أتر

نـوتـة من عِـلْـم الكُونِكا (20)

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية الفنانة مروة الدولية

لا يقوم دليلٌ قاطعٌ على أنّ المرحوم كارل ماركس اطَّلَع باستفاضة على التاريخ الاستشراقي المبكّر للجزيرة العربية وفارس، وكان المصدرُ العُمدة في عصره عالِم الرياضيات والخَرَّاط الرَّحّالة الألماني كارستن نيبوهر (1733-1815)، مؤلِّف «وصف الجزيرة العربية» (كوبنهاغن، 1772) و«رحلات في الجزيرة العربية والبلاد المجاورة» في ثلاثة أجزاء (كوبنهاغن، 1774، 1778؛ هامبورغ، 1837). كان نيبوهر، الناجي الوحيد من البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية (1761-1767)، مَوئل المثقّف الغربي في التعرُّف على الشرق الحيّ خَلا حكاوي «ألف ليلة وليلة». لكنْ ثمّة دليلٌ ظرفيٌّ على أن المرحوم ماركس قرأ نيبوهر وانتفع بهذه القراءة في شُغله الصحفي، فقد سكَنَ كتابُ نيبوهر المكتبةَ البريطانية في لندن التي استوطنها ماركس بدَوره محلَّ عمل، ورشحت أصداء ربّما من هذه القراءة في مقالاتٍ كتبها لجريدة «نيويورك ديلي تربيون» منها «الحرب على فارس»، ع 4937 بتاريخ 14 فبراير 1857 (ضمن كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأعمال الكاملة»، م 15، لورنس ووشرت، لندن، 1979، م ص 177-180).

ضَمّ مقال المرحوم ماركس عن الحرب البريطانية الفارسية (نوفمبر 1856 – أبريل 1857) رصداً لنشأة الإمبراطورية الصفوية (1502) وتمرُّد الأقاليم الأفغانية شرقها حوالي 1720، ثمّ سيطرة الأمراء الأفغان على العرش لسنوات قليلة، حتى نجاح قائد جيش فارس نادر شاه في توحيد البلاد تحت إمرته وغزوه الهند، ثمّ التدهور الداخلي في فارس الذي أعقب اغتيال نادر شاه في 1747 وقيام مملكة مستقلّة للأفغان سرعان ما انهارت بالنزاعات الداخلية. ردّ المرحوم ماركس، مُعتَمِداً في الغالب على نيبوهر، جانباً من الصراع المُزمن بين الفرس والأفغان إلى التنازع على أقاليم حدودية منها هيرات؛ موضوع الحرب البريطانية الفارسية، وعاملَي العِرق والدِّين، فالأفغان «سُنّة على العقيدة المحمدية المُحافِظة، وفارس قلعة الشيعة المنشّقين». وماركس «ملك الاستدراك» كقولك «ملك الكيف»، سرعان ما عقَّب على نفسه بأنَّ ما يُفرِّق بين الأفغان والفرس لا يَحُول دون اجتماعهما ضدّ عدوّهما المشترك؛ روسيا الإمبراطورية.

