أتر

الكاش والاستيراد: سياسات غير مستقرّة

في الاقتصاد

في 25 يونيو الماضي، أصدرت الإدارة العامة للسياسات والبحوث ببنك السودان المركزي منشوراً مُعمَّماً إلى جميع المصارف والجهات ذات الصّلة، أجرَت بموجبه تعديلاتٍ في إجراءات وضوابط الاستيراد. طالَب البنك المركزي المستورِدين بضرورة إكمال استمارة الاستيراد الإلكتروني المعروفة باسم IM بدلاً عن نظام الاستيراد الورقي. وكان البنك المركزي قد أصدر منشوراً في 22 مايو 2023 أقرّ فيه نظام الاستيراد والصادر الورقي، بعد أن تعرّضت شبكته للضرر بسبب الحرب. وفي 30 مايو 2024، أصدَر البنك المركزي منشوراً بإلغاء مُستندات الوارد الورقي وإعادة تشغيل النظام الإلكتروني ابتداءً من 30 مايو 2024.

بموجب التعديلات الجديدة، أكّد البنك المركزي على ضرورة إكمال مُستندات الاستيراد الإلكترونية «بخلاف خطابات الاعتماد المستندية والمستندات مقابل القبول (D/A)؛ التي تُرسَل بواسطة المصدِّرين بالخارج للمصرف المعني مباشرة».

بحسب عدد من التجّار العاملين في الاستيراد، تحدّثوا لـ«أتَر»، فإنّ كثيراً من التجّار غير مُلمّين بإجراءات البنك المتلاحقة، لذلك قد يستغرقون بعض الوقت في متابعة الإجراءات الجديدة. مرَّ عام مُذ أعلن البنك المركزي أنه استعاد الربط الإلكتروني، ما يمكِّنه، والإدارة العامة للجمارك، ووزارة التجارة، من متابعة الإجراءات.

ما هي منشورات البنك المركزي؟ وما أثرها على الاقتصاد؟

يُصدِر البنك المركزي منشوراتٍ وتعاميمَ عن السياسات النقدية والماليّة للبنوك والجهات المعنيّة؛ بموجب السُّلطات الممنوحة لمحافظ البنك المركزي، والتي تستند إلى قانون تنظيم التعامل في النقد لسنة 1981 ولائحة تنظيم التعامل بالنقد لسنة 2013. تتنوَّع المنشورات والتعاميم، وتَصدر من عدة إدارات، مثل قطاع المؤسّسات المالية وإدارة السياسات والبحوث، لكنها مُخوّلة جميعاً بموجب سلطات المحافظ. وتمثّل قرارات البنك المركزي أوامر مُلزِمة للمصارف، ومن ثم تؤثّر على الحركة الاقتصادية بعامّة. في غالب الأحوال، تمثّل قرارات ولوائح بنك السودان المركزي استجابةً لمعضلات كبيرة في الاقتصاد.

في عهد الإنقاذ، حصل البنك المركزي على سلطات واسعة في تنظيم إجراءات النقد والتجارة الداخلية والخارجية معاً، وما زالت سارية. بهذه السلطات، ومع تقلّبات الاقتصاد، اضطرّ البنك المركزي إلى إصدار منشورات مُتسارعة الوتيرة لتنظيم حركة النقد والتجارة. وقد أصدر في عام الحرب الأول، حتى ديسمبر 2023، 14 قراراً موجّهاً إلى المصارف بين تعميم ومنشور. وأصدر في 2024، 33 منشوراً وتعميماً، وأصدر في 2025 حتى الآن، 26 قراراً وتعميماً.

في الأخبار

يوم الثلاثاء الماضي، نفّذت نيابة مكافحة الثراء الحرام والمشبوه حملةً واسعةً بمدينة بورتسودان لضبط المتعاملين في استبدال النقد عبر التطبيقات البنكية مقابل الكاش بالفائدة. جاء ذلك تنفيذاً لتوجيهات النائب العام، مولانا الفاتح محمد عيسى طيفور، الذي كوَّن فريقاً مشتركاً من المباحث المركزية وشرطة محلية بورتسودان وجهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية لمحاربة الظاهرة.

