أتر

مسرد للتحقُّق: ما الذي حدث في قرية «ترسين»؟

في الأول من سبتمبر، تناقلت وسائط الإعلام المحليّة والعالميّة، خبراً عن انزلاق أرضيّ بقرية «ترسين» بمحلية شرق جبل مرّة بولاية جنوب دارفور على الحدود مع ولاية وسط دارفور، نقلاً عن بيانٍ لحركة جيش تحرير السودان – جناح عبد الواحد محمد نور؛ لكنّ التضارُب في تعداد الضحايا على نحو مُفارق أثار ضجّةً على وسائط التواصل الاجتماعي. جاء في بيان الحركة أنّ عدد الضحايا «أكثر من ألف شخص»، بينما أكّدت مصادر محلية أو على صلةٍ بالضحايا، أنّ عددهم لا يتجاوز شخصين. حاولت مُحرّرة «أتَـر» التحقّق من حقيقة ما حدث، وعدد الضحايا، والتناول الإعلامي. يمضي هذا المسرد إلى سرد الأحداث منذ الأول من سبتمبر وحتى وقت متأخّر من ليل 4 سبتمبر.

جميع المواقيت في المسرد أدناه بتوقيت شرق أفريقيا.

1 سبتمبر 2025

7:15م

بحسب منشور (ذو الكفل @HkZuk)، نَشرت عدة حسابات في فيسبوك نعياً لشخصين توفّيا في قرية ترسين غرب قرية سوني في منطقة شرق جبل مرّة بسبب انزلاق أرضي بالجبل. تراوَح زمن النشر بين السابعة والعاشرة مساءً. ولم يُورد أيٌّ من الحسابات، التي من بينها أقرباء المتوفين، وجود ضحايا آخرين؛ كما بيَّنت بعض هذه المنشورات أن حادث انزلاق التربة حدث ليلة الأحد 31 من أغسطس.

الحساب رابط المنشور زمن النشر نص المنشور
عبداللطيف ادم شرف المصدر 7:15 م توفي يوم أمس مساء الساعة خمسة توفي 1560: الفكي علي
ابني بتو: مرتضى
#@
في قرية ترسين
من منطقة جبل مرة
غرب منطقة سوني
إنا لله وإنا إليه الرحعون
شرق منطقة لوقي
عبد اللطيف جرتا
فضائية جبل مرة- Marra mountain المصدر 7:29 م انزلاق الجبل من منطقة شرق جبل مرة قرية ترسين
غرب سوني مما حدا إلى الوفاء نفرين.
انزلاق الجبل يمكن أن يكون كارثة طبيعية خطيرة
بسبب الأمطار الغزيرة يمكن أن تؤدي الأمطار الغزيرة
إلى تشبع التربة بالمياه، مما يزيد من خطر الانزلاق
إنا لله وإنا إليه راجعون
Fathalrahman Ali Mohammed Abdalnor المصدر 7:47 م [...]
نعزي لنفسي وللأسرة الكريمة في جبل مرة، وللرفاق والرفيقات والأصدقاء في الداخل والخارج السودان.
المغفره له أبي (علي محمد عبد النور)
وابن أختي __ مرتضى عبود
بسبب انهيار جبل في ليلة يوم الأحد 31/8/2025
لهم الرحمة والمغفرة ربنا يتقبلهم من الصديقين والشهداء وأن يجعل مثواهم الجنة .
Sabeer Daraja المصدر 9:45 م #البقاء لله وحده وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون
#بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره توفي اليوم شقيق الوالدة
#الخال علي محمد نور #شرق جبل مرة قرية ترسين بأثر وقوع الجبل فوقه
ولا نقول إلا ما يرضي الله.
#اللهم ارحمه واغفر له واجعل قبره روضة من رياض الجنة وأدخله في جناتك يا رب العالمين.

9:20 م

في الأول من سبتمبر في الساعة 9:20 مساءً بتوقيت نيروبي نشرت حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور بياناً في صفحتها على فيسبوك تنعى فيه، عبر سُلطتها المدنية بالأراضي المحرَّرة، سكّان قرية ترسين الذي توفوا نتيجة لانزلاق أرضي بسبب غزارة الأمطار في نهاية شهر أغسطس. وقالت الحركة في بيانها إنّ جميع سكّان القرية الذين يُقدّر عددهم بأكثر من ألف شخص قد ماتوا «ولم ينجُ من بينهم إلا شخص واحد فقط». وناشدت «الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية والضمير الإنساني الحي مساعدتنا لانتشال جثامين الموتى من تحت التراب».