غزَت روسيا الإمبراطورية فارس في عصر بطرس الأكبر (1682-1725)، ثمّ في عصر ألكساندر الأول (1801-1825) وقضمت من فارس القاجارية أقاليمَها الشمالية الغربية جنوب القوقاز، ومنها داغستان وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا، بموجب معاهدة كلستان (24 أكتوبر 1813) التي انتهت بها الحرب الروسية الفارسية الرابعة (1804-1813)، ثمّ استولى نيكولاس الأول (1825-1855)، المنتصر في الحرب الروسية الإيرانية الخامسة (1826-1828)، على المتبقّي من الأقاليم الفارسية شمال نهر آراس، وأغلق أمام فارس المهزومة ساحل بحر قزوين، ثمّ فرَضَ عليها، بموجب معاهدة تركمانجاي (10 فبراير 1828) أن تفتح حدودَها للقناصل الروس كيفما اتفق؛ وأسواقَها للبضاعة الروسية، وأن تعوّض روسيا على حربها، نقداً وعدّاً، 20 مليون روبل فضّي. صَعَّد هذا الإذلال من الشعور المُعادي لروسيا في إيران، فاقتحم جمهورٌ غاضبٌ في 11 فبراير 1829 السفارةَ الروسية في طهران وقتَل كلَّ من بداخلها بما في ذلك السفير حديث التعيين ألكساندر غريبويدوف. لم يَقْوَ الشاه الثاني للدولة القاجارية، فتح علي شاه، على مثل هذه «المقاومة» الانتحارية للروس، فسارَعَ بالاعتذار لقيصر روسيا نيكولاس الأول، وأرسَل حفيدَه خسرو ميرزا إلى البلاط الروسي في سانت بطرسبرغ حاملاً «ماسة العرش» التي تعود إلى العام 1450 هديّةً سَنيّة. ظلّت الماسة الشهيرة محفوظةً في غرفة الماس في قصر الشتاء حتى اقتحمه العوامّ في ثورة 1917، ونقَلَها البلاشفة إلى موسكو حيث ظلّت ضمن معروضات الكرملين حتى يوم الناس هذا. أما الأفغان، وإنْ لم يخوضوا حروباً مباشِرةً مع الروس فقد استقرّ عندَهم، ممّا شهدوا، سوءُ الظنّ بأعداء الدِّين هؤلاء وأطماعهم التوسعيّة.

استخلص المرحوم ماركس من هذا التاريخ أنَّ كُلاً من الروس والأفغان قد وجدوا حافزاً لاعتبار بريطانيا حليفتهما الطبيعية في مقابل العدوّ الروسي المُشترك، بينما وجدت بريطانيا مدخلاً ماكراً لتمارس دَور الوسيط الرؤوف بين فارس وأفغانستان من جهة؛ والنصير المأمون ضدّ العدوّ الروسي من جهة أخرى. مات فتح علي شاه في العام 1834، وورث العرشَ حفيدُه محمد ميرزا بدعم روسي بريطاني مزدوج، بعد منافسة مع أعمامه حسين علي ميرزا وعلي ميرزا ظِلّ السلطان، متفوّقاً عليهما بفضل المال البريطاني والضبّاط البريطانيين. عزم الشاه الجديد، ما أن استقرّ له الأمر، على استعادة السيطرة الفارسية على هيرات، وكانت مركزاً تجارياً عظيماً تمرَّد سادتُه على طهران في التاريخ القريب منذ 1816 ورفضوا دفع الإتاوة. فسَّرَت السُّلطات الاستعمارية البريطانية في الهند، والمبعوثون البريطانيون العديدون إلى طهران، الإرادةَ الفارسيةَ لاستعادة هيرات مؤامرةً دبَّرها البلاط الروسي لدفع نفوذه شرقاً، كوسيلة لفتح طريق يدخل به الجيش الروسي في يومٍ موعودٍ إلى الهند.

عقد الشاهُ الجديدُ الأمرَ، ودفع بجيوشه نحو أفغانستان في سبتمبر 1837، فحاصرت قوّاتُه هيرات تحت إشراف مباشر من السفير الروسي إلى بلاط فارس، الكاونت سيمونيتش. هذا بينما تعطّلت السياسة البريطانية بتوجيهاتٍ مُتضاربة. أمَر وزيرُ الخارجية بالمرستون السفيرَ البريطاني إلى طهران مكنيل بألّا يحشر أنفه في المسألة، بينما كان رأيُ حاكم عام الهند، اللورد أوكلاند، أنّ الخطرَ عظيمٌ ويجب إثناء الشاه عن مُغامرته. بلغ هذا الارتباك مبلغاً بعيداً بسَحْب حاكم عام الهند للضباط البريطانيّين في جيش فارس، ثمّ قرار الخارجية إعادتهم على دورتين. كان حلّ مكنيل لورطته المهنية، أنْ قدَّم نفسَه وسيطاً بين فارس وأمراء هيرات، ليس باسْم بريطانيا وإنما باسْم الهند البريطانية.

