أتر

أؤمن بالأفكار الحية والروح الجماعية: مقابلة مع الكاتب والمخرج المسرحي وليد الألفي

شهد مسرح لابونيتا بالعاصمة اليوغندية كمبالا، 26 أغسطس الماضي، العرض الجماهيري الأوّل لمسرحيّة «مشتاقين كتير»، ضمن مشروع «مسرح البنات» لصانع العرض وليد عمر بابكر (الألفي). أجرينا معه هذه المقابلة، لنرى كيف يتشكّل مشروعه خلال الحرب والنزوح واللجوء، وفي ماذا يفكّر، وكيف يَبتكر منافذ لمواصلة العمل المسرحي داخل السودان وخارجه. يقود وليد «منطقة صناعة العرض المسرحي»، التي لاقت أعمالها إقبالاً كبيراً خلال السنوات الماضية: «كرّاس حساب»، «النسر يستردّ أجنحته»، «آيس دريم»، وأخيراً «مشتاقين كتير».

فلنبدأ من آخر عرض قبل الحرب. عُرضت مسرحية «آيس دريم» ضمن مشروع «مسرح الشدّة»، قبل أسبوع واحد فقط من نشوب الحرب في 15 أبريل. إلى أيّ مدىً كانت تحمل ظلال الحرب؟

مسرحية «آيس دريم»، هي امتدادٌ موضوعيٌّ لمسرحية «كرّاس حساب»، وموضوعها الثورة. ينطوي مشروع «مسرح الشدّة» على مفهوم العمل في المناطق الصعبة أو في مناطق الشدّة، أو العمل مع أشخاص في مناطق شدّة، وفي أوضاع غير طبيعية، أو يتناول قضايا بالغة الشدّة.  

تناولت «آيس دريم» قضية الجثامين التي وُجدت متكدّسة بـ«مشرحة التميّز» والمشارح المختلفة ونسيانها حينئذ، والتي ظلّت فيها لأكثر من سنة، حتى وصلت رائحتها الأنوف. افترَض العرض أنّ الجثامين شعرت بأنها منسيّة فاتفقت على الخروج، ووجدت المدينة خالية إلا من الكلاب والقطط الضالة. بدأت الجثامين في البحث عن الناس، وهي تتساءل: أين ذهبوا؟ وكانت هذه إحدى الإجابات: لقد أخذتهم الحرب اللعينة! للأسف هذا ما حدث على الواقع. كُتِبَ النص في 2021 من وحي الواقع والسلاح الذي عمَّ المدينة قبل الحرب، على عكس الأوضاع الطبيعية، التي يُفترض أن يرى فيها المواطن الشرطي وأدواته فقط. كنت أرى الأسلحة الثقيلة تجوب في المدينة، وكان واضحاً أنها ستُجرَّب في لحظة ما. كانت «آيس دريم» مُموَّلة من منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق»، وعُرضت بالخرطوم وسنار والنيل الأزرق في العام 2023. لقد وجدنا حينئذٍ تمويلاً معقولاً لعرض هذه المسرحية وكنّا في الغالب نعمل بالعون الذاتي. شارك في العرض آدم علي «منقة» ورمّاح القاضي ومحمد أحمد الشاعر والرشيد أحمد عيسى ورامي السراج وغيرهم، وجمع بين ممثلين محترفين وآخرين في بداية طريقهم.

كيف تفكر في الواقع والمسرح في آن؟

الواقع والمسرح يغذّيان بعضهما البعض. المسرح يغذّي واقعاً محدوداً «الجمهور» أما الواقع فيغذّي مسرحاً مفتوحاً، ويُقدِّم معطياتٍ تتحوَّل إلى خطاب جمالي. في مسرحية «كرّاس حساب» التي عرضت أثناء اتفاق جوبا 2020، كانت إحدى الشخصيات تقول: «سلام سلام كيف الحروب، وأنا شايفة غربك جنوب»، وهو ما يحدث الآن مع الأسف، لكننا نتمنى ألا يحدث ما استبصرته المسرحية. بدأت بروفات «كرّاس حساب» في ساحة الاعتصام، وتخيّلَت مشاهد فضّ الاعتصام قبل أن يحدث. مثّلت إحدى الممثلات المشهد وطُبِّق فيها في الفضّ فعلياً. يعمل المسرح أحياناً في سياق الاستباق أو سياق التزامن أو اللحاق بالحدث. وصف كثيرون عرض «آيس دريم» بأنه مسرح متشائم، لكنّ الحرب غّيرت من نظرتهم.

خرجتَ من الخرطوم بعد شهرين من اندلاع الحرب، وواصلتَ رحلة النجاة بنفسك ومشروعك. بماذا كنت تفكر خلال هذين الشهرين؟

كنتُ أفكِّر في أسرتَيَّ الكبيرة والصغيرة المقسومتين بين أم درمان والكدَرو. أخرجتهم في الأيام الأولى من الحرب. وما إن وصَل جميع أفراد أسرتي إلى برّ الأمان حتى ودّعت المكتبة والمنزل، وخرجت بتنكة البنّ والفلوت والمُستندات، مُتجهاً إلى مدني حيث الممثل محمد أحمد الشاعر لتقديم عروض، لكن ولظروف خاصة به وبي اتجهت إلى الدمازين، مُحمّلاً بالصور التي شاهدتها في الشارع. أثناء وجودي بالدمازين قدّمت مبادرةً لعرضٍ مسرحي، وعملت مع 35 ممثلاً من الممثلين المتمرّسين وذوي الخبرات المتفاوتة بالموارد الذاتية، أقمنا ورشة، وقدّمنا عرضاً بلا خشبة مسرح في مكاتب المجمع الثقافي بالدمازين. صمَّمنا باصات بالخشب والقنا والقماش والمُشمَّعات، كانت حصيلة الورشة. لم يكن الديكور مُصمَّماً للعرض إنما للجمهور. لقد جلسوا بلا تراتبية في الباصات، قبل أن تَسقط جوانبها المصنوعة ليبدأ العرض. استخدمنا البطاطير للإضاءة فقط، وأبواب المكاتب للكواليس. لقد كان من المهمّ أن نستخدم المُتاح من الموارد. خلال الورشة جرَّبنا كيف يكون الممثل مصدراً لحكايته. بدأنا معهم بسؤال: «من أنا؟»، وجَمَعْنا إجاباتهم داخل نصّ واحد، وعالجناها ككتلة أدبية وجمالية داخل السياق المسرحي.

أتاح لنا العرض التواصل مع بعض المنظمات مثل جي تي قلوبال، التي تعمل في قضايا الشباب والمرأة والمشاريع المجتمعية، فاختاروا تمويل «مسرح البنات» الذي يَهدف إلى تمكين البنات من إدارة العملية الفنية كاملة. وعمل محمد أحمد الشاعر وآدم منقا والهادي الشوّاف في التدريب. خلال هذا المشروع قدّمنا 27 عرضاً في ثلاث محافظات بالنيل الأزرق: الدمازين والروصيروص وباو. ومن كلّ منطقة اخترنا ممثلاً واحداً وستّ ممثلات. وجدَت العروض جمهوراً كبيراً، وكان أهمّها العرض الذي أقيم بميدان تايقر بمحافظة الروصيرص بمنطقة قنيص شرق، التي شهدت أحداثاً عنف قبَلية من قبل. كذلك عملنا على مشروع «#حكاوي_غناوي»، وهو قائم على المسرح الغنائي، وشارك فيه فنّانو المنطقة المحليّون وفرق غنائية مثل فرقة أنغام الوازا وفرقة نِيلِنا، والفنان موسى كسافا والفنانة الشعبية بهجة. وعُرض في المحافظات الثلاث. وفي بعض العروض فاق عدد الجمهور خمسة آلاف مُشاهد.

أثناء عملنا في النيل الأزرق، كنا نستقطع من المشاريع المموّلة لمصلحة منطقة صالة العرض، لأنّ كثيراً من أعضائها متفرّقون ويحتاجون إلى الوصول من المناطق المختلفة إلى الدمازين وبورتسودان، وقد ساعدتنا الاستقطاعات في تغطية تكلفة تذاكر سفرنا إلى مهرجان قرطاج، الدورة الـ25، في نوفمبر 2024، حيث عرضنا مسرحية «آيس دريم».

من قرطاج اتجهت إلى كمبالا. ماذا كانت الخطة؟

اتجهت إلى كمبالا لاستكمال مشروع مسرح البنات. بدأنا الترتيب في نهاية 2024، لكننا اصطدمنا بعقبة التمويل، ولأنّ المموِّل مرتبط بالمعونة الأمريكية لذا توقّف، لكن هذا لم يوقفنا عن عملنا، وبدأنا المرحلة الأولى بعرض أول لمسرحية «مشتاقين كتير» في مسرح لابونيتا بكمبالا، بدعم من منظمة Hup Development. أقمنا ورشة جمعت بين أشخاص من أطياف مختلفة، واستطعنا تذويب تلك الانتماءات لصناعة المسرح ولا غيره. كان هناك شقّ مهم جداً مرتبط باستخدام الفنون وسائطَ علاجية، لأننا جميعاً متأثّرون بالحرب في السودان. نريد تقديم أكثر من عرض في يوغندا وغيرها والمشاركة في المهرجانات الإقليمية في شرق إفريقيا والمغرب.

ما هي بدائل الدعم والإنتاج الممكنة مع شحّ التمويل؟

دعني أخبرك على هذه التجربة: في النيل الأزرق افتتحنا مدرسة صناعة العرض المسرحي واختبرناها بأربع من البنات المتدرّبات على صناعة العروض والكتابة والإدارة والبحث والسمنارات. صنعن العرض الأول، وأصبحن نواةً لـ«مهرجان مسرح البنات». ضمّ المهرجان، الذي بدأ إسفيرياً في أبريل الماضي، لجنة تحكيم مكوّنة من متخصصين سودانيين وغيرهم، منهم الرشيد أحمد عيسى، راشد مصطفى بخيت، داليا همام من مصر، والدكتور كريم المبارك من العراق. أدير المهرجان من بعد، وبالموارد الذاتية، وأُجري التحكيم في شهر يونيو. أقيمت بعد المهرجان امتحانات تحريرية على البعد. نفكر في نقل التجربة إلى كمبالا وتكرارها في النيل الأزرق. يحتاج الإنتاج البديل إلى تدريبات لتمليك الناس قيم التطوّع وكيف يكونون جزءاً من الإنتاج لا أن يكونوا أجيرين. نحلم بجهة تموّل هذه التجربة.

مشاركة الفنانة اليوغندية كاندي في عرض «مشتاقين كتير»، منحت العرض بُعداً جديداً: جمهور سوداني يتعرّف على فنانة يوغندية، وكذلك تعرّفت الفنانة على جمهور جديد مختلف. هل بدأتم تواصلاً مع فنانين يوغنديين آخرين أو من دول شرق أفريقيا؟

رغم أن هناك كثيراً من الفنّانين من دول شرق أفريقيا يتابعون عروضنا، حتى الآن ما زلتُ في بداية تعرّفي على المشهد اليوغندي. التقيتُ بالفنانة اليوغندية كاندي بعد مجيئي إلى كمبالا، وهي تُنتج الموسيقى. لقد فوجئنا بفنّانة كبيرة. وقدمنا الدعوات لعدد من الجنسيات من يوغنديين وصوماليين وإرتريين ومن جزر القمر، وحضر كثير منهم.

فلنمضِ إلى المفاهيم: «صناعة العرض» مثلاً؟

«صناعة العرض» هو المفهوم الموازي والبديل لمصطلح «الإخراج». إننا نبحث منذ فترة طويلة عن مفاهيم وتعريفات لمسرح سوداني يخصّنا، وهذا يستلزم النظر في مفاهيم الإخراج المرتبط بالدقة والتخطيط. أتساءل هنا: هل تنسجم سِمَتا الدقة والتخطيط مع نمط حياتنا السودانية؟ ترتكز فكرة «صناعة العرض المسرحي» على تنويع المداخل للعرض المسرحي، وليس النصّ فحسب، ويمكن لأيّ من العناصر الفنية أن يكون مدخلاً للعرض، مثلاً يمكن بناء عرض على الأزياء. لكن ذلك كلّه لا يكتمل إلا باكتمال مرحلة البحث.  

في تقديري أنّ فكرة العرض مختلفة عن المسرحية، فالأول قد يضمّ الشعر والموسيقى والغناء والتشكيل في آن، بينما تَعتمد الأخيرة على النص المسرحي. هذا ما يفرض تحدّياً أعلى على صناعة العرض، بأن يكون الممثّل في حالة تدريب باستمرار. يرى كثيرٌ من الفنانين المُحترفين أنهم لا يحتاجون إلى التدريب المستمر، لكن رغم ذلك وجدنا في ممثلين قديرين مثل عبد الرحمن الشبلي، ومحمد أحمد الشاعر، والرشيد أحمد عيسى، والطيب شعراوي، القدرة والتفكير الخلّاق في صناعة العرض. هكذا، كما ترى، فإننا نعمل على سودنة المفاهيم المسرحية. في هذا السياق، يمكن أن نسمّي فعلنا هذا «صناعة العَرْضة المسرحية»، وليس «العرض المسرحي»، ولكلمة «عرضة» جذور ثقافية سودانية عميقة. ليس هناك مسرح خارج الواقع، فالواقع هو السياق الأكبر، والعبث نفسه جزء من الواقع، فهل ما نعيشه بعد الحرب عبث أم واقع؟ وكُنّا بدأنا بتسمية «مسرح الواقع الجديد» لكنها لم تستوعب المفهوم كاملاً فلجأنا إلى استخدام مصطلح «صناعة العرض».

كيف ترى عرض «مشتاقين كتير»؟

جاءتني الفكرة من ورشة أقمتها في النيل الأزرق مع فرقة نِيلِنا، وكانت نتيجتها أغنية «مشتاقين كتير». تقول:

«أنا مشتاق لبيتنا

للرادي الكبير

الستاير والسرير

والشتلة تحت الزير

وكبابي الشاي والعصير

مشتاق لخالتي خميسة وأم جمعة

وخطبة صلاة الجمعة».

الفكرة الأساسية من العرض: ما الذي يشتاق إليه الناس في نزوحهم وهجراتهم؟، وكيف نتناول موضوع الحرب دون استخدام هذه الكلمة. تتخلّل هذه المسرحية أغانٍ مصرية وخليجية وإثيوبية، وكلّ هؤلاء شركاء معنا في حربنا، بوجهٍ أو بآخر. لقد مزجَت الأغاني في العرض بين ما هو عاطفي وما هو سياسي. أحد النقاد الذين شهدوا العرض قال لي «إنّ العرض ليس كما يبدو»، وهذا صحيح، فالعرض ناقش قضايا الحرب لكن بأبعاد متعدّدة.

اصطحبتُ معي طفلتي ذات الثلاث سنوات ونصف إلى عرض «مشتاقين كتير»، كنتُ أخشى في نفس الوقت أن يكون مملاً بالنسبة لها، لكن ما حدث هو تفاعل إيجابي لم أتوقعه. كيف ترى الجمهور؟

هذه شهادة طيبة بالطبع، وهذا ما أفكّر فيه دائماً، أحلم بعرض يأخذ منه كلٌّ ما يريده. لذا جمهوري يبدأ من المنزل من أمي وخالاتي وجاراتي، فجميعهن شريكات في العمل. بإمكاني كتابة عرض مسرحي تقليدي وتنفيذه، لكنني أؤمن بالأفكار الحية والروح الجماعية.

Scroll to Top