غداة نشوب الحرب الدائرة في السودان منذ 15 أبريل 2023، كابد القطاع الزراعي أوقاتاً عصيبة، وتعرّض المزارعون لكثير من وجوه الخسارة، كان فقدان الأمان وانقطاع الطرق ومحدودية القدرة على التسويق أشدّها وطأةً على عمليات الإنتاج وتسويق المنتجات الزراعية داخل البلاد وخارجها. وإنْ تمكّن بعض المزارعين داخل السودان، في المناطق البعيدة نسبياً من دوامة الحرب، من تدبير حال مزارعهم ومحاصيلهم بدرجات نجاح متفاوتة، فقد تعيَّن على مزارعين آخرين أن يَتوجّهوا بمشاريعهم إلى خارج البلاد. من شرق أفريقيا، يروي ثلاثة مزارعين سودانيين لـ«أتَـر» خلاصة تجاربهم الزراعية في رواندا وكينيا ويوغندا.
في رواندا: شروط مُيسّرة ولكن...
بعد أن تحوَّلت الحقول الخصبة في ولاية الجزيرة إلى ساحات مهجورة بسبب الحرب، وجد مهندس تقنية المعلومات والمزارع محمد الدابي، نفسه مجبراً على مغادرة أرضه. لم يكن القرار سهلاً، لكنه لم يجد بديلاً عن الرحيل وبدء نشاطه الزراعي مرةً أُخرى، في دولة رواندا.
وبعد تجربة سنتين من الزراعة في منطقة بوغيسيرا، التي تبعد حوالي 45 كيلومتراً جنوب شرق العاصمة الرواندية كيقالي، يقول الدابي في حديثه لـ«أتَـر»، إنّ رواندا واحدة من أكثر الدول الأفريقية جاذبية للمستثمرين، خاصة في مجال الزراعة؛ فالإجراءات الحكومية لفتح الشركات والحصول على الإقامة بسيطة وسريعة، ولا تستغرق أكثر من بضعة أيام في بعض الأحيان. أما تكلفة الإقامة، فإنها تتراوح بين ما يعادل 150 و200 دولار، وهي تُعَدُّ مُنخفضة مقارنة ببعض الدول الأخرى في المنطقة. إضافة إلى ذلك، يجري تأجير الأراضي الزراعية بعد تقديم المشروع للجنة مُختصّة تقوم بزيارة للمشروع وتمنح الموافقة، ما يُوفّر نوعاً من الشفافية والتنظيم. لكن مع ذلك يقول الدابي إن تكلفة المعيشة في رواندا ليست رخيصة، إذ إن الفرنك الرواندي يعادل حوالي جنيهين سودانيين. ومع ذلك، فإنّ تكلفة السكن تُعدّ منخفضة مقارنة بغيرها من دول شرق أفريقيا مثل كينيا ويوغندا. هذا ما يجعل رواندا خياراً جيداً للمستثمرين الذين يبحثون عن تكاليف معيشة معقولة.
وعن مدى الأمان، يقول الدابي إنّ رواندا تتمتع ببيئة آمنة جداً، إذ تنخفض فيها معدلات الجريمة مُقارنة بغيرها من الدول الأفريقية، والشعب الرواندي مسالم ومتعاون، ما يجعل العيش والعمل في البلاد مريحاً إلى حدّ كبير.
زرعنا محاصيل مختلفة مثل الذرة وبعض الخضروات، إضافة إلى محاصيل أخرى مثل البطاطس والموز والكسافا والفاصوليا، وهي من المحاصيل الأساسية التي يستهلكها السكّان المحليون بكثرة. كذلك جرّبنا زراعة الفول السوداني والفول المصري، لكن واجهنا بعض الصعوبات التي جعلتنا نقارن بين الزراعة في رواندا والزراعة في السودان، وتبيّن لنا أن الأخيرة أكثر تطوّراً وملاءمة للمشاريع الزراعية الكبيرة.
لكن على الرغم من هذه المزايا – يستدرك الدابي – تواجه الزراعة في رواندا تحديات عدة: أولاً، أن رواندا بلد صغير المساحة، والسوق المحلّي محدود، ما يعني أن التركيز يجب أن يكون على المحاصيل التي تُستهلك محلياً، ومع ذلك، فإنّ الإنتاجية ليست عالية كما هو الحال في السودان.