طالَ الحصارُ الفارسيّ لهيرات، ولمّا بلغ تسعة أشهر أرسل بالمرستون إلى البلاط الفارسي إنذاراً شديد اللهجة يُندِّد فيه بالصِّلة التآمُرية بين فارس وروسيا، هذا بينما بعثت السُّلطات البريطانية في الهند أسطولاً حربيّاً إلى الخليج الفارسي سيطر على جزيرة الخرج قبالة بوشهر. تحوَّل الأمر إلى مواجهة علنيّة بين فارس وبريطانيا. انتقل السفير البريطاني إلى بلاط فارس من العاصمة طهران إلى أرض روم، شرق الأناضول، على سبيل الاحتجاج، ومنعت بريطانيا دخول سفير فارس إلى أراضيها. صمَدت هيرات بعونٍ بريطانيٍّ في وجه الحصار الفارسي حتى انكسَر، وعاد جيش فارس أدراجه في منتصف أغسطس 1838. لم تَقبَل بريطانيا بهذه النهاية فقرّرت احتلال أفغانستان مباشرةً؛ صدّاً للتهديد الروسي لطريق الهند، وتورَّطت بذلك في حرب استنزاف استمرَّت حتى 1842، وانتهت بخسارة بريطانية عظيمة بعد انتصارٍ كَذُوب. احتلَّت قوّة مزدوجة من الجيش البريطاني ومليشيا شركة الهند الشرقية كابول في 1839 لتواجه ثورةً شعبيةً في نوفمبر 1841 أجبرَت القوّات الغازية على انسحابٍ مرتبكٍ أوَّلَ العام 1842. واجَهَت هذه القوّات في طريق انسحابها من كابول إلى جلال أباد هجماتٍ متتاليةً من المقاوِمين الأفغان حتى لم يَبْقَ على قيد الحياة، من 16 ألف جندي (وفيهم 4500 من جنود الجيش البريطاني)، سوى خواجه وحيد، مساعد الجرّاح وليم برايدون، وصَل إلى جلال أباد بكرامة البليلة. دشّنت هذه الحربُ الفصلَ الأوّل من «اللعبة العظمى»؛ سلسلة المؤامرات والحروب التي كان موضوعها التنافس الروسي – البريطاني على النفوذ والسيطرة في فارس وآسيا الوسطى.

فتح المرحوم ماركس شهيةَ القارئة لفحص الحرب البريطانية الفارسية (نوفمبر 1856 – أبريل 1857) دون إشباعها. والعلّة أنّ محرّر «نيويورك ديلي تربيون» كَلْفَت كلمتين طويلتين للمرحوم ماركس في كلمة واحدة هي التي وصلت إلى المطبعة، بينما ضاعت المسوّدَتان الأصل. ترك المحرّرُ القارئةَ مع ذيلِ هذا الفحص: «قامت الحرب الحالية ضدّ فارس بعِللٍ شبيهةٍ بتلك التي تسبَّبت في الحرب الأفغانية؛ هاجَمَ الفرس هيرات ونجحوا في السيطرة على المدينة، سوى أنّ البريطانيين هذه المرة أصبحوا حلفاء لعدوِّهم السابق أمير أفغانستان دوست محمد خان بركزاي، مَن فشلوا في الإطاحة به خلال الحرب الأفغانية».

تولَّى «الجنرال»، صَفيّ ماركس، المرحوم فردريك إنجلز، مسؤوليةَ إكمال هذا الفحص لقارئة «نيويورك ديلي تربيون» من زاويةِ الجغرافيا الحربيّة والسياسية، وكان هذا تخصُّصُه في علم «الثورة»، فهو «الخبير الاستراتيجي» الما خَمَج. رَصَد إنجلز سيطرة القوات البريطانية، وكالةً عن شركة الهند الشرقية، في ديسمبر 1857، على بوشهر، الميناء الرئيس في الخليج الفارسي (ع 4941 بتاريخ 19 فبراير 1857، ضمن كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأعمال الكاملة»، م 15، لورنس ووشرت، لندن، 1979، ص 194-199).

هيرات، بحسب إنجلز، موضوعٌ للحرب لأنها «المركز الاستراتيجي لجميع البلاد الممتدّة من الخليج الفارسي وبحر قزوين ونهر سيحون غرباً وشمالاً والسِّند شرقاً، والمسرح المرشّح لمواجهة مُحتمَلة بين روسيا وبريطانيا على النفوذ في آسيا. كرَّس «الجنرال» جهداً مقدَّراً لشرح الموقع الجغرافي لهيرات من حيث الاستراتيجية الحربية. وقال مَيزتها الأولى أنها غزيرة المياه، حسنة التروية، يحيط بها وادٍ ممتدّ أخضر، هذا بالمقارنة مع الهضبة الفارسية التي تُجاورها، والتي تُسوِّرها سلاسل من الجبال تجري منها أنهارٌ صُغرى، لا تجتمع في مجرى واحد ولا تنتهي في بحيرة عظيمة، وإنما تتسرَّب في مستنقعات شاسعة أو تجفّ في الأرض القاحلة التي تُجاور الصحراء وتشكِّل القسط الأكبر من الهضبة الفارسية في هيئة حاجز عريض بالكاد يمْكن عبوره بين غرب فارس وشمالها الشرقي. تحدّ هذه الصحراءَ من جهة الشمال تلالُ خراسان، ومنها يخرج لسان جبليّ جهة الجنوب يفصل بين صحراء فارس والأجزاء الأغزر ماءً من أفغانستان. وهيرات ابنة هذا الماء الوفير. وتقع إلى الشمال من تلال خراسان صحراء أخرى؛ صحراء قوم، وفيها تنقطع مياه نهر مرغاب العظيم، لكن يعبرها كلٌّ من نهر جيحون ونهر سيحون بدَفْع أعظم، ولكلٍّ في مجراه الأسفل، وادٍ خصبٌ للزراعة. تتحوَّل الصحراء ما وراء سيحون إلى هيئةِ السهوب الروسية وفيها تندمج. استعرَض «الجنرال» هذه الجغرافية من باب «التفسير المادّي للتاريخ» فهي عنده القاعدةُ الموضوعيةُ التي قامت عليها ثلاثة مراكز للحضارة البشرية بين بحر قزوين والهند البريطانية: مدن غرب فارس؛ شيراز وتُستَر وطهران وأصفهان، ومدن أفغانستان؛ كابول وغزنة وقندهار، ثمّ مدن تورانوخيوة وبخارى وبلخ وسمرقند. وبين المراكز الثلاثة تبادُلٌ وتلاقحٌ بؤرتُه هيرات التي تتقاطع فيها الطرق المارّة من قزوين إلى السِّند ومن الخليج الفارسي إلى وادي جيحون، فهي الوسط بين كابول وطهران، وبين شيراز وبلخ. يندلق مسار الواحات، الذي يرسم طريق القوافل التجارية عبر الصحراء الفارسية مروراً بيزد وشستان، مباشرةً في هيرات. ولا يمكن المرور من غرب آسيا إلى شرق ووسط آسيا وتفادي الصحراء، في آن واحد، إلا بعبور تلال خراسان ودخول هيرات. ومَن مَلكَ هيرات مَلكَ إيران وتوران، أي فارس وما وراء النهر، إذ إنّ لها أفضليّة الوسط الذي يمَكّن مالكَه من الانطلاق بالهجوم في جميع الاتجاهات، وظهرُهُ لوادٍ خصيب.

ويقول الاصطخري عنها: «أما هراة فإنها مدينة عليها سور وثيق وحواليها ماء وداخلها مدينة عامرة ولها ربض وفي مدينتها قلعة ومسجد […] ودار الإمارة خارج الحصن بمكان يعرف بخراسان آباذ منقطع عن المدينة بينه وبين المدينة أقل من ثلث فرسخ […]. وبناؤها من طين، وهي مقدار نصف فرسخ في نحوه. ولمدينتها الداخلة أربعة أبواب […]، وعلى كل باب سوق. وفي داخل المدينة والربض مياه جارية […]. وخارج الحصن جدار يطوق بالحصن كله، أطول من قامة»، (الاصطخري، مسالك الممالك، ليدن، 1927، ص 264-265).

فيا بنات هيرات حِبّونا!

يُتبع…

مدينة هيرات في 1880

Scroll to Top