2 سبتمبر 2025

10:38 ص

في صباح اليوم التالي  أصدر مجلس السيادة الانتقالي بياناً، نُشر في صفحته في X، ينعى فيه «رئيس وأعضاء مجلس السيادة […] ضحايا كارثة الانزلاق الأرضي بجبل مرة» ويعزّون أسرهم، ويؤكّدون «تسخير كل الإمكانيات الممكنة لتقديم الدعم والإغاثة للمتضررين».

11:53 ص

نعى د.كامل إدريس رئيس الوزراء وأعضاء حكومته ضحايا «كارثة الانزلاق الأرضي بجبل مرة» والتي قال إنها «أودت بحياة المئات من المواطنين الأبرياء»، وهو أول رقم يصدر عن جهة حكومية في البلاد، كما أكّد أن حكومته تسعى «لتقديم كل ما يمكن تقديمه من الدعم والإغاثة لمساعدة المتضررين جراء هذه الكارثة الأليمة. وأيضاً يُناشد رئيس الحكومة المدنية منظمات العون الإنساني للوقوف وتقديم كل ما يمكن تقديمه بصورة عاجلة».

12:15 م

أصدر رئيس حركة/ جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد أحمد النور بياناً بالعربية والإنجليزية، نُشر في صفحة الحركة على فيسبوك، يؤكد فيه محو القرية وموت جميع سكانها «الذين يبلغ تعدادهم نحو ألف نسمة» عدا شخص واحد، قال فيه إنّ حجم الكارثة «يحتاج إلى تضافر كافة الجهود المحلية والإقليمية والدولية وفرق إنقاذ لانتشال الجثث» وناشد فيه «الأمم المتحدة ووكالاتها، وكافة المنظمات الإقليمية والدولية» المساعدة في إنقاذ مواطني القُرى الأخرى المهددين بحدوث انزلاقات مماثلة. كما عزّى ذوي الضحايا.

1:06 م – 1:12 م

أصدر رئيس الاتحاد الأفريقي بياناً بالإنجليزية تلاه بيانٌ بالفرنسية عن حادثة الانزلاق الأرضي التي قال إنها «وقعت يوم 31 أغسطس في قرية ترسين ولاية شمال دارفور، وقد أخذت حياة أكثر من ألف شخص كما ورد»، ودعا في بيانه ذاته الأطراف السودانية لوضع السلاح والتعاون لإيصال المساعدات الإنسانية.

2:43 م

أصدرت وزارة خارجية قطر بياناً، نُشر في صفحتها على X، تعرب فيه عن تضامنها مع السودان «في مواجهة آثار الانزلاق الأرضي الذي وقع في منطقة جبل مرة في إقليم دارفور»، كما عزّت فيه ذوي الضحايا.

3:07 م

عبّر القائم بأعمال منسّق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان لوكا رِندا في تصريح شاركته صفحة UN OCHA Sudan عن حزنه البالغ «إزاء التقارير التي تُفيد بوقوع انزلاق أرضي في قرية ترسين، الواقعة في جبل مرّة على الحدود بين ولايتي وسط وجنوب دارفور، في 31 أغسطس»، وقال إنّ عدد الضحايا يتراوح بين 300 و1000. كما جاء في الخبر الذي أوردته الأمم المتحدة، أن «بعثة مكونة من عدة وكالات» سوف تقوم بـ«بتقييم الوضع وتوثيق عدد الضحايا خلال الأيام المقبلة».

3:16 م

في مقابلة مع قناة «العربية الحدث»، قال محمد عبد الرحمن الناير، مسؤول القطاع الإعلامي والناطق الرسمي باسم حركة/ جيش تحرير السودان، إنّ الحركة قد وضعت خطة لإجلاء سكّان القرى الأخرى المهدّدة بخطر الانزلاقات لكنّ تنفيذها يحتاج إلى إمكانات كبيرة لا تتوفر للحركة. وعند سؤاله عما إذا كانوا مستعدّين للتعاون مع «حكومة بورتسودان» أو حكومة الدعم السريع، قال الناير إنّ تعاونهم مع الحكومتين يخضع لتقديرات أمنية وسياسية، لأنّ المنطقة تحت سيطرة حركة/ جيش تحرير السودان وهي ليست جزءاً من إحدى الحكومتين، ثمّ قال إنّ نداءهم ومناشدتهم موجّهة إلى المجتمع الدولي والمجتمع الإقليمي والمنظمات الإنسانية بالأساس.

