أتر

نصف الخريف الآخر: فيضاناتٌ متأخّرة وانزلاقاتٌ أرضية

درَجَ السودانيون في السنوات الماضية، على استباق تصريح المسؤولين الحكوميين «فاجأَنا الخريف»، حتى أضحت العبارة محلاً للتندُّر الشعبي، بعد أن اعتاد الناس سماعَها تبريراً مُتكرّراً لإخفاق الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، في الاستعداد لموسم الأمطار والكوارث التي تَنتج عنه، رغم أنّ ميقات الفصل معروف بأنه يبدأ في شهر يونيو وينتهي في خواتيم سبتمبر.

ومع ما يشهده العالم ومنطقة القرن الأفريقي، بما فيها السودان على وجه الخصوص، من تصاعد لآثار التغيُّر المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وما يُرافقها من شذوذٍ في مُعدّلات هطول الأمطار، بات موسم الخريف شبحاً يُهدّد المنطقة بأسرها، لا سيّما وما تعانيه من هشاشة في الحوكمة وتدهورٍ للبنى التحتية وتصاعدٍ للنزاعات المسلّحة والاقتتال الأهلي. لقد أصبحت الظواهر المناخية وفي مقدّمتها الأمطار، أشدَّ تطرُّفاً خلال السنوات الماضية، وتُسبِّبُ فيضاناتٍ وانجرافاتٍ أرضيةً تُحدِث بدَورها دماراً هائلاً في المجتمعات والمشاريع الزراعية، ثمّ تتبع ذلك آثارٌ صحيةٌ واقتصاديةٌ وأمنية.

نصف الخريف: تأخُّر الفيضان

في نصفه الأول قبل 15 أغسطس، لم يشهد موسم الأمطار الحالي، الذي يستمرّ في المدة من يونيو وحتى سبتمبر 2025، أنماطاً متطرّفةً لهطول الأمطار. وبحسب «مركز التنبؤات المناخية وتطبيقاتها (ICPAC)» التابع لـ«الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيقاد)»، فقد شهد شهر يوليو المنصرم انخفاضاً في متوسّط مُعدّلات هطول الأمطار قياساً بالسنوات القليلة الماضية؛ إلا أنّ شهر أغسطس الماضي حمل في بداياته معدلات أمطارٍ عالية على حوض نهر عطبرة، ما سيَنعكس حتماً على تدفق النهر، بينما ظلّت معدلات هطول الأمطار أقلّ من المعتاد في حوض النيل الأزرق.

يُطابق ذلك التوقّعات السابقة لمركز التنبّؤات المناخية، الذي أكّد في مايو الماضي أنّ موسم الأمطار قد يتأخّر قليلاً، وهو ما أكّدته أيضاً مُعدَّلات هطول الأمطار المُنخفضة خلال يوليو الماضي. وأشار المركز إلى أنّ احتمالية أن يفوق معدّل هطول الأمطار في هذا الموسم المعدل الطبيعي تبلغ 55%. واعتمدت هذه التقديرات على ستة نماذج مناخية عالمية للوصول إلى التنبؤ النهائي. ومن المهمّ أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ الازدياد المرصود مؤخراً للأمطار في حوض نهر عطبرة، يَشي بأنّ سيناريو نصف الخريف الآخر بات غيرَ مُستبعدٍ إطلاقاً، بل قد يكون قريباً جداً، عطفاً على تنبؤات مركز الإيقاد المعني بالمناخ، وإدراج الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية على منصّاتها في وسائل التواصل الاجتماعي تحذيراً باللون البرتقالي، يُفيد بحالة خطورةٍ عالية جراء احتماليةٍ كبيرةٍ لهطول أمطارٍ وعواصف رعدية في ولاية النيل الأزرق وشرق ولاية سنار وغرب ولاية غرب كردفان وجنوب وغرب ولاية شمال دارفور.

على ما هو معلومٌ من أنّ الهضبة الإثيوبية تؤدّي دَوراً رئيساً في تكوين السحب المُمطرة على مناطق شرق وجنوب شرق ووسط السودان، إضافةً إلى كونها تمثّل المورد الأساسي لمياه النيل؛ فإنّ اللاعب المحوري في هذه السلسلة هو المحيط الهندي، إذ يؤدّي ارتفاع درجات الحرارة في هذا المسطّح المائي الضخم إلى ازدياد معدلات هطول الأمطار في الهضبة الإثيوبية. وتهبُّ الرياح الموسمية الرطبة القادمة من المحيط الهندي باتجاه المرتفعات الإثيوبية، التي تُمثّل حاجزَ صدٍّ لهذه الرياح، مُغيّرةً مسارها إلى الأعلى، فتعمل الجبال على دفع الرياح الرطبة إلى طبقات الهواء العُليا الباردة، التي تعمل بدَورها على تحويل بخار الماء إلى قطرات مُكوِّنة للسحب المُمطرة. ولذلك تعدّ المحيطاتُ العنصرَ الأهمّ في التحكّم في درجات الحرارة لأنها تمثّل ما يزيد عن 70% من مساحة الكوكب. وبما أنّ السودان ليس بعيداً عن ساحل المحيط الهندي، بحكم وجوده شرق القارة الأفريقية، فإنّه يتأثر على نحو غير مباشر بتغيُّر نمط درجات حرارته من حيث مواسم الأمطار أو الجفاف.

لقد درجت إدارات السدود السودانية على البدء في عمليات ملء السدود السودانية عند منتصف شهر أغسطس، بالتنسيق مع الجانب الإثيوبي لاعتباراتٍ فنية تتعلّق بكفاءة السدود وكميات الإطماء، بَيد أنّ ذلك يُفيد أيضاً بأنّ شهر أغسطس هو الأكثر غزارةً من حيث هطول الأمطار. ومما يدعمُ ذلك أيضاً أنّ غالبية الفيضانات التاريخية في السودان حدثت خلال شهري أغسطس وسبتمبر، وفي الذاكرة فيضان العام 1988 الذي قُدِّرت كمية الأمطار التي هطلت خلاله على ولاية الخرطوم وحدها بحوالي 200 ملم في 24 ساعة فقط، وهي ما تمثل حوالي 80% من المتوسط السنوي لهطول الأمطار.

انزلاقاتٌ أرضيةٌ في دارفور

يشير اللون الأخضر الداكن إلى المناطق التي شهدت شذوذاً (انحرافاً عن المعدل الطبيعي) في معدلات هطول الأمطار خلال منتصف شهر أغسطس الماضي، ما أسفر عن أمطارٍ غزيرة في بعض ولايات شرق السودان ونهر النيل والولايات الجنوبية إضافة إلى ولايات دارفور.

تشيرُ البيانات أعلاه إلى أنّ مناطق دارفور شهدت بالفعل معدلات هطول أمطار عاليةً جداً وفي مساحات واسعة من الإقليم، إذ تُفيد هذه البيانات بأنّ كميات الأمطار كانت تفوق 200 مليمتر (200 ملم)، وهي ذات الكميات التي هطلت على ولاية الخرطوم في فيضان 1988. ويُشير الرقم (200 مليمتر من المطر) إلى عمق الماء المتساقط، بمعنى أنّه لو تجمّعت مياه الأمطار على سطحٍ مستوٍ وغير مُنفِذ فإنّها ستُشكّل طبقةً من المياه بارتفاع 20 سنتمتراً. ويعادل كل 1 ملم من المطر لتراً واحداً من الماء لكل مترٍ مربع، وبالتالي فإنّ 200 ملم تعني 200 لتراً من الماء لكلّ متر مربع. وتعدُّ هذه الكمية كبيرةً جداً إذا سقطت خلال يوم واحد، وبالتالي فإنّ سقوطها لمدة سبعة أيام متواصلة سيُضاعف الضرر على نحوٍ بالغ.

ورغم أنّ ذلك يُمكن أن يكون فرصةً لزراعة المحاصيل، ما يُخفِّف بدَوره من معاناة المواطنين، إلا أنّ ازدياد كميات المياه يُهدِّدُ بحدوث سيول كارثية، وهو ما حدث فعلاً في الحادي والثلاثين من شهر أغسطس الماضي، جرّاءَ الأمطار الغزيرة التي هطلت على مناطق جبل مرة خلال معظم أيام شهر أغسطس، وأدّت إلى تشبّع التربة بالمياه وزيادة كتلتها، ما أدّى بدَوره إلى ضغطها على الصخور ومن ثم دفعها وتحريكها. وأحدث ذلك، مصحوباً بعامل انحدار المنطقة، انزلاقاً أرضياً أصاب قرية ترسين، ولا تزال الأنباء مُتضاربة حول حجم الضحايا من الناس، أو الخسائر في الماشية. 

إنّ حدوث هذه الكوارث الطبيعية في دارفور، التي تشهد بالأساس نزاعاتٍ دمويةً وأزماتٍ إنسانيةً بالغة ويقطن أراضيها آلاف النازحين، يُنبئ بتدهورٍ بالغ على المستويين الصحي والأمني في ظلّ صعوبة الوصول إلى الخدمات والمساعدات الإنسانية، وتعطيل سلاسل الإمداد خاصة في المناطق المُحاصَرة مثل مدينة الفاشر أو المعابر الحدودية بين السودان ودولة تشاد.

أرضٌ تحت رحمة التغيّر المناخي

لقد شهد السودان خلال تاريخه الحديث أحداثاً بيئيةً مُتطرّفةً، ما بين مواسم أمطارٍ غزيرةٍ وفترات جفاف، ولكلّ منهما آثاره المُدمّرة على الأصعدة البيئية والاقتصادية، فضلاً عن الآثار الديموغرافية والاجتماعية والأمنية وما يتبعها من ارتداداتٍ سياسية. لقد كان فيضان العام 1946 حدثاً ذا أثر بالغ في تاريخ السودان الحديث حتى صار أحجيةً تتناقلها الأجيال، كيف لا وهو الأعلى في السجلّات من حيث معدّلات هطول المطر، إذ بلغ معدّل الأمطار فيه 338.85 ملم، بينما كان المتوسط السنوي المعلوم في السودان لا يزيد عن 257.17 ملم. وعلى النقيض من ذلك، شهدت الأعوام 1979 – 1986 فترات جفاف ممتدّة بلغت ذروتها في العام 1984، الذي انخفض فيه معدّل هطول الأمطار السنوي إلى 128.25 ملم فقط، ما أنتج موجات نزوح كبيرة في القرن الأفريقي وداخل السودان.

لكنّ التباين في متوسّط معدّل هطول الأمطار في السودان ظلّ منخفضاً بعامّة. وجدير بالذكر أنّ هذه الكميات من الأمطار لا تتوزّع بالتساوي على مناطق البلاد المختلفة. فبينما تهطل غالبية الأمطار على ولايات النيل الأزرق وسنار وكردفان، تحظى ولايات الجزيرة والخرطوم بمعدلات أمطار متوسطة، بينما تنخفض معدلات الأمطار نسبياً في ولاية نهر النيل، وتكاد تنعدم في الولاية الشمالية باستثناء بعض الشذوذ الموسمي المتعلق بظواهر مناخية متطرّفة مثل ظاهرة النينو.

وبعامة، وقياساً بدول الإقليم، يُعدّ السودان من بين الدول التي تشهد وفرةً في مياه الأمطار، لا سيّما في أقاليمه الجنوبية الشرقية والجنوبية والوسطى والغربية. ولذلك يؤدّي المصدر الحيوي دَوراً مهمّاً في إدارة ملف النزاعات في المنطقة والتدخلات الإقليمية، مثل مسألة سد النهضة وإدارة حصص مياه النيل، إذ تُحاجُّ مصر بأنّ لإثيوبيا والسودان موارد متعدّدة للمياه تتمثل في الأمطار والمياه الجوفية، في المقابل لا تكاد تهطل أمطار بمصر.

الدولة المعدل السنوي لهطول الأمطار
بالملليمتر (ملم)
المعدل السنوي لهطول الأمطار
بالمليار متر مكعب
السودان 257 440
مصر 18 1.3
إثيوبيا 848 950
أريتريا 384 45
جنوب السودان 900 560
يوغندا 1,180 285
ليبيا 56 96
تشاد 322 413
السعودية 59 166
الإمارات 78 6.5

متوسط معدلات هطول الأمطار سنوياً في السودان ومحيطه، وتظهر الكميات الضئيلة لدول مصر والخليج

(1) ملم من الأمطار = (1) لتر من المياه في مساحة قدرها واحد متر مربع

إنّ الحقيقة التي يعايشها السودانيون هي أنّ الفيضانات تعدّ أكبر آثار التغيّر المناخي الضارّة، وأنّها باتت أشدّ تطرّفاً وتكرُّراً، ولن يحدّ من ضررها إلا إجماعٌ دولي على الحدّ من الانبعاثات المُسبّبة للتغيّر المناخي والتحوّل إلى الطاقة البديلة، وهو التوجّه الذي تُعارضه مافيا إنتاج النفط والغاز. وإلى ذلك الحين تبقى ضرورة العمل على المستوى المحلي والسعي للحصول على التقنيات المتقدمة لتفعيل آليات الإنذار المبكر، والتي تثمر إيجاباً في دفع العمل الاستباقي لاتخاذ التدابير المطلوبة من إخلاءٍ للسكان وفتحٍ للمجاري وإدارةٍ لعمليات الزراعة وحفظ للماشية، توفيراً للأموال وتقليلاً للخسائر، والاستعداد على المستوى الصحي بتوفير اللقاحات للأمراض المنقولة عن طريق المياه أو التلوّث الناجم عن المياه الراكدة، ومناشدة المسؤولين بإعطاء أولوية التمويل والاستقلالية لوزارة البيئة والزراعة، والهيئة العامة للأرصاد الجوية، والدفاع المدني، والمؤسسات المعنية بما يُمكّنها من التنسيق والعمل في تناغم لإدارة موردٍ بقيمة المياه المطرية، لتتحوّل الأمطار من نقمة تهدّد الحياة إلى نعمة تحيي الأرض والإنسان معاً.

Scroll to Top