أتر

نـوتـة من عِـلْـم الكُونِكا (17)

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

عرَض الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، مؤرِّخ الإمارات العربية الأبرز وحاكم الشارقة، في كتابه «أسطورة القرصنة العربية في الخليج» (كروم هلم للنشر، 1986) لجوانب من أزمة الأمن في الخليج الفارسي أوّل القرن التاسع عشر. وقال حمَّل البريطانيّون «القواسمَ» من أهلِه وزرَ «القرصنة» في الخليج وتهديدها التجارة، من باب الإثارة الاستشراقية، وكان قصدُهم تعبيدَ الطريق لهيمنة شركة الهند الشرقية على سبل التجارة، بوسيلة حليفهم سلطان مسقط، ثمّ بشوكتهم المباشرة. فضَّل البريطانيّون وليَّ مسقط، وقد خضع لهم كلّ الخضوع، على القواسم الذين ظلّوا على استقلالهم النسبيّ عن الإرادة البريطانية حمايةً لتجارتهم وكسبهم من السيطرة على موانئ الخليج. كانت وثيقةُ هذا الخضوع «قولنامة»، وهي كلمة فارسية معناها «عهد مكتوب»، موقَّعة بين الإمام سلطان بن أحمد البوسعيدي والبريطانيين في 1798، وقد جُدّد هذا العهد في 1800، ثمّ تعزَّز بصعود ابنه سعيد بن سلطان إلى الحكم بعد أن اغتال ابن عمّه بدر بن سيف في 9 يوليو 1806. وهي، بحسب مؤرّخ الخليج لوريمر، أوّل اتفاقية من نوعها بين البريطانيين والعرب في التاريخ الحديث، التزَمَ بموجبها حاكمُ مسقط بمساندة الإنجليز في الصراع بينهم والفرنسيّين على الخليج وإقصاء الفرنسيّين طوال فترة الاتفاقية، ومنَحَ البريطانيّين الحقَّ في الاستقرار في بندر عباس الذي استأجره حاكم مسقط من دولة فارس (لوريمر، «دليل الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية»، م 2، دار نشر الجامعة الآيرلندية، 1970، ص 17).

كان لهذا العهد، قولنامة 1798، عَظْمٌ تجاريّ يحمي بموجبه الإمامُ تجارةَ شركة الهند الشرقية. وقد عدَّها الدكتور عبد الله فهد النفيسي، المؤرِّخ الكويتي العَلَم، «بدايةً لمرحلة من التدهور في الاقتصاد، فقد اضطرّت عمان إلى توقيع معاهدات أخرى تعهّدت فيها بإلغاء تجارة الرقيق التي كانت أحد عوامل الازدهار الاقتصادي في تلك الفترة». ثمّ تفاقم الوضع بالخلاف داخل الأسرة الحاكمة حول السيادة على زنجبار، وأحيل الخلاف إلى بريطانيا التي «لجَّنَتْه»؛ أي كوّنت لجنةً للتحكيم فيه، فصَدَر تحكيم اللورد كاننغ، والي الهند البريطاني، في 1861، بفصل الممتلكات العمانية في أفريقيا الشرقية عن عمان ومسقط، وحرمانها بالتالي من عائدات تلك الممتلكات (عبد الله فهد النفيسي، «تثمين الصراع في ظفار»، دار السياسة، الكويت، 1975، ص 25-26). دارت الدائرة كاملةً على عمان التجارية بفتح قناة السويس في 1869 التي انقطع بها احتكارُ الخليج للملاحة بين شرق وغرب. تأبَّد بهذا التدهور ذكرُ الإمام سعيد بن سلطان كشخصية مأساوية، سعى النفوذَ بالحلف البريطاني فتحقَّق له ذلك بين الخليج الفارسي وساحل أفريقيا الشرقية، ثمّ انهارت دولته ما إنْ ماتَ في 1856 بالخلاف بين ابنيه ثويني وماجد على ورثته، وشقَّ أصدقاؤه البريطانيّون سلطانَه شطرين؛ زنجبار بؤرة التجارة الغنيّة لماجد، وعمان ومسقط لثويني. ولمّا كانت عائدات زنجبار ضِعْف ما تكسبه مسقط، فقد خصَّصت السُّلطات البريطانية في الهند دعماً سنوياً لمسقط ثويني الفقيرة؛ من باب تعويض الخسارة، صارت به مسقط محطة خارجية ثانوية للحكم البريطاني في الهند (عبد الرزاق التكريتي، «ثورة الهبوب: أنصار الجمهورية والسلاطين والإمبراطوريات في عمان 1965-1976»، دار جامعة أكسفورد للنشر، 2016، ص 14).

كان لأهل الإمام سعيد رأيٌ أشدّ «جذريّة». حفظ مؤرِّخُ عمان الكبير في القرن التاسع عشر، نور الدين السالمي، موقعَ سعيد بن سلطان في التاريخ كقاتلٍ ومتواطئٍ سَنَّ سُنةً سيئةً يحمل وزرها: «قتل ابن عمٍّ له كان قائماً بأمر دولته على جهة النيابة، وهو بدر بن سيف بن الإمام، فسَارَ الوُشاةُ بينهما بالنميمة حتى وثب عليه سعيد فقتله، وكان بنَخْل والٍ من اليعاربة يُسمَّى مهنا بن محمد بن سليمان ثمّ قُتِل، وصار حصنُها لمالك بن سيف بن سلطان، صاحب الحزم، ووقعت منه مخالفةٌ على سعيد بن سلطان فحاربه سعيد فأخرجه من الحصن وصارت نخل لسعيد. ومن جملة الأحوالِ الواقعةِ في زمانه قدومُ مطلق بن محمد المطيري، وهو عامل من قِبل سعود بن عبد العزيز الوهَّابي، جاء إلى عمان بالجيوش بواسطة الغافرية من أهل الظاهرة وأهل جعلان، وشايَعَهم على ذلك كثيرٌ من أهل النفاق ممّن يَنتحل بالدّعوى مذهبَ الحقّ، فقَدِم في سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف، فكان قدومُه على عمان عذاباً واصباً وبلاءً وبيلا. (…). استعان السلطان [سعيد] بالنَّصارى على حرب أهل الشارقة من أرض الشمال، فقهر بهم عدوَّه، وكانت هذه الاستعانةُ أوّلَ سببٍ تدخَّلت به النصارى في ممالك المسلمين من أهل عمان، فبقوا آفةً في ذَراريه وعِلَّةً في مملكته يُظهِرون الصداقة ويُضمِرون العداوة، وأنّ أنكى الأعداء من يأتيك في صورةِ صديقك يُظهِر محبَّتَك ويُضمِر هلاكك» (نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» ج2، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1961، ص 196-198).

ساء السالمي من الإمام سعيد أنّه والَى نصارى غرباء على حساب مسلمين من جيرانه، فدخلوا وما مَرَقوا. وتدرَّج الإمام سعيد في هذه الخدمة وكيلاً لبريطانيا في الخليج، وبذَل لذلك الجهود حتى صار في المكاتبات البريطانية آخرَ عهده «الصّديق العجوز الوفيّ». ورثت حركة التحرّر الوطني العمانية في تنظيماتها المتتالية، جبهة تحرير ظفار (أُسِّست عام 1962) والجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتلّ (أُسِّست 1968)، والجبهة الشعبية لتحرير عمان (أُسِّست عام 1974)، إدانةَ السالمي لسعيد كدُلْقَان للاستعمار فضَّلَ المصلحة العاجلة على نسيم الحرية: «إنّ عباد المال والمرتزقة الذين باعوا أنفسَهم للشيطان لم يعد لهم مكانٌ في صفوفنا، فقد باعنا من قَبل سلطانُ مسقط للمستعمِرين وكأنه يبيع قطعةَ أرضٍ ورثها عن آبائه، أو قطيعَ غنمٍ يمتلكه» (إبراهيم بن حمد الحارثي، «عمان الثورة في طريق الحرية»، دار اليقظة العربية، دمشق، 1964، ص 22). تَدْخُل خطّة الإمام سعيد، في مجاراة الشّوكة حيثما وقعت اليومَ، في باب المواتاة السياسية المحمودة. ويبدو تبكيتُ السالمي عليه، وغضبُ الجبهة الشعبية، طنيناً غريباً لمعركة مستحيلةٍ أو تكاد، معركة سنوارية.

تركَّزت جهودُ الإمام سعيد، بالدرجة الأولى، على تأمين الهيمنة العمانية، وترجمتُها بحرفٍ آخر هيمنة شركة الهند الشرقية، أي هيمنة «الراج» (الحكم البريطاني في الهند) على الملاحة البحريّة عبر الخليج، بقهر المنافسين. فما إن استقرّ له الحكمُ إماماً جديداً لمسقط، حتى تورَّط سعيد في حرب استنزاف مع القواسم موضوعها السيطرة على نقاط عبور التجارة في الخليج، خورفكان وكلباء. وكلٌّ منهما حلقةٌ في سلسلةٍ من القلاع التي اتّخذها البرتغاليّون في القرن السادس عشر سياجاً للسيطرة على الخليج. حاوَل الإمام سعيد في 5 سبتمبر 1806 الهجومَ على رأس الخيمة، مركز القواسم، بأسطولٍ من ستّ سُفن حربية، أملاً منه في الفوز بالجائزة الكبرى، لكنْ هزَمت الجغرافيا الأسطولَ قبل أن يهزمه القواسم، فلم تستطع السفن العبور إلى مدخل المدينة البحري، وفرّ سكّان رأس الخيمة إلى الداخل. من ثمّ، استدار الإمام بأسطوله وحاول الهجوم على جزيرة قشم، لكنّ سيّد الجزيرة وزعيم بني معن من حلفاء القواسم، مُلَّا حسين، استبَقَ الصراعَ بتجديد عهدٍ للسلام كان بينه ووالد الإمام سلطان. لم يشفع للمُلّا اختيارُه السلامَ، فغدر به الإمام سعيد واتّخذه رهينة، بينما فاوضت شركة الهند الشرقية أسرته على تسليم قشم وهرمز في مقابل حياة سيّدهم. في المقابل، عزَّز حليفُ المُلّا وسيد القواسم، سلطان بن صقر، المواقعَ القتاليّة في الجزيرة برجاله وظلَّ المُلّا في محبسه في مسقط.

من جهته، تحمَّس زعيم القواسم، سلطان بن صقر، بهذا النصر الجزئيّ، للقتال، وهاجَم ميناء صور العماني بأسطول من 22 سفينة محمّلة بالمقاتلين في مايو 1807 على أمل أن يلتحق بهم متآمرون من الداخل العماني، لكنْ خاب ظنُّه وانهزمت قوّتُه، فعاد بمئات القتلى تطارده السفن العمانية. خرج الإمام سعيد من فقرة الصّراع هذه بدرس أنّ الخطر بالداخل يعضّد الخطر القادم من الخارج، فأصلح مؤقتاً ما بينه وخصومه الداخليين، أرباب المؤامرة، وعلى رأسهم عمّه قيس بن أحمد. ثم جَدَّد الحملة على خورفكان في 1808 بعد أن فاز بحلفِ متآمرٍ مضادّ، زعيم الفجيرة محمد بن مطر، ليُعِينه على حرب القواسم. هدَّد الإمام سعيد خورفكان أيَّما تهديد، وقتَل من القواسم مائتي رجل، لكن لم يُكتَب له النصر، وهرَب بالكاد من موقع المعركة بجرح نازف ومزَعٍ ممزّقة، تاركاً وراءه سفناً ثلاثين ومئات القتلى. أمّا سلطان بن صقر القاسمي فعاد إلى أهله بطلاً، بعد أن لاحَقَ جيشَ الإمام المهزوم حتى صحار.

لم يَقبَل القواسمُ الإرادةَ البريطانية في الخليج أوَّل أمرهم، وإنْ ساوَم عنهم زعيُمهم سلطان بن صقر فعَقَد مع البريطانيين في 1806 قولنامة، من جنس القولنامة العمانية البريطانية، تجرِّم «القرصنة» وتؤكِّد على الاحترام المتبادل لسلامة الملكية والتجارة والأفراد. لكنْ لم يكن سلطان سيداً وحيداً على قومه، وقد استولت قوّةٌ يتزعّمها الشيخ راشد بن حميد النعيمي في ديسمبر 1807 على سفينة مملوكة لسفير فارس تحمل بضاعةً لتجار بوشهر ومسقط، ترفع العلم البريطاني، ويقودها قبطان بريطاني، لكنْ بغير وثيقة مرور بريطانية، ونهبتها. تدخَّل سلطان بن صقر لحلِّ المسألة لأنّ قبطان السفينة بريطانيّ، فردَّت جماعةُ الشيخ راشد السفينةَ لكنهم استبقوا البضاعة. لم يتركوا للقبطان البريطاني والطاقم حتى ممتلكاتهم الشخصية. عَدَّ القواسمُ السفينةَ وبضاعتَها الفارسية والعمانية مالَ تهريبٍ حلال وإن ارتدى الزيّ البريطاني، بألوان علم وقبطان خواجة. وكانت حجّتهم أنهم لم يخرقوا القولنامة التي تُلزمهم بالتزام حُرمة كلّ ما هو بريطاني، فرَدّوا الخواجة إلى وكيل بريطانيا في مسقط بملابسه التي على جلده، مع تحيّات قراصنة حكومة جلالتكم.

الواقع، لم يكن جميع قراصنة الخليج عرباً، ولم يكن جميع العرب «قواسم»؛ سوى في الرواية الاستعمارية تمهيداً وتبريراً ليومِ جبروتٍ وقمع. ورَسَم المؤرّخُ الاستعماريّ صورةً كاريكاتورية للقرصان القاسمي في ساعات عمله على لسان شهود عيان، شافوا ولم يسمعوا، تتعرَّف عليها القارئةُ بيُسر شديد، فهي هي، جوهر لا يتبدَّل خارج الزمان والمكان: «لا بدّ أن أعترف أنني فوجئت أنّ قوماً ليسوا طبيعةً بهذه القسوة قد اتخذوا المبدأ المتوحّش والذميم: التضحية بأسراهم بهذه الطريقة. وفعلوا ذلك بوقار مرعب، ما أضفى على فعلتهم هذه طابعَ طقسٍ دينيّ جهنميّ. لكنْ لا يُوجِب دِينُهم، رغم التعصّب الذي يَسِمُه، فعلاً كهذا. بعد أن سلبوا السفينة طهّروها بالماء، ثمّ ساقوا طاقمها فَرادَى في صفٍّ طويل، رؤوسُهم على شفير السفينة العلويّ، وذبحوهم واحداً تلو الآخر، هكذا، وهم يصرخون صرخة الحرب: «الله أكبر»». (كيلي، «بريطانيا والخليج الفارسي 1795-1880»، دار نشر جامعة أوكسفورد، 1968، ص 111). ومثل ذلك: «ساقَ القراصنةُ أحدَ الأسرى مفرداً إلى سلّم السفينة؛ حيث تلقّاه قرصان آخر وذبحه على الفور وهو يردّد عبارة أمّة المحمديّين عند ذبح البهائم «الله أكبر» فجَعَل هذا الفعلَ الشنيعَ قرباناً إلى الإله. وقيل إنّ القبطان قد قُطِّع أشلاءً، ورُميت أشلاؤه في عرض البحر» (شارلز. ر. لو، «تاريخ البحرية الهندية»، م 1، دار نشر رتشارد بنتلي وأولاده، لندن، 1877، ص 320).

يُتبع…

Scroll to Top