في السادس والعشرين من يوليو المنصرم، افتتح النحّات السوداني عدلان يوسف معرضاً فنّياً فردياً بعنوان «بين المنافي»، في صالة One Off Contemporary Art Gallery بمدينة نيروبي، إحدى أبرز مساحات العرض الفني في شرق أفريقيا، وهي معروفة باحتضانها لأعمال فنية ذات طابع معاصر من مختلف أنحاء القارة والعالم. وهذا معرض عدلان الثالث في كينيا، منذ اضطراره لمغادرة الخرطوم عقب اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل.
يستكشف النحّات عبر أعماله مسارات التهجير والنفي والشتات، مُستلهِماً من تجربته الشخصية؛ لكنّ المعرض لا يكتفي باجترار صُوَرِ الخراب، بل يذهب أبعد من ذلك، محاولاً إعادة تشكيل مفهوم المَنفى، لا بوصفه موقعاً جغرافياً فحسب، إنما هو تجسيد لحالة نفسية ووجدانية تُرافق الجسد وتُعيد تشكيله. عن تجربة النزوح، يستهل عدلان حديثه لـ«أتَـر» قائلاً: «السّفر، وخاصة القسري منه، يَترك بصمات عميقة على الفنان ويُمثّل اقتلاعاً من الجذور، لكنه أيضاً يفتح أبواباً بين الذاكرة والحنين، ويتحوّل الألم إلى لغة بصرية جديدة. في الغربة، تتقاطع المشاهد بين الأشياء التي فقدناها، وتلك التي اكتسبناها عبر الاكتشاف. وهذه المشاهد تُولّد أعمالاً مُشبعةً بالشوق، بفقداننا للأهل والأصدقاء وكل شيء على نحو مُفاجئ، ومُحمّلةً بقصص الرحيل، وكيف يبحث الشخص عن هُويته الخاصة في عالم حديث عليه. يحاول بعض الفنانين الاستفادة من هذه الظروف، وآخرون يستسلمون لها. وأنا أرى أن هذه الظروف التي نوجد فيها قسراً تجعل الفنان يتحرّك».
عن معرضه «بين المنافي»، يقول عدلان في بيانه الفني: «المنفى ليس حالة جسدية فقط، بل ذهنية ونفسية وإنسانية. إنها اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بأنه ليس من هنا، ولم يعد من هنالك. العابرون في هذا المعرض ليسوا أبطالاً ولا ضحايا بالمعنى التقليدي، بل هم شهود، أجساد تمشي بوهن، تتحدّث عن الخراب دون أن تنطق، وتصرخ دون صوت. في هذه الأعمال، لا تُوجد خارطة واضحة، ولا أفق محدّد. كلُّ الطرق تتشابه، والمنافي تتعدَّد، والحقيبة ذاتها تُحمَل من تمثال إلى آخر، كرمز أبديّ للعبور القسري».
الأعمال المعروضة، المصنوعة من الخردة المعدنية، تقف في صمت كثيف داخل قاعة العرض. وجوه مائلة، أجساد تنحني وتنتصب، ملامح مُشوَّشة تعكس الحضور والغياب في آن؛ معظمها لنساءٍ يحملن على رؤوسهن «بُقَجاً» ثقيلة، سائرات على أقدامهن أو يمتطين الحمير، ويتقاطَعْن في اتجاهات مختلفة. يُعيد عدلان تدوير بقايا الحديد التي تَحمل آثار العنف والاستهلاك، مُحوِّلاً إياها إلى كيانات تمشي على حافة الصلابة والذاكرة. والخامة التي يستخدمها هنا ليست مجرد وسيلة، إنما هي لغة قائمة بذاتها.
صورة للفنان عدلان يوسف
وُلد عدلان في مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور عام 1992، وتخرَّج في قسم النحت بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عام 2015. ظلّ يَعمل على تطوير لغته البصرية، مُشاركاً في عددٍ من المَعارض داخل السودان وخارجه. وتُشير سيرته الفنية إلى انشغال دائم بالسياق السياسي والاجتماعي، إذ تَنبع أعماله من بيئة متوترة، لكنها لا تَغرق في المباشرة، بل تُعبّر عن بيئتها بأسلوب بصري مشحون بالتأمُّل. وباستخدامه للمواد الخام المُتاحة وتوظيفها، تحمل أعماله طابعاً تعبيرياً مُتقشّفاً، يَرتكز على التكوين والكتلة أكثر من الزخرفة.
ويرى النحّات أنّ الفن، خصوصاً في لحظات الانهيار، لا يُمارَس باعتباره ترفاً جمالياً، إنما ضرورة، ليَغدو أداةً مُقاوِمة وحافظة لذاكرة مُهدّدة بالضياع. وقد تجلّت هذه الرؤية في انخراطه في مشاركات فنية متنوعة. عن تجربته في نيروبي، يقول عدلان: «فضلاً عن الطبيعة الخلّابة هنا، أكثر ما جذبني في المدينة هو الرسومات على باصات النقل العامة «المَتاتو» وجداريات الشوارع التي أدهشتني وألهمتني. كانت البداية صعبة بعض الشيء، لكن بمساعدة الفنانين، تمكّنتُ من الانخراط بسرعة». يُشغّل عدلان معمله الخاص بمركز كوانا للفنون. وكان أول معرض فردي له في نيروبي في غاليري نوّار، بالتعاون مع كونتراباند، ثم شارك لاحقاً في معرض جماعي في صالة سيركل، أُقيم لدعم وتقديم الفنانين السودانيين إلى الوسط الثقافي في نيروبي. في بداية العام الماضي، حصل عدلان على إقامة فنية في غاليري (بيت الأصدقاء) بمنطقة كِبيرا، أحد الهوامش المُهملة من التخطيط الرسمي والمُثقلة بالرموز الطبقية والسياسية. ويَحكي عن تلك التجربة قائلاً: «كِبيرا كانت منطقة جاذبة في انغلاقها. خلال ستة أشهر، اكتشفت مُجتمَعها وتعلَّمتُ بعضاً من اللغة السواحيلية، ثم أنتجتُ أعمالاً من تلك التجربة موثقة الآن في كتالوج كينيا آرت دايري».
بعض أعمال الفنان
يَعتمد عدلان في معظم أعماله على خامات معدنية معادٌ تدويرها، يُوظّفها في بناء أشكال بشرية تختزن مشاعر التوتر والانكسار، دون أن تفقد القدرة على التعبير عن المقاومة والاستمرار. وتُعرَض هذه المنحوتات ضمن رؤية فنية تدمج بين التكوين الجسدي المشوّه والرمزية البصرية، في محاولة لاستحضار تجارب الحرب والنزوح والهوية في لحظات التحوُّل. كما تتقاطع ممارسته الفنية مع مبادئ إعادة التدوير وتقليل النفايات. هذا الوعي البيئي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تجربة عملية طويلة في الاشتغال على الخامات التي تحمل أثر الزمن والعنف. من خلال إعادة تشكيل الخُردة والمُخلّفات المعدنية، لا يُنتج عدلان محض أجسام فنية، بل يُعيد إحياء مواد مُهمَلة ويحوّلها إلى منحوتات تنبض بالحياة. وغالباً ما تكون الأجساد التي يصنعها مُشوّشة، مُلتوية، أو مُفرغة من التفاصيل، لكنها تحتفظ بحضور قوي يربط بين التجربة الشخصية للفنان وواقع جماعي أكثر اتساعاً. بهذا، يصبح الحديد الذي هو في جوهره مادة صلبة وثقيلة وسيلةً للتعبير عن الهشاشة والصدمة والحنين والذاكرة.
في هذا السياق، يتجاوز دَور عدلان إنتاج الفنّ إلى التعامل معه بوصفه وسيلةً للحفاظ على الذاكرة الجماعية في ظل هشاشتها المتزايدة. في بلد تُمزّقه الحرب ويفقد فيه الناس بيوتهم وأحباءهم، تزداد الحاجة إلى توثيق ما يمكن نسيانه أو إهماله. وعدلان، بفنّه، يتحمَّل هذه المسؤولية على نحو شخصي واضح، إذ يَشتبك مع الألم والخراب والشتات، لا باعتبارها مواضيع تُعرض من الخارج، إنما مادة داخلية تُعاد صياغتها بصرياً.
على عكس الميل الجماعي لتجنّب مواجهة الألم من خلال اللجوء إلى الحكايات الترفيهية أو الانفصال عن الواقع، يذهب عدلان في الاتجاه المعاكس؛ يختار أن يواجه التجربة، أن يحفر في الذاكرة، وأن يعيد تقديم ما نُحاول نسيانه. في هذا الخيار الفنيّ تَكمُن مُخاطرةٌ كبيرة، لكنها في الوقت ذاته تؤسّس لموقف أخلاقي وجمالي يتّسق مع طبيعة الفنّ بوصفه شكلاً من أشكال الشهادة والتوثيق. بهذا المعنى، فإنّ تجربته مثال مركّب للفن المعاصر المُرتبط بواقعه الاجتماعي والسياسي والمكاني.
عمل الفنان المعروض في المتحف القومي بنيروبي
جدير بالذّكر، أنّ أحد أعمال الفنّان قد اختير ليُعرَض بنحو دائم في المتحف القومي بنيروبي في فبراير من العام الماضي، ضمن مبادرة تَهدف للاهتمام بالفن السوداني. وقد جاء ذلك ثمرةً لورشةِ عملٍ حول صون التراث المادي الحي، نظّمتها جهات ثقافية سودانية محلية بالشراكة مع المجلس الثقافي البريطاني.
يُمثّل «بين المنافي» استمراراً لمشروع فني أوسع، يَنخرط فيه عدلان يوسف منذ سنوات، ويَعكس من خلاله علاقة الفنّ بالذاكرة، وبالسياقات السياسية والاجتماعية المُتغيّرة؛ كما يَعكس حضورُ المعرض في نيروبي اتساعَ رقعة الفن السوداني في الشتات، ومُحاولات الفنانين إيجادَ منصات بديلة للتعبير والتوثيق، في ظل واقع متغيّر ومعقّد. وفضلاً عن كونه معرضاً فنياً، فإنه بيانٌ بصريٌّ حادٌّ يَلتقط لحظةً سودانيةً تتَّسم بالشتات والانكسار، دون أن تنفي إمكانية النجاة والانبعاث. في هذا المعرض، لا يتحدَّث عدلان عن الحرب مُباشرةً، لكنه يَدع الحديد يتكلَّم، والصّمت يَنحت معناه على وجوهٍ نراها في كلِّ شارع، وكلِّ معسكر، وكلِّ رحلة مغادرة.
في مدينةٍ تشهدُ حركةً فنية صاعدة كنيروبي، يُقدّم عدلان معرضاً يَحمل خصوصيةَ تجربته ومأساة وطنه، لكنَّه في الوقت ذاته يعكس مأزقاً إنسانياً أكبر: كيف نحمل أوطاننا معنا حين نفقد الأرض؟ وكيف يُمكن للفنّ أن يَمنحنا خريطة أخرى للعودة؛ ولو كانت عودة عبر الخيال والخلق؟
«بين المنافي» هو محاولة للإجابة عن ذلك، وهو أيضاً، ربما، صرخة في وجه النسيان.