ويصف محمد الدابي تجربته مزارعاً في رواندا بأنها كانت ممتلئة بالتحديات والتعلّم: «زرعنا محاصيل مختلفة مثل الذرة وبعض الخضروات، إضافة إلى محاصيل أخرى مثل البطاطس والموز والكسافا والفاصوليا، وهي من المحاصيل الأساسية التي يستهلكها السكّان المحليون بكثرة. كذلك جرّبنا زراعة الفول السوداني والفول المصري، لكن واجهنا بعض الصعوبات التي جعلتنا نقارن بين الزراعة في رواندا والزراعة في السودان، وتبيّن لنا أن الأخيرة أكثر تطوّراً وملاءمة للمشاريع الزراعية الكبيرة».
ويمضي في سرد المقارنات قائلاً إنّ العمالة الزراعية في رواندا رخيصة جداً، لكنها غير مدرّبة على استخدام التقنيات الزراعية الحديثة، إذ إنّ معظم العمال يَعتمدون على الطرق التقليدية في الزراعة، ما يُؤثّر على جودة المحاصيل وكمياتها. وتعتمد رواندا بشدة على السماد العضوي، بينما يستخدم السودان الأسمدة الكيميائية التي تُساعد على زيادة الإنتاجية إلى حدّ ملحوظ.
ويرصد الدابي واحداً من أكبر التحديات التي تواجه رواندا وتحدّ من قدرتها على تسويق المنتجات الزراعية، وهو افتقارها إلى ميناء بحري، لأن ذلك يزيد من تكلفة التصدير ويحدّ من فرص التوسّع في الأسواق الخارجية. إضافة إلى ذلك، فإن عدد الطائرات العاملة في مجال النقل محدود، ما يزيد من التحديات اللوجستية ويجعل عملية نقل البضائع أكثر تعقيداً.
عند مقارنة رواندا بالسودان، يُلاحظ الدابي أنّ السودان يتمتّع بمساحات زراعية شاسعة وإنتاج ضخم وخبرات زراعية كبيرة، وأنّ المواسم الزراعية في السودان معروفة وواضحة، ما يُسهّل التخطيط للزراعة. أما في رواندا فالمواسم مختلفة، وقد تكون غريبة على المزارعين، ما يجعل عملية الزراعة أكثر صعوبة.
ملتفتاً إلى مدى ما تقدّمه حكومتا البلدين من دعم للمزارعين، يُشير الدابي إلى أن الحكومة السودانية تُوفِّر التقاوي بأسعار مُخفَّضة للمزارعين المسجّلين في اتحاد المزارعين، وهو دعم يشجع على الزراعة ويزيد من الإنتاجية؛ بينما توفر رواندا بعض الدعم للمزارعين المحليّين، لكنّ المستثمرين الأجانب لا يحصلون على مستوى الدعم ذاته.
«بناءً على ملاحظاتي خلال السنتين الماضيتين، خلصتُ إلى أنّ تجربة الزراعة في رواندا سلبية مقارنة بالسودان»، يقول الدابي ومن ثمّ يمضي في مقارنته: «رواندا توفر بيئة آمنة وسهولة في الإجراءات، لكنها تعاني من تحديات كبيرة في مجال الزراعة، خاصة فيما يتعلق بالإنتاجية والتسويق والتصدير. من ناحية أخرى، يظل السودان خياراً أفضل للمشاريع الزراعية الكبيرة بسبب مساحاته الشاسعة، والخبرات الزراعية، ودعم الحكومة».
في كينيا: سوق واسع ونشط
من حيث الأرباح، يؤكّد سر الختم أن العائد من المنتجات الزراعية في كينيا مرتفع مقارنة بالسودان، وذلك بسبب ارتفاع الطلب المحلي والإقليمي على المنتجات الزراعية، إضافة إلى إمكانية التصدير إلى الأسواق المجاورة بسهولة.
تُعدّ الزراعة في كينيا إحدى الركائز الأساسية لاقتصاد البلاد، إذ تُسهم بما يُقارب 25% من الناتج المحلي الإجمالي بفضل تنوعها المناخي والجُغرافي وتنوع محاصيلها الزراعية.
يحكي دكتور هاشم سر الختم مُتحدثاً لـ«أتر» عن تجربته الزراعية في مقاطعة كاجادو التي تبعد 80 كيلومتراً جنوب العاصمة الكينية نيروبي: «بعد الحرب، لم يكن أمامي خيار سوى البحث عن فرص استثمارية جديدة، وكان الاتجاه نحو شرق إفريقيا هو الخيار الأفضل. بعد دراسة متأنية أجريتها خلال جولة بحثية شملت كينيا، رواندا، يوغندا، وتنزانيا، وجدت أن كينيا هي الخيار الأمثل للاستثمار الزراعي نظراً لموقعها الاستراتيجي، وخصوبة أراضيها، وتوفر العمالة المؤهلة بأسعار مناسبة».
ويقول سر الختم إن عملية تسجيل الشركة في كينيا واضحة وسريعة نسبياً، إذ تستغرق حوالي أسبوع بتكلفة 200 دولار. أما تملُّك الأراضي الزراعية، فهو مختلف عن السودان، إذ إنّ معظم الأراضي في كينيا مملوكة للدولة بصيغة «الملكية الحرة»، ولا يمكن تملُّكها مباشرة إلا عبر شركة، على أن يكون أحد المساهمين كينيّاً بنسبة لا تقل عن 51%؛ لكن المستثمرين غالباً ما يعتمدون على خيار «الحكر» الذي يُتيح استئجار الأرض لمدة تصل إلى 99 سنة.
أما من ناحية التمويل البنكي، فإنّ الاستثمارات الزراعية في كينيا تواجه بعض التحديات، خاصة في ما يتعلق بالتمويل، لأنّ القوانين البنكية تفرض على المستثمر أن يكون لديه حساب بنكي مفتوح لمدة لا تقل عن سنة قبل التقديم لأي تمويل، وبعد ذلك يجري تقييم الطلب من قِبل لجنة مختصة. لذا، من الضروري أن يكون لدى المستثمر رأس مال كافٍ للبدء دون الاعتماد على التمويل البنكي في المراحل الأولى.
ومن ناحية تكاليف الإيجار ودعم الحكومة، تختلف أسعار إيجار الأراضي الزراعية حسب توفر المياه في المنطقة، وتتراوح بين 40 دولاراً للفدان في الموسم إلى 500 دولار في المناطق ذات المصادر المائية الوفيرة. يقول سر الختم إن الحكومة الكينية لا تقدم دعماً مباشراً للمشاريع الزراعية الصغيرة، لكنها تعمل حالياً على إقرار سياسات لدعم المشاريع الزراعية الكبيرة، تشمل توفير أراضٍ بأسعار رمزية لجذب الاستثمارات.
ويصف سر الختم العمالة الزراعية في كينيا بأنها متعلّمة ورخيصة مقارنة بالسودان، ما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية. إضافةً إلى ذلك، فإن خصوبة التربة تُساعد في تحقيق إنتاجية أعلى، ما يجعل العائد من الاستثمار في القطاع الزراعي مُجزياً للغاية.
يقع مشروع سر الختم ضمن منطقة تسكنها قبيلة الماساي، وقد وجد ترحيباً وتعاوناً من السكّان المحليين، خاصة بعد تقديم بعض المساعدات لهم، لكن في المقابل تُعاني هذه المنطقة من شُحّ في المياه، لذلك اضطر إلى حفر بئر، وسمح للسّكان بسقاية حيواناتهم منها. «لقد شاركناهم في أفراحهم وأتراحهم وهو ما ساعد في بناء علاقات إيجابية معهم»، يقول سر الختم.
من حيث الأرباح، يؤكّد سر الختم أن العائد من المنتجات الزراعية في كينيا مرتفع مقارنة بالسودان، وذلك بسبب ارتفاع الطلب المحلي والإقليمي على المنتجات الزراعية، إضافة إلى إمكانية التصدير إلى الأسواق المجاورة بسهولة.