6:12 م

أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً نُشر في صفحتها على X، تُعزي فيه «حكومة وشعب جمهورية السودان الشقيقة في ضحايا كارثة الانزلاق الأرضي بجبل مرّة، والتي أدت إلى وفاة وإصابة المئات من الأشخاص». وفي صباح اليوم التالي 3 سبتمبر، الساعة 9:49 ص نشرت وزارة الخارجية بياناً آخر قالت فيه إن كُلاً من الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان أرسلا برقيات تعزية لرئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان.

6:37 م

أوردت صفحة «الحدث السوداني» التابعة لقناة «العربية الحدث» عن مراسلها «انتشال 90 جثة» من مكان الحدث.

8:27 م

ظهر ڤيديو لشخص يقول إنه من القرية، وتبدو فيه الجغرافيا مُشابهةً للصور على صفحة الحركة، ويقول فيه بلغة الفور إنهم انتشلوا أحد المتوفين وبقي واحد، ويضيف: «لمدة 30 عام ما حصل أمطار زي ده»، ويقول في نهايته بالعربية: «لقوا واحد ميت والباقي لسه مدفونة تحت الطين ديك».

10:11 م

في ظهورٍ آخر للناطق الرسمي لحركة/ جيش تحرير السودان على قناة «العربية الحدث» (نشرته صفحة الحركة في اليوم التالي)، كرّر الناير التصريحات السابقة ذاتها، بما فيها عدد الضحايا والناجين، وأن مناشدتهم «للمجتمع الدولي والإقليمي بالأساس»، وأنّ التعاون مع الحكومتين يخضع لترتيبات أمنية. كما زاد بذكر أن عدد السكان في القرى قد ازداد بسبب النازحين من الحرب، وقال إن عدد النازحين في مناطق سيطرتهم يتجاوز الـ 7 ملايين شخص (رغم أن هذا أكثر من نصف عدد النازحين بسبب الحرب في جميع أنحاء السودان ودول الجوار). وقال إنّ أعداد سكان القرى حالياً تتراوح ما بين ألف وثلاثة آلاف نسمة. وأضاف أن التواصل مع القرية على الأرض يجري عبر إرسال أشخاص سيراً أو على الدوابّ لساعات وانتظارهم ليعودوا إلى أقرب نقطة بها وسائل اتصال. 

3 سبتمبر 2025

11:41 ص

قال الناير في ڤيديو منشور على صفحة الجزيرة-السودان إنهم تمكّنوا من انتشال 100 جثة من الضحايا الـ 1000.

3:10 م

بحسب تصريح صحفيّ مكتوب نُشر في صفحة الحركة على فيسبوك، أفاد رئيس السلطة المدنية بالأراضي المحرّرة، بعد وصوله إلى منطقة ترسين المنكوبة، بأن «حجم القتلى يفوق ما ذُكِرَ في التقرير الأوّلي»، وورد في التقرير المذيّل بتوقيع محمد الناير الناطق الرسمي: «وكذلك أكد بعض الناجين من سكان القرية ما ذهب إليه تصريح رئيس السلطة المدنية بالأراضي المحرّرة، وناشدوا المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية بضرورة التدخّل العاجل لإغاثة هؤلاء الضحايا»، ما يعني ضمنياً وجود أكثر من ناجٍ من القرية، وهو ما يَتضارب مع التصريحات السابقة، ويتضارب مع ما قيل عن عدد سكّان القرية إذ ازدادت تقديرات أعداد الضحايا وذُكر ناجون.

3:28 م -3:31 م

نشرت صفحة حركة/جيش تحرير السودان عدة إفادات مصوّرة بينها «إفادة إحدى الناجيات من قرية ترسين»، وأخرى يظهر فيها متطوّعون من غرفة طوارئ قولو (التابعة لغرف طوارئ جبل مرّة وطويلة)، وَرَد فيها أن عدد الضحايا أكثر من 1500 شخص، وأنّ والخسائر في الماشية 5 آلاف رأس. وجدّد المتحدّث المناشدة ذاتها للمجتمع الدولي. وڤيديو آخر يُظهر عمليات حفر الأنقاض.

