وُلد حسن موسى في مدينة النهود بغرب كردفان عام 1951، ونمّى في سنوات يفاعه إرثاً ثقافياً غنيّاً ينهل من مختلف الثقافات والمصادر، وتمكّن من دمجه ببراعة في فنّه، مُزاوِجاً بين التأثيرات الأفريقية والشرقية والغربية. بعد أن تدرَّب في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في الخرطوم (1974)، وحصل لاحقاً على درجة الدكتوراة في في الفنون الجميلة وتاريخ الفن في جامعة مونبلييه الفرنسية (1989)، طوَّر ممارسة فنية متعدّدة الأوجه تشمل الرسم والخطّ العربيّ والمنسوجات والفن الأدائي. وهو زميل فخريّ في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن (2022).
تتّسم أعماله بتعقيدها البصري وعمقها المفاهيمي، وتستكشف موضوعات مثل الهوية والتاريخ الاستعماري وديناميكيات القوة العالمية. وبينما هي متجذّرة بعمق في تجربته الشخصية والثقافية، فإنّ أعماله تتناول أسئلة عالمية تلامس جمهوراً متنوّعاً، وقد عُرضت في مؤسّسات مرموقة مثل مركز بومبيدو والمتحف البريطاني ومتحف المتروبوليتان للفنون.
كنتَ في السودان قبل الحرب بأسابيع. ماذا رأيت؟
غادرتُ الخرطوم قبل الحرب بأسابيع قليلة، لكن من متابعتي للسياسة السودانية توقّعت أن ينفجر الخلاف بين العسكر، وعلى الرغم من ذلك لم أتوقّع أن تنفجر المُنازعة السياسيّة بين الجيش والدعم السريع على هذا النحو. وهذا انطباع أول بريء ومبنيّ على خبرتي السابقة بالعنف السياسي في السودان، وهي خبرة اعتمدَتْ على ما كنتُ أعرفه عن مختلف الحروب السودانيّة في الجنوب ودارفور وجنوب كردفان، وهي حروب بعيدة جغرافيّاً عن العاصمة. أما أن تندلع الحرب في الخرطوم فهذا ما لم يتوقّعه أغلب سكان الحواضر. وحتى حين انفجر العنف في العاصمة، كنتُ أتصوّر أنه سينقضي خلال أسبوع أو أسبوعين شأن المنازعات التي حصلت في الخرطوم بين نظام نميري والأنصار في ودنوباوي 1970، وحركة 19 يوليو 1971، وحركة حسن حسين في 1976. وبراءة انطباعي الأول مصدرها غفلتي عن الواقع المستجدّ الذي مَسَخ السودان إلى قطعة مهمّة في جيوبوليتيك الشرق الأوسط. بدءاً من اللحظة التي دخل فيها نظام الإسلاميين في أحلاف سياسية مع بلدان الشرق الأوسط، صار الشأن السياسي في السودان يفيض عن سعة المصطلح السياسي السوداني القديم، لأنّ الفُرقاء السياسيّين السودانيّين انمسخوا إلى ممثّلين لكُفلاء شرق أوسطيّين يُمْلون عليهم أجندة سياسية واستراتيجية تتجاوز الأفق المحلي لأهل السودان. بذلك لم تعد المنازعة السودانية شأناً يخصّ السودانيين وحدهم، وهذا الواقع يزجّ بأهل السودان في مشهد جديد، هو مشهد صراع طبقات زمن العولمة. ولو تأمّلنا في مطلب المعتصِمين الذي يبدو بسيطاً في المطالبة بنظام مدني: «مدنياااو»، فسوف نتوصّل بسرعة إلى أنّ هذا المطلب ينطرح في منظور المدّ الديمقراطي الذي انبعث مع حركات الربيع العربي التي زعزعت وُلاة الأمور في العالم كله. وإذا بدا مطلب «الديمقراطية» بدهيّاً في منظور الشروط السياسية لبلدان الغرب الأوروبوأمريكي، فإنه يصبح كابوساً مخيفاً لمجمل الأنظمة السياسية الشرق أوسطيّة والأفريقيّة، ويكفي أن نتأمّل في نوع الأنظمة السياسية المجاوِرة للسودان أو تلك التي لها مصالح اقتصاديّة «مذنبة» في السودان لنفهم كيف أنّ تعبير «مدنياو» البسيط قد انطوى على برنامج سياسيّ مُخيف ومطالب أرعبت الجميع.
كيف تأثّرتَ بالحرب على صعيد شخصي؟
مثل جميع السودانيين، عشتُ جلّ عمري بعيداً عن الحرب. وكنا نسمع بحرب الجنوب لأنّ بعض المعارف والأقارب عاشوا في المناطق التي شهدت ما كانت تُعرَف بـ«مشكلة الجنوب» أو حتى شاركوا فيها بطريقة أو بأخرى. لم أكن متأثراً بالحرب إلا بوصفها موضوعاً للمناقشة السياسية، بخاصة بعد ثورة أكتوبر 1964 التي تفجّرت على إثر ندوة عن حرب الجنوب في جامعة الخرطوم. لكن الحرب الأخيرة حدثت في الخرطوم ومدن الوسط حيث أهلي ومعارفي وأصدقائي، وحين أنظر في آثارها تدركني حالة من الإحباط والحزن العميق لأنّها فُرضت على الشعب السوداني بمشيئة المُسلَّحين المُرتزَقين من خَدَمة مصالح بعض القوى الدولية. وقد ألهمتني هذه الحرب أن أعيد النظر في مفاهيم «الوطن» و«الدولة» و«الهوية» و«الذاكرة».
هل يمكن مناهضة الحرب بالفنّ؟
إذا كنتِ تقصدين «الفنّ» في معناه الضيّق المُتعلّق بمُمارسات التصاوير أو التصاويت وجماليات الكَلِم الطيب، فالفن بلا حيلة أمام أهل السلاح الناري. أما إذا كنتِ تقصدين الفنّ في معناه الواسع، فلا يمكن مناهضة الحرب إلا بـ«فنّ الحرب». ومفهوم «فن الحرب» يقتضي اعتماد الحرب في خاطر الناس باعتبارها واقعاً مُعَاشاً لا فكاك منه، بما يجعل حالة الحرب هي القاعدة التي نستخرج منها «حالة السلام» كخلق استثنائي («خلق» في مدلول الإبداع الإنساني). وتبقى مهمّة المجتمع «الحربي» هي صيانة «حالة السلام» بشتّى الوسائل ولأطول مدة ممكنة. وفي الواقع الاجتماعي التناحريّ الموسوم بديمومة تناقض المصالح بين الفرقاء، فالحرب هي المصيبة المعلّقة بسبيبة فوق رأس المجتمع. والحرب تُورث الموت، ومع الموت لا يُجدي أيّ عزاء، سواءٌ أتمَّ باسم الفنّ أم باسم الوطنية الباسلة أم بأيّ اسم آخر. ربما لهذا السبب يلجأ الناس إلى الاعتقاد الديني الذي يمنحهم الطمأنينة أمام لغز الموت الرهيب. وبين أهل العقيدة الدينية من يسارع إلى الحرب ليطلب الموت طمعاً في جوائز «الشهادة» التي تنتظر المؤمن في الحياة الأخرى.
من وجهةٍ أخرى، ماذا عن استخدام الفنون في تأجيج الصراع؟ وما مدى تأثير ذلك عليها؟
استخدام الفنّ لأيّ غرض يندرج في صناعة التعبئة والتحفيز الجمعيّ، وهو ما يُسمّى «بروباغندا». لكن، في ظروف الحرب الطبقية المُستعرة، لا بدّ من الفرز بين بروباغندا الأعداء الطبقيّين وبروباغاندا الأصدقاء الطبقيّين. وهذا يجعل من الفنّ أحد روافع صراع الطبقات. أي لم يعد هناك «فن ساكت»، في معنى فنّ غايته التعبير الجمالي الصرف. في عملي الفني، عندما أستيقظ صباحاً وأجلس إلى طاولة الرسم، لا تخطر ببالي المساهمة في المنازعة الطبقية الجارية، لأنّ ما يحفزني على مباشرة الرسم هو كيفية استنباط الحلّ المُناسب لمشكلات المعالجة الفنية بين معطيات الخامات والأدوات ومفاهيم تقليد الفنّ التي ثبّتها التاريخ. لكني، وأنا أرسم، لا أغفل لحظةً عن كوني ضالعاً في العالم الحقيقيّ بجميع مشكلاته ووسائل التواصل الكثيرة لا تني تُذكّرني بأني موجود في العالم العامر بالمشكلات. نعم، لم ينقطع الفنّ يوماً عن فعل «الاستخدام» السياسي، ولا أظنّه سينقطع في المستقبل، ما دُمنا نحيَا تحت شروط تُناقض المصالح الطبقيّة. والحرب تؤثّر على الفنون وعلى جميع جوانب الحياة، وقد تؤدّي إلى انقطاع بعض الأنشطة الفنية حتى يتمكّن الفنان «ود ابنادَم الغلّب الهدّاي» من التوصّل إلى أشكال جديدة في التعبير الفني تعوِّض الأشكال التي أبطلتها الحرب. وسواءٌ أكان إزاء الحروب أم الثورات، فإنّ الفنّ لا يكون إلا ثورة على طرائق التعبير القديمة التي فقدت ضرورتها، مثلما أن التغيير هو غاية الثورة في مبدئهاـ وثورات السودانيين (في أكتوبر 1964 ضد نظام الفريق عبود، وفي 1985 ضد نظام الفريق نميري، وفي 2018 ضد نظام الفريق البشير)؛ كانت كلّها محفّزات للفنانين السودانيين لاختراع أشكال تعبيرية جديدة في الأدب وفنون التصاوير وفنون التصاويت. والفنّان الذي تحاصره الحرب ينجح دائماً في تدبُّر أدواته الجمالية ليواصل فنّه ضد الشروط التي أدّت إلى الحرب. ومَن يتأمّل في حركة المبدعين السودانيّين الناشطين بفنّهم ضد الحرب، يجد نماذج مشرّفة في حواضر النزوح في دول الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا.
هل شاركتَ في معارض بعد الحرب؟
بحكم وجودي بعيداً عن الفضاء الذي تدور فيه حرب السودان، أعرض أعمالي وأشارك في معارض جماعية في مختلف أنحاء العالم. في هذه الأيام، انتهى معرضي الفردي «صورة ذاتية مع أفكار ملوّنة» في صالة Galerie Maia Muller في باريس، لكني أشارك في معرض جماعي في مركز جورج بومبيدو بباريس موضوعه «باريس السوداء» Paris Noir.
كيف شكّلَتك مدينة الأبيّض فنّاناً ومُثقّفاً؟
لمدينة الأبيّض دَورٌ كبير في تشكيل وعيي وتجربتي الفنية. وقد كانت حينها، في ستينيات القرن العشرين، بعيدةً عن الخرطوم وتُعاني من عزلة جغرافية بخاصة في فصل الخريف، إذ ينقطع القطار أحياناً لأسابيع، ولم تكن الطائرة تأتي إليها كل يوم. كنّا نشتري الجرائد التي تصل إلى الأبيض في نهاية الأسبوع، وكنّا مضطرّين لشراء أعداد الأيام الماضية مع آخر عدد. مكّنت عزلة الأبيّض أهلها من تطوير نمط حياة ثقافية خاصّ بهم، فكأّنهم أداروا ظهورهم لما يحدث في العاصمة البعيدة، وبنوا نهضتهم الثقافية بالعون الذاتي. وقد تعلمت «فكّ الخطّ» في جريدة «كردفان» وأنا في السابعة، لأنها كانت المادة المطبوعة المتوفرة صباح الجمعة ومساء الاثنين، وكانت هي جريدة المدينة. كنتُ أقرأ على صفحاتها «يومية التحرّي»، وهي مخصّصة للحوادث من نوع فلان ضرب فلان بسكين في شَكْلة في الإنْدَاية، أو لوري انقلب بين الأبيّض والدلَنْج، وغير ذلك. لكنّ الأبيّض كانت بالنسبة لي أيضاً «مكتبة البلدية»، وهي مكتبة عامّة عامرة بكلّ ما لذّ وطاب، وأظنّ أنني كنتُ سأموت من الضجر لو لم تنقذني مكتبة البلدية من سأم العطلات المدرسية الطويلة. قرأتُ روايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإحسان عبد القدوس وهمنغواي وفوكنر وألكسندر دوماس، وحتى بعض كتّاب الهند والصين في ترجمات كانت تأتي إلينا من بيروت والقاهرة. قصاد مكتبة البلدية، كان هناك نادي الخرّيجين، حيث استمعت إلى الشاعر نزار قباني الذي زارنا في الأبيض وقرأ لنا «هوامش على دفتر النكسة» في 1967، ووراء نادي الخرّيجين كانت هناك «فرقة فنون كردفان» التي كان الموسيقار جمعة جابر يسهر فيها على تعليم الشباب نوع الغناء الكردفاني الذي لا يشبه غناء فنّاني الإذاعة السودانية، ومن تلاميذه حينها ناس عبد الرحمن عبد الله، وعبد القادر سالم، وإبراهيم موسى أبّا، الذين صاروا لاحقاً مطربين وموسيقيين كباراً. وكان عثمان موسى شقيقي الأكبر عضواً نشيطاً في الحزب الشيوعي وفي فرقة فنون كردفان، وقد شجّعني على متابعة دروس الموسيقى في فصلٍ ابتدرَه جمعة جابر في نادي العمّال بالأبيّض. وفي هذا الفصل جلستُ إلى جانب عبد الرحمن عبد الله وعبد القادر سالم، وأنا في السادسة عشرة من عمري، لكنّ «صاحب بالين كَتَّاب»، وجرَفني شغف الرسم بعيداً عن الموسيقى للأسف. أوّل مَعارضي كانت في دار فرقة فنون كردفان في نهاية الستينيات.
نماذج من أعمال حسن موسى وتعليقاته عليها
المصدر: الموقع الرسمي للفنّان
«بندقية الكلاشنكوف (AK-47) هي واحدة من تلك الأشياء التي اكتسبت قيمة رمزية في سياق النضال ضد الاستعمار والسيطرة الاستعمارية. وعندما أضمّنها في رسمتي إلى جانب هذه الشابّة، فإنها ترمز إلى أنها قادرة على قلب ديناميكيات الغواية الاستعمارية إلى شيء آخر، لأنّ الغواية الاستعمارية تقوم على الهيمنة. إنها تهيمن على البلاد والأراضي والشعوب وتنتهك كل شيء. من اللحظة التي يمتلك فيها الشعب المُسيطَر عليه هذا الشيء «السحري»، يمكنه قلب ديناميكيات القوة أو تغيير ميزان القوى، ما يخلق وضعاً جديداً قد لا تستطيع جماليات الاستعمار تحمُّله». – حسن موسى.
«يقتضي الأمرُ معجزةً لعبور الصحراء إلى الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسّط، لكن عندما تكون هناك، فإنك في حاجة إلى معجزة أخرى لعبور البحر والوصول إلى لامبيدوزا. وحالَما تصل إلى لامبيدوزا، فإنك في حاجة إلى جميع معجزات الكتاب المقدّس للنجاة من البيروقراطية الأوروبية.
تُصنِّف السُّلطات الأوروبية اللاجئين إلى فئتين: طالبي اللجوء السياسي الذين يُعدّون (لاجئين صالحين)، واللاجئين الاقتصاديين الذين يجري تجريمهم منهجياً و(إعادتهم قسراً) إلى الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط. قريباً، سيتعيّن على أوروبا أن تتعامل مع فئة ثالثة: لاجئو المناخ الذين تتعذّر (إعادتهم قسراً) إلى أي ساحل! العالَم ملكٌ للجميع». – حسن موسى.
«القدّيسون يساعدون، وينقذون، ويفعلون كثيراً من الأمور غير ذلك. أحياناً يكونون إيجابيين، وأحياناً أخرى يكون دَورهم/قِصّتهم أكثر غموضاً. بالنسبة لي، هم شخصيات مثيرة للاهتمام بسبب القيم الرمزية القوية التي يجسّدونها». – حسن موسى.
«عملي هو صناعة الصّور، وقد شققتُ طريقي عبر عالم الخطّاطين لأنني وجدتُ هناك نوعاً من الصّور غير الموجودة في أي مكان آخر. قد يبدو عملي كأنه من أعمال فنّ الخطّ، لأنني أستخدم أدواته وأساليبه، لكني مهتمّ بفعل الكتابة كنوع من الرسم، وليس بمعنى (الكلمة المكتوبة). إنّ فعل الكتابة، بالنسبة لي، بعيد كلّ البعد عن صناعة (كلمة مكتوبة). وأعتقد أنّ تدريبي كرسّام ألهمني موقفاً غير تقليديّ تجاه فنّ الكتابة الجميلة. كانت هذه الحرية، وما زالت، شبه محرّمة على الخطاطين التقليديين الذين دُرِّبوا على تبجيل ما يُسمَّى التقاليد. لم تهدف استكشافاتي الفنّية في الخطّ العربي إلى إحداث ثورة أو أي شيء من هذا القبيل! إنما هي شواهد على فضولي تجاه فعل الكتابة، الذي أعتبره الشكل الأكثر شيوعاً لصناعة الصور». – حسن موسى.