في يوغندا: تكاليف مُنخفضة
تعكس تجربة محمد عبد الغني في يوغندا واقعاً متبايناً بين الفرص والتحديات التي تواجه المزارعين في شرق أفريقيا بالمقارنة مع السودان. يقول مُتحدثاً لـ«أتَـر»، إن تكلفة تأجير الأراضي في يوغندا مرتفعة جداً مُقارنةً بالسودان، إذ تصل تكلفة تأجير الهكتار الواحد في يوغندا إلى 22 دولاراً، بينما كانت في السودان لا تتجاوز 5 دولارات للموسم المطري. ويُضيف أنّ تأجير الأراضي الزراعية لا يحتاج إلى تسجيل شركة أو عمل إقامة استثمارية لممارسة النشاط الزراعي.
أما من حيث التقنيات الزراعية والإرشاد في السودان، فإنّ هناك شركات استشارية زراعية تقدم تقنيات حديثة وإرشادات للمزارعين، بينما في يوغندا، تعتمد الحكومة على لجان زراعية تُتابع فقط المساحات الصغيرة المملوكة للسكان المحليين. يقول عبد الغني إن هذا الأمر يمثل تحدياً كبيراً للمستثمرين والمزارعين غير المحليين، إذ يَضطرون للاعتماد على خبراتهم الذاتية أو استقدام تقنيات من الخارج.
رغم أن يوغندا توفر فرصاً للمزارعين بفضل وفرة الأراضي، إلا أن ضعف التقنيات والتمويل يجعلها بيئة صعبة للاستثمار الزراعي دون رأس مال كبير لتغطية التحديات.
وفي جانب التمويل والبنية التحتية الزراعية، يقول عبد الغني إن غياب التمويل يمثل عائقاً مشتركاً بين السودان ويوغندا، لكنه أشدّ حدةً في يوغندا، حيث لا توجد مؤسسات مالية متخصصة تدعم المزارعين بسهولة، ولا يوجد نظام قروض زراعية؛ فضلاً عن أن الزراعة في يوغندا تعتمد على الري المطري، ما يجعل الإنتاج الزراعي عرضة لمخاطر التغيرات المناخية.
وذكر عبد الغني تعرُّضَ كثير من المزارعين لخسائر كبيرة وضعف الإنتاجية، خاصة من يزرعون الذرة والفاصوليا الحمراء والفول، بسبب ضعف التقنيات الزراعية، فضلاً عن أن معدلات الإنتاج الزراعي في يوغندا منخفضة جداً، مقارنةً بما يمكن تحقيقه في السودان باستخدام التقنيات الحديثة.
مؤخراً تجمَّع عدد من المزارعين السودانيين في يوغندا لتكوين ما يشبه الاتحاد لنقل الخبرات في ما بينهم والمساعدة في تمويل نشاطات صغار المزارعين.
يقول عبد الغني: «رغم أن يوغندا توفر فرصاً للمزارعين بفضل وفرة الأراضي، إلا أن ضعف التقنيات والتمويل يجعلها بيئة صعبة للاستثمار الزراعي دون رأس مال كبير لتغطية التحديات».
تعكس هذه التجاربُ الوضعَ العام للاستثمار الزراعي في دول شرق أفريقيا: كينيا مُناسِبة للمستثمرين الذين يبحثون عن سوق واسع ونشط وبُنية تحتية جيدة؛ أما يوغندا فهي مثالية للمزارعين الذين يبحثون عن تكاليف مُنخفضة، بينما تناسب رواندا المستثمرين من ناحية سهولة الحصول على الأراضي والبيئة مُستقرة.
| الدولة | المحصول | التنظيف للهكتار (دولار) | الحرث (دولار) | التقاوى (دولار) |
| رواندا | الذرة الشامية | 40-80 | 70-110 | 40-90 |
| البطاطس | 40-80 | 70-110 | 250-400 | |
| الفاصوليا | 40-80 | 70-110 | 80-150 | |
| كينيا | الذرة الشامية | 50-70 | 80-120 | 50-100 |
| البطاطس | 50-70 | 80-120 | 300-500 | |
| الفاصوليا | 50-70 | 80-120 | 100-200 | |
| يوغندا | الذرة الشامية | 30-80 | 60-120 | 30-100 |
| البطاطس | 30-80 | 60-120 | 200-350 | |
| الفاصوليا | 30-80 | 60-120 | 60-120 |