4 سبتمبر

12:48م

نشرت BBC Verify صورةً بالأقمار الصناعية حصلت عليها من شركة ماكسار، تُظهر الانزلاق الأرضي وتتطابق مع ڤيديو من موقع الحادثة. وأضافت أنه، وفقاً لتحليل ماكسار للصور، «لم يَبدُ أن أضرار الانزلاق الأرضي قد جرفت أيّاً من مراكز البلدات المجاورة. ومع ذلك، توجد كمية كبيرة من الحطام في الوديان والمنحدرات المحلية». وقالت BBC إنّ هذا يُشكّك في أعداد الضحايا الذين تصرّ الحركة المسلحة على أنهم 1000 شخص.

3:24 م – 5:39 م

نشرت صفحة الحركة تصريحاً صحفياً حول سير عمليات الإنقاذ في القرية ورد فيه أنه جرى «تسجيل مقابلة قصيرة مع أحد مواطني قرية ترسين الذي نجا من الكارثة، وكذلك هنالك كلمات لرئيس السلطة المدنية بالأراضي المحرّرة وبعض الإدارات الأهلية ولجان الطوارئ شرحوا فيها ما جرى من كارثة، وعدد القتلى والجثث التي عُثر عليها ودُفنت، والوضع الإنساني الكارثي»، وأن ڤيديوهات المقابلات (بما فيها مقابلة مع الناجي) مرفقة مع التصريح. لكنّ التصريح لم يتضمّن أياً منها. نُشرت لاحقاً صور من القرية بينها صورة لمجموعة من القبور.

9:20 م

أصدر مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة الاتحادية بياناً بأنّ عدد الضحايا في قرية ترسين شخصان، وأنّ هنالك خسائر كبيرة في الماشية لم تُحصر بعد، وهلاك 500 شجرة برتقال. كما أفاد في البيان بأنّ منظمات أطباء بلا حدود وIMC وTGH وWR توجد الآن في القرية.

11:42 م – 11:49 م

عقب بيان وزارة الصحة الاتحادية تصاعدت وتيرة النشر في صفحة الحركة، إذ نشرت خلال ثماني دقائق ثمانية منشورات جميعها ڤيديوهات بمعدل ڤيديو كل دقيقة. أبرزها كان شهادة «أحد الناجين».

الڤيديو المصدر وصف الڤيديو
تصريح رئيس السلطة المدنية بالأراضي المحرَّرة، القائد/ مجيب الرحمن الزبير، من داخل قرية ترسين المنكوبة.
4 سبتمبر 2025م
المصدر في جمعٍ أمام مقبرةٍ، وَصَفَها رئيس السلطة المدنية بأنها «مقبرة جماعية »، قال إنّ المنطقة لم تعد آمنة، وإنهم قد قرّروا في الحركة تحويل السكّان من هذه المنطقة إلى منطقة آمنة. تحدّث «أحد الناجين من الحادثة »، بحسب تعبير رئيس السلطة المدنية، واسمه السيد مقبول إبراهيم: «يوم الأحد (31 أغسطس) الساعة 5 مساء وقعت الكارثة وانزلقت الأرض وأنا نجوت منها [...] واستمرت الانزلاقات لأكثر من 20 موقع كما تشاهدون [...] وكان في ناس معاي والمياه جرفتهم والوادي شالهم، بعد داك أنا ما قدرت أفهم حاجة لحد اليوم التالي ».
كلمة أحد الأعيان الذين وصلوا إلى قرية ترسين المنكوبة.
4 سبتمبر 2025م
المصدر «وفاة أكثر من ألف وكسر روح».
«في بعض الجثامين في الوديان».
رئيس السلطة المدنية بالأراضي المحرَّرة القائد/ مجيب الرحمن الزبير.
قرية ترسين المنكوبة
4 سبتمبر 2025م
المصدر جمع أمام مقبرة.
«نقيم صلاة الجنازة للذين استطعنا أن ننشلهم من تحت الركام والصخور وأعدنا دفنهم في هذه المقابر الجماعية».
حجم الكارثة التي لحقت بمواطني قرية ترسين المنكوبة.
4 سبتمبر 2025م
المصدر مشاهد من القرية.
تصريح مدير منظمة نيدو من قرية ترسين المنكوبة.
4 سبتمبر 2025م
المصدر قال مدير المنظمة إنهم وجدوا قرابة الألف شخص ارتقوا، ووجدوا 300 جثة.
كلمة الشرتاي آدم سليمان إبراهيم من داخل قرية ترسين المنكوبة.
4 سبتمبر 2025م
المصدر قال الشرتاي إن الضحايا أكثر من «ألف وشوية».
كلمة أحد الأعيان الذين وصلوا إلى قرية ترسين المنكوبة.
4 سبتمبر 2025م
المصدر يُظهر الڤيديو جمعاً من الناس حول قبور، وتحدّث فيه الشرتاي إبراهيم سليمان حسب الله سليمان من شرتاوية دار أمّو قائلاً: «بعدما وقعت الحادث [...] حصلنا على تلتمية كم وسبعين جثة وسترناهم أما الباقين ياهو ده تحت الصخور ما قدرنا نتحصل عليهو والجثث ياهو ده الوادي شالو».
حجم الدمار الذي تعرّضت له قرية ترسين المنكوبة.
4 سبتمبر 2025م
المصدر مشاهد من منطقة الانزلاق.

التغطية الإعلامية

نال خبر الانزلاق الأرضي الذي أصاب قرية ترسين تفاعلاً واسعاً من الإعلام العالمي ومن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. تصاعد عدد المنشورات عن الخبر في منصة X بعد 15 ساعة من بدء انتشاره إلى 4 آلاف منشور، ثم 5.2 ألف منشور يوم 3 سبتمبر (حوالي الساعة الثانية ظهراً)، ثم ارتفع إلى 5.7 ألف منشور في 5:30 مساءً، ووصل 6.1 ألف منشور في 7:00 مساءً، ووصل 6.5 ألف منشور في الساعة 10:38 مساءً.  

كما تُظهر google Trends تصاعداً في نسب البحث عن «قرية ترسين» و Sudan landslide منذ يوم 2 سبتمبر بالمقارنة مع البحث عن «الفاشر» وحرب السودان.

أما في الإعلام العالمي، فقد اعتمدت جميع وكالات الأنباء العالمية مثل رويترز وأسوشيتد بِرس و AFP وبلومبيرغ والجزيرة على بيان حركة/جيش تحرير السودان، ونشرت جميعها الخبر قبل بيان مجلس السيادة، أي قبل صدور تأكيد أو نفي من الحكومة، وثلاث منها عادت وعدلت الخبر لاحقاً.

المنصة الإعلامية زمن نشر المقال رابط المقال المصدر الأوّلي الذي يستند إليه المقال عدد الضحايا
رويترز 2 سبتمبر، 4:41 ص
عُدّل لاحقاً في 3 سبتمبر، 7:43 م
المصدر حركة/ جيش تحرير السودان 1000 على الأقل
أسوشيتد برس (AP) 2 سبتمبر، 8:27 ص
عُدّل لاحقاً في 3 سبتمبر
المصدر حركة/ جيش تحرير السودان 1000 تقريباً
وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) 2 سبتمبر، 5:23 ص المصدر مجموعة مسلّحة أكثر من 1000
بلومبيرغ 2 سبتمبر، 8:28 ص
عُدّل في ذات اليوم 8:20 م
المصدر حركة/ جيش تحرير السودان 1000
الجزيرة الإنجليزية 2 سبتمبر، 10:30 ص المصدر مجموعة مسلّحة أكثر من 1000

كيف تحقَّقنا وماذا وجدنا؟

تكشف كارثة قرية «ترسين» خطورة الفصل بين البيانات والصحافة. البيانات وحدها قد تتحوّل إلى أداة تضليل أو بروباغندا. والصحافة دون تحقُّق قد تنزلق إلى نقل الشائعات أو التضخيم. وحده الجمع بين التحقيق الصحفي الدقيق والتحقّق من البيانات (عبر صور الأقمار الصناعية، وشهادات الناجين، وأدوات التحقّق المفتوحة) يمكن أن يُقرّبنا من الحقيقة.

في محاولات محرّرة «أتَـر» التحقّق من الخبر (دفن القرية بكاملها تحت التراب، ووفاة أكثر من 1000 شخص)، راجعت صور الأقمار الصناعية المتوفرة ومصادر مفتوحة أُخرى.

من الوصف الذي وَرَد في عدة بيانات، فإنّ موقع القرية التقريبي في سلسلة جبال مرّة في محلية شرق الجبل بولاية جنوب دارفور على الحدود مع ولاية وسط دارفور، غرب بلدة/ منطقة سوني. لم يُفلح بحثنا الأوّلي في خريطة OCHA المرجعية لولاية جنوب دارفور ولا في google earth pro أو خرائط قوقل عن نتيجة، إذ إنّ أسماء القُرى في هذه المنطقة لا تظهر عدا بلدة/قرية سوني. حصلت محرّرة «أتَـر» على إحداثيات القرية من تعليق في منشور على حساب @yasseralfadol قال إنه يستعمل تطبيقAlpine Quest (offline maps) للخرائط. أظهرت الإحداثيات التي وفرها قرية صغيرة قرب سوني، وخلال عملية التحقق من المعلومة، رسمت محرّرة «أتَـر» رسم الإحداثيات في أداة Geojson.io، ووجدت أنها تُظهر القرية باسمها على الإحداثيات (24.38611895634287,13.040064368599488) شرق جبل أمّو (بيان الحركة قال إن القرية تقع في دائرة أمّو).

حلّلت محرّرة «أتَـر» صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها لمعرفة: عدد المنازل بالتقريب، مساحة القرية، المعالم الرئيسة للجغرافيا المحيطة بها، وحاولت مقارنة صور الأقمار الصناعية بالصور من بيان حركة/ جيش تحرير السودان، ولتقدير حجم الدمار؛ لكنها لم تستطع التوصّل إلى نتيجة حاسمة في الأمرين.

حاولت محرّرة «أتَـر»، عبر الإحداثيات المتوفرة الحصول على صور مُحدَّثة من قمر سينتينل 2 التابع للاتحاد الأوروبي عبر منصّة كوبرنيكوس، لكنّ الصور المتوفرة ليوم 2 سبتمبر تُغطّيها سحابة كثيفة، وصور يوم 4 سبتمبر أيضاً تُغطّيها سحابة جزئية. وفي المجمل لا توجد صور دون غطاء من السحاب منذ يوم 9 يونيو. تُظهر صورة يوم 4 القرية جزئياً، لكنّ جودتها لا تسمح برؤية الضرر الذي أحدثه الانزلاق على جغرافيا القرية. 

2 سبتمبر
4 سبتمبر

صور المنطقة من قمر سينتينل 2 التابع للاتحاد الأوروبي عبر منصّة كوبرنيكوس يوم 2 سبتمبر ويوم 4 سبتمبر، اسحب المؤشر للتنقل بين الصور

في صباح اليوم التالي أخبرت مصادر في المنطقة مراسل «أتَـر» في نيالا، بأنّ عدد الوفيات لا يتجاوز شخصين. وتحدّث المراسل مع شهود عيان أكّدوا له أن الناجين من القرية يعيشون أوضاعاً كارثية بعد أن فقدوا مساكنهم وممتلكاتهم بما فيها الماشية والمحاصيل. وقالت إحدى ساكنات القرية: «فقدنا كل شيء، الماشية، الملابس، المحاصيل. لم يعد لدينا مأكل ولا مشرب ولا مأوى. نحن بحاجة عاجلة إلى الغذاء والماء والبطاطين والفرشات والمشمعات، فضلاً عن الأدوية الضرورية لعلاج الجرحى والمرضى»، مضيفة أنّ الأطفال يعيشون أوضاعاً صعبة للغاية بسبب نقص الغذاء وانتشار الجوع، في وقت يسود فيه الخوف من تكرار الكارثة مجدداً.

حتى وقت كتابة التقرير لم تنشر حركة/جيش تحرير السودان حصراً بأسماء الضحايا الألف، ولا صورة للجثامين التي قالت إنها انتُشلت من تحت الأنقاض، كما لم تُظهر صورها مقبرة بمساحة يمكن أن تسع نحو 370 شخصاً.

بناءً على إفادة الشهود على الأرض لمراسل «أتَـر» في نيالا، والمنشورات التي سبقت بيان حركة/جيش تحرير السودان، وتضارُب أحاديث وبيانات الحركة، وتصريح وزارة الصحة الاتحادية، وتحليل شركة ماكسار الذي أوردته BBC Verify لصور المنطقة بعد الحادث، وتحليل صور القرية من الأقمار الصناعية ومقارنتها بصور الحادثة، تبدو محرّرة «أتَـر» أقرب إلى الشكّ في رواية حركة/جيش تحرير السودان، رغم إصرار الأخيرة على روايتها، في ما يخص عدد الