أتر

حلف أعداء الأمس: «تأسيس» بين براغماتية الدعم السريع وثوابت الحركة الشعبية

في شهر يوليو الماضي، كوّنَ تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) مجلساً رئاسياً من 15 عضواً، يرأسه محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع، وينوب عنه عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية – شمال (جناح الحلو). وسمّى التحالف رئيس وزراءٍ يُشكّلُ حكومةً تنفيذيةً خلال شهرٍ من تسميته. أتت هذه الخطوة بالتزامن مع تكوين «حكومة الأمل»، تحت سُلطة القوات المُسلَّحة السودانية، ليكونَ لكلٍّ من القوات المُسلَّحة والدعم السريع حكومةٌ في مناطق سيطرتهما العسكرية.

جاء ذلك بعد تمكُّن القوات المسلحة من استعادة السيطرة على عدة ولايات في وسط السودان بدءاً من سنّار ثمّ الجزيرة وأخيراً العاصمة الخرطوم. خلق ذلك مشهداً عسكرياً امتلَكَ فيه كلُّ طرفٍ مناطقَ سيطرة واسعة، لها حدود بيّنة، مع وجود مناطق اشتباكٍ ساخنة، في كردفان وشمال دارفور، أضحت مسرحاً للعمليات الحربية.

وجدت الدعم السريع نفسها في موقف جديد إثر هذه التغيّرات العسكرية، إذ ضاقت فرصها في السيطرة على البلاد، وأصبحت أمام خيارين: إما مُحاولة السيطرة على بقية السودان مجدداً انطلاقاً من غربه، أو الاكتفاء بغرب السودان ومحاولة بناء سلطةٍ مستقرة فيه. يحتاجُ كلا الخيارين مزيداً من المال والسلاح والحلفاء والاستقرار الداخلي، وكذلك، العودة إلى السياسة.

بالفعل، أجرت الدعم السريع مجموعةً من التحركات السياسية، بدأت بانشقاق مجموعة من القوى السياسية والعسكرية من تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) لتدخل في حلفٍ رسمي معها، ما شكلَ النواة الأوّلية لـ«تأسيس». الخطوة الكبيرة التالية كانت توقيع ميثاق التحالف في فبراير 2025، بانضمام الحركة الشعبية – شمال (جناح الحلو) إليه.

كان للحركة الشعبية، عدو الدعم السريع السابق في الميدان والعقيدة، وزنٌ كبير في التحالف. تأخر التوقيع على ميثاق تأسيس بسبب المفاوضات التي دارت لضمّ الحركة الشعبية إليه، وظهر توازن القوى مجدداً في دستور التحالف ومجلسه الرئاسي، إذ عُيّن الحلو نائباً لرئيس المجلس الرئاسي لسلطة تحالف تأسيس، وحوى دستور التحالف بيسر كلّ ما حاولت أن تناله الحركة الشعبية بعسر، وهي تُفاوض حكومات السودان المختلفة: حق تقرير المصير، ومبادئ فوق دستورية أولها العلمانية، وفترة انتقالية طويلة تحتفظ فيها الحركة بسلاحها.

أتى هذا الانسجام عقب تاريخٍ من الخلافات السياسية والصراع العسكري بين الحركة الشعبية – شمال والدعم السريع، إذ شاركت الأخيرة في عمليات الصيف الحاسم ضد الحركة الشعبية في جنوب كردفان، خلال نظام البشير. وبينما ظلّت الحركة الشعبية في عداءٍ مستمرٍ مع حكومة السودان، كانت الدعم السريع وليدةَ المنظومة الأمنية للدولة، ويدها الباطشة ضدّ محاولات التمرد العسكري في الأطراف. فما الذي يدفع الطرفين اليوم إلى الدخول في حلف سياسي وعسكري؟

تبدو دوافع الدعم السريع أوضح من نظيرتها. عسكرياً، يمكّن دخول الحركة الشعبية في حلف الدعم السريع الأخيرةَ من فتح جبهةٍ حربيةٍ جنوبية انطلاقاً من جنوب كردفان، وتوسيع الحدود الواقعة بين مناطق سيطرتها وجنوب السودان، ما يُسهّل إمدادها بالسلاح والوقود، وإمداد مناطق سيطرتها بالسلع. وربما تمضي الدعم السريع خطواتٍ أبعد مُحاولةً تصدير السلع شرقاً إلى أسواق الخليج الغنية عبر ميناء مومبسا، لافتقار مناطق سيطرتها إلى ميناءٍ بحري، ولكونها مُحاطةً بأسواق مُنخفضة القوة الشرائية. وسياسياً، يسند وجود الحركة الشعبية سردية الدعم السريع الحربية التي زعمت مؤخراً أنّ حربها «ثورة مهمشين»، نشبت لإعادة بناء الدولة في السودان بما يضمنُ أوضاعاً أعدل لأطراف البلاد وأبنائها.   

تريثت الحركة الشعبية – شمال في بداية الحرب، فلم تنحز إلى القوات المسلحة أو الدعم السريع، رغم محاولة كليهما استمالتها. وبعد تنسيقٍ ميداني وإنساني لم يستمر طويلاً مع القوات المسلحة، انهارت التفاهمات، ثمّ انقطعت آمال التحالف بين الطرفين كلياً حين توقيع الحركة الشعبية على ميثاق تحالف تأسيس.

بدا قرار الحركة الشعبية شمال / جناح الحلو رِدةً عن مواقف الحركة السابقة وتاريخها وثوابتها في ما يلي الأصدقاءَ والأعداء، إلا أنّ التقلب العنيف في المواقف حسب ما تفرضه الوقائع، سياسيةً كانت أم عسكرية، ليس بدعاً من تاريخ الحركة الشعبية، وبخاصة الحركة الأم، إذ بدّلت الحركة جلدها عدة مرات تحت ضغط الظروف العسكرية والسياسية، وتغير «مانفستو الحركة الشعبية» تباعاً.

في عام 1983، نصّ المانفستو الأول للحركة الشعبية الأم على إقامة «سودان اشتراكي موحد»، واعتبر نضالها جزءاً من مواجهة «الاستعمار الجديد»، على غرار ما تبنّته حركات التحرر الوطني في مراحلها المُتأخّرة. نشأت الحركة في سياق الحرب الباردة وتلقت دعماً عسكرياً من نظام منقستو في إثيوبيا. ومع مطلع التسعينيات، تغيّر المشهد الدولي بسقوط الاتحاد السوفيتي ونظام منقستو، واشتدت المواجهة مع حكومة الإنقاذ التي صاغت الحرب باعتبارها «جهاداً إسلامياً». عندها، اتجهت الحركة نحو بناء علاقات مع أطراف غربية ومجموعات ضغط أمريكية، وتحوّل الصراع تدريجياً إلى نزاع يحمِل سمات حروب الهويات في عالم ما بعد الحرب الباردة، ليتخذ صورة مواجهة بين جنوبٍ مسيحي إفريقي وشمالٍ عربي مسلم. وفي عام 2005، وقّعت الحركة اتفاقية السلام الشامل مع حكومة الإنقاذ، ثم برز خيار تقرير المصير بنحو أوضح بعد رحيل قائدها جون قرنق، لتصدر المانفستو الثاني عام 2008 معبّراً عن هذه التحولات.

شاركت قبائل النوبة التي تقطن جنوب كردفان، في حرب الحركة الشعبية منذ سنيّها الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، عقب المظالم التي تعرضت لها، وأهمها استيلاء الدولة على أراضيها ومنحها لأصحاب مشاريع الزراعية الآلية سواء لأثرياء نخبة الوسط أم للمجموعات العربية التي تقطن في الجوار الكردفاني. وفي اتفاقية السلام الشامل، منح جنوب السودان حق تقرير المصير، بينما أحيلت «المنطقتان» إلى «مشاوراتٍ شعبية» تُجرى لاحقاً، وسرعان ما تحوّل الخلاف حول نتائج انتخاب والي جنوب كردفان بين أحمد هارون وعبد العزيز الحلو إلى صراعٍ مسلح بالولاية في يونيو 2011، تبعه صراعٌ في النيل الأزرق في سبتمبر 2011.

هكذا نشأت «الحركة الشعبية – شمال» عقب استقلال جنوب السودان، لتستقل تنظيمياً عن الحركة الأم في الجنوب، ووجدت نفسها أمام واقع جديد، تخوض فيه حرباً بالإنابة عن نحو 1.97 مليون من سكان «المنطقتين»: جنوب كردفان (1.16 مليون نسمة) والنيل الأزرق (814 ألفاً)، أي ما يعادل 4.1% من سكان السودان. ورغم ما تتمتع به هذه المناطق من ثروات زراعية ومعدنية، وفي مقدمتها الذهب، فإن سياسات الدولة المركزية التي أبقت على أوضاع التهميش حالت دون نشوء اقتصاد قادر على دعم استقلال فعلي، وزادت من صعوبة ضبط الموارد واستغلالها. نتيجة لذلك، أصبحت «المنطقتان» من أكثر أقاليم السودان اعتماداً على تحويلات الحكومة المركزية، لا سيما مع صغر مساحتهما وانغلاقهما الجغرافي.

إذن، فرضت الجغرافيا أحكامها على سلطة الحركة الشعبية – شمال كما فعلت بسلطة الدعم السريع، فوضعت الحركة أمامَ خيارات محدودة بالمثل، إذ تعثّر الاستقلال كما تعثّر الاندماج التام مع بقية السودان بالصورة التي تحقق تصورات قادة الحركة، ولم يبقَ سوى التعايش بدرجاتٍ مختلفة مع السلطة المركزية في بقية السودان وحفظ أكبر قدرٍ ممكن من الاستقلال، ربما بالتفاوض مع الإنقاذ، أو التحالف مع المعارضة كما في حلفي الفجر الجديد، ونداء السودان، أو حفظ الوضع القائم لأطول وقت ممكن انتظاراً لفرصٍ جديدة.

يمكن القول بأنّ هذه الخيارات بدأت تتحوّل إلى قرارات ملموسة حينَ انقسمت الحركة الشعبية – شمال إلى فصيلي عقار والحلو عامَ 2017، إثر تباينات في وجهات النظر حيال المفاوضات التي كانت تنظمها الآلية الأفريقية رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، إضافةً إلى قضايا تنظيمية أخرى. حينها، قال عبد العزيز الحلو في خطاب استقالته، التي ترتب عليها انقسام الحركة عملياً، إنّ قراره أتى لتمسكه بثوابتٍ تراجعَ عنها القادة الآخرون، عقار وياسر عرمان، هي العلمانية وحق تقرير المصير وضرورة احتفاظ الحركة بسلاحها. وفي 2020، وقّع جناحُ عقار فعلاً اتفاقية جوبا للسلام في السودان مع السلطة المركزية في الخرطوم، ممثلةً في النظام الانتقالي الذي قامَ على أنقاض الإنقاذ، وأصبحَ جناحه يُقاتل اليوم في صف القوات المسلحة، بينما تمسك جناح الحلو بالقضايا التي كانت محل خلافٍ بينه وبين شقه الآخر، حتى انتهى به الأمر إلى صف الدعم السريع.

اختار جناحُ عقار، صاحبُ القوات ومناطق السيطرة الأقل مقارنةً بنظيره، أن يدخل في ترتيبٍ جديد مع الحكومة المركزية، ظفر فيه بتعيين أحد أعضائه والياً للنيل الأزرق، ورُتّبت فيه العلاقات المالية بين المركز ومناطق الجناح ممثلة في الولاية، مع الاستعانة بالمركز متى لزم الأمر. في المقابل، لم تُرْضِ تلك القسمة جناح الحلو، ذا القوات الأكبر والأراضي الأوسع، فاختار الانتظار، حتى وجد الفرصة التي كان يرومها حين اشتعال الحرب بين القوات المسلحة والدعم السريع.

لقد وجد جناحُ الحلو مساحةً أكبر في الترتيب السياسي لتحالف تأسيس، الذي نتجَ عن الشروط التي واجهت الدعم السريع، وانطوى على لا مركزيةٍ مفرطة، تكادُ تكون استقلالاً، وتنازلات سياسية في ما يلي العلمانية. كما أنّ تقوية الدعم السريع في حربه ضد القوات المسلحة تقتضي إضعاف السلطة المركزية في السودان ككل. يفتح كل ذلك مساحاتٍ أكبر لجناح الحلو وسلطته، تقوم على تعميق وترسيخ حالة التشظي والتقسيم التي يعانيها السودان، ما يمنح سلطته قدرة أكبر على التعامل مع وضعها الناشئ عن اتفاقية السلام الشامل واستقلال جنوب السودان في 2011.

تحالف «تأسيس» إذن، ليس سوى زواج مصلحة بين الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، فرضته الحرب والجغرافيا. غير أن مستقبله سيظل رهيناً بقدرته على الصمود عسكرياً في مواجهة الجيش، وعلى تقديم رؤية سياسية مقبولة، وعلى إدارة مناطقه المتباينة. وإلا فإن هذا الحلف لن يخرج عن كونه حلقة جديدة في سلسلة التحالفات المؤقتة التي لم تفعل شيئاً سوى إعادة إنتاج أزمة السودان.

Scroll to Top