أسفرت الحملة التي نفّذها الفريق، بحسب سونا، عن ضبط أكثر من خمسين شخصاً اشتُبه في تورّطهم في استبدال النقد عبر التطبيقات المصرفية بالفائدة. فضّلت نيابة مكافحة الثراء الحرام والمشبوه عدم المضيّ قُدماً في الإجراءات القانونية، واكتفت بأخذ تعهّدات منهم بعدم تكرار هذه الممارسات، رغم أنهم مشتبه بهم ولم تثبت إدانتهم بعد، وهذه إشارة إلى أنّ الغرض من ذلك هو التنبيه إلى ظاهرة خطيرة، وأنّ النيابة عاجزة عن تفسير هذه الظاهرة والمضيّ في الإجراءات القانونية. خاطب المشتبهَ بهم كلٌّ من رئيس النيابات المتخصّصة مولانا حسن كباشي، ووكيل أعلى النيابة مولانا بابكر محمود، موضِّحَين المخاطر الاقتصادية المترتّبة على هذا النوع من التعاملات، ومخالفته للقوانين والشريعة الإسلامية.

وأكّدت النيابة العامة في بورتسودان أنها ستواصل الحملات في الفترة القادمة، وستتخذ جميع الإجراءات القانونية حتى يجري القضاء على «هذه الظاهرة الدخيلة».

ما هي الظاهرة التي تريد النيابة محاربتها، وكيف نشأت؟

تأثّرت المصارف بالحرب منذ ساعاتها الأولى، إذ نُهبت مدّخرات الناس، وتعطّلت الأنظمة المصرفية بما في ذلك بنك السودان المركزي؛ الجهة الرقابية على البنوك. إضافة إلى ذلك تعرّضت الممتلكات النقدية للنهب والسرقة، وفقدت العُملة قيمتها تدريجياً، حتى أصبحت هي ذاتها سلعة نادرة يصعب الحصول عليها. كان الحلّ المُنقذ في ذلك الوقت، هو عودة بنك الخرطوم إلى العمل بفاعلية عالية، عبر تطبيقه المصرفي «بنكك». صار تطبيق «بنكك» هو الوسيلة الأكثر فاعلية وكفاءة للبيع والشراء والتحويلات النقدية، ثمّ أصبح ملاذاً آمناً لتحويلات المغتربين. تزايدت أزمة الكاش في السوق وظهرت العملات المُزوَّرة. في الأوقات التي واجهت فيها شبكة الاتصالات مشكلات أخرجتها عن الخدمة، تأثّرت خدمات التطبيقات المصرفية تبعاً لذلك. بحسب تقارير رصَدتها شبكة «أتَـر»، زاد الطلب على الكاش على نحو جليّ أثناء تعطّل خدمة التطبيقات، وتلك هي الفترة التي زاد خلالها انتشار العُملة المزوّرة في السوق. تمتدّ خدمة «بنكك» من بورتسودان إلى أم دافوق في غرب السودان. وهي ضرورة فرضها منطق السوق في الحاجة إلى التبادل التجاري، وإلا توقّفت الحياة.

في أوقات الكوارث تتعطّل منظومة القانون القديمة، وتحلّ محلّها منظومة قانونية أكثر مرونةً واتساعاً لاستيعاب التحولات الطارئة. مثال ذلك الحاجة إلى التعامل مع الكاش. ولم يكن الاقتصاد السوداني مُهيّأً للانتقال إلى خدمة التطبيقات البنكية حتى قيام الحرب، وهناك قطاعات إنتاجية كثيرة ما زالت خارج النظام المصرفي وتتعامل بالكاش. وقد نشأ سوق الكاش من عدم قدرة البنوك على تلبية الطلب، وفي مناطق بعيدة تحوّلت الفائدة إلى أكثر من 40 بالمائة حسب متابعات «أتَـر».

من وجهة النظر القانونية، لا تعلم النيابة مدى المخالفات؛ هل هي في نسبة الفائدة ومفارقتها للأعراف والشريعة الإسلامية؟ أم أن مبدأ بيع الكاش عبر التطبيقات البنكية مخالف للقانون؟

بحسب المحامي محمد المصطفى، فإنّ النيابة قد قبضت على مشتبه بهم، مع صعوبة بالغة في إثبات التهمة، لذلك اكتفت بعدم المضيّ قُدماً في الإجراءات القضائية.

يبدو أنها مشكلة متعلّقة بالسياسات، أكثر من كونها قضية أمنية أو قانونية.

Scroll to Top