في 1937، ومنها مرة أخرى في العام ذاته إلى ود مدني ليعمل مُدرّساً في المرحلة المتوسّطة مع مستر قرينلو، ثمّ إلى معهد بخت الرضا شمال مدينة الدويم في 1938 ليَلتحق به طالباً ثم مُدرِّساً للفنون. في 1942 تمضي به خطوط سيرته إلى خارج السودان، ليدرس الفنون وطرق التدريس في معهد الأورمان بالقاهرة، ومنها في 1945 إلى إنجلترا مُبتَعثاً للالتحاق بقسم تدريب مُدرّسي الفنون بجامعة لندن، وبمعهد كامبرويل في العام الذي يليه لدراسة النحت. في 1947 عاد إلى السودان عند انتهاء البعثة ليعمل في التدريس حتى 1952، ليعود ثانية إلى معهد كامبرويل ليكمل دراسة النحت، ومنه إلى مدينة فلورنسا الإيطالية في إجازة لمدة ثلاثة أشهر قضاها مُتدرّباً على النحت مع النحّات الإيطالي ڤنتورينو ڤنتوري. أكمل دراسة النحت في 1954 وعاد إلى السودان، وعُيّن في العام ذاته عميداً لمدرسة خورطقّت الثانوية، ثم عميداً لمعهد التربية في مدينة الدلنج بجنوب كردفان في 1955، ثم مفتشاً أول للتعليم بمديرية الخرطوم، ثم مساعداً لوكيل وزارة التربية والتعليم. بعد إحالته إلى المعاش في 1974، عمل مدرّساً متعاوناً بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية حتى 1978. توفي في مدينة رفاعة عام 2013.
من أعمال الفنان عبدالرازق عبدالغفار
أعقبت ذلك مقدّمة ضافية، شغلت صفحات الفصل الأول بعنوانٍ دالّ «لا تبتغي مرضاةَ أحد»، حول تجربة الفنّان المُميّزة، واعتباره «أوّل دارس وممارس لفنّ النحت في السودان الحديث». يكتب فتحي عثمان: «أدهشني أستاذنا عبد الرازق بعمقِ نظرته للأشياء وبفلسفته الخاصة العميقة وشجاعته النادرة في إثبات الحقائق كما هي، أو كما يراها… حدثني عن تجربته الثرية في مجال النحت وما أنتجه من أعمال رفيعة ما زال جلّها مجهولاً حتى عند المهتمين والمُتابعين لحركة التشكيل في السودان». وممّا هو مفتاحيّ أيضاً إشارته إلى أنّ الفنان الكبير، «يُمثّل إحدى التجارب الفريدة بالنسبة لي في مسيرة علاقتي بحركة التشكيل في السودان وسعيي المتواضع في التوثيق لها… كان فناناً شاملاً، بكل ما يحمل هذا التوصيف من معنى، فبجانب كونه نحّاتاً كان أيضاً رسّاماً، مُلوّناً، مُصمّماً معماريّاً، كاتباً في مجال الفنون، مُصمّم أثاث، وفوق كل ذلك معلّماً من طراز فريد».
ندلف من بعد ذلك إلى الحوار، ويشغل الفصل الثاني من الكتاب، بدءاً من سؤال فتحي للفنان عن نشأته، ليُجيب بذكاء عن طبيعة تلك النشأة في مدينة رفاعة، وبأنه كان محاطاً ببيئة من العمّال المهرة من الحبّالين وصانعي الطوب والنجّارين، ويضيف قائلاً إنّ كل ذلك كان «فنّاً طبيعياً وجزءاً من حياة الناس الطبيعية». لاحقاً في الحوار، وما زال الحديث عن طفولته ونشأته في مدينة أم روابة، يقول إنهم كانوا يعملون بالزراعة، «نَتِيْرِب ونحشّ ونقطع القصب ونزرع القطن في الحوّاشات».
من أعمال الفنان عبدالرازق عبدالغفار
تخلّلت الحوار وقفات راتبة للحديث عن معهد بخت الرضا لتدريب المعلّمين، الذي أنشأته الإدارة البريطانية عام 1934 لإعداد وتدريب المعلّمين. وكما هو حال معظم أبناء جيله، تحدّث الفنان عبد الرازق عبد الغفّار بانفعال وحماسة عن دَوره في تشكيل وعي جمعيّ بالمكان والذاكرة والتاريخ، ووردت تفاصيل وأسماء عديدة كانت لها أدوار وطنية مهمّة في رفع الوعي بالذات والموضوع معاً، في سياق استعماريّ بالغ التعقيد. يقف كلّ ذلك شاهداً على دَور حداثيّ مارسته تلك المؤسسة على الرغم مما شابَهَا من باثولوجيا الاستعمار وتجربته التي كابدناها. من أولئك أشار عبد الرازق إلى مستر قرينلو، وإلى الفنان الكبير إبراهيم الصلحي، والخطّاط عثمان وقيع الله، وكمال الجاك، وعبد القادر تلودي، وأحمد الطيب، وعبد الله الطيب، ومأمون بحيري. وفي سياق الحديث عن قرينلو، ذكر الفنان الكبير أنه «كان يُغني وكان موسيقاراً، ومستر قريفث كان يحبّ الموسيقى والرسم والتلوين… وكان عبد الرحمن علي طه شاعراً، وأحمد الطيب مسرحياً، كانوا مجموعة من الفنانين… وبذلك استطاعت الفنون أن ترتبط ببعضها البعض، الموسيقى والفنون والمسرح والآداب».
وهنا يَنتقل الحوار إلى لحظات مهمّة في سيرته، عن التدريب الذي تلقاه في مجال الفنون في مصر وبريطانيا وإيطاليا. إلى أن نصل إلى ما أضافته إليه تجربته في فلورنسا وتدريبه على فنّ النحت، وكيف أنه اختاره من دون جميع الفنون، وقد ارتبط منذ طفولته بتلك الأجواء، يقول: «لم تكن لدينا ألوان ولا فرش… لم يكن لدّي مجال للّعب سوى بالطين والنحت به، الطين يصبح جزءاً منك».
من أعمال الفنان عبدالرازق عبدالغفار
وأشار أخيراً إلى كتاب قرينلو المهمّ عن آثار سواكن «The Coral Buildings of Suakin»، وكيف جمع مادّته وكتابته. وتستمرّ المتعة الذهنية لأيّ قارئ مُحتمَل لهذا الكتاب، خاصة حين يحكي الفنان الراحل عن أحزانه في تلقّي تجربته في النحت؛ تجربة تمثال المرحوم بروفيسور التيجاني الماحي مثلاً، ومحاولاته العديدة لتكريس فن النحت من خلال التدريس والتعليم.
وتزداد تلك المتعة عند التأمّل في ما تناثر عبر صفحات الحوار من صور فوتوغرافية، وما ضمّته الفصول الثالث والرابع والخامس والسادس من نماذج أعمال الفنان في النحت والرسم والتلوين، فضلاً عن بعض الوثائق والرسائل، التي زَيَّنَتْ الكتاب وجعلت منه متعة بصرية فائقة، مصداقاً لما جاء في مقدمة المُحاوِر من أنّ تجربة عبد الرازق قد امتازت بالثراء والتنوعّ في معالجاتها الذكية للخامات.
إنها سيرة بديعة لفنّان عظيم هو جزء من هذه الذاكرة المتخمة بتجارب الفنانين والمبدعين ممّن شكلوا وعياً جمالياً مُغايراً ومُفارقاً للسائد والمألوف والشائع والمُكرّس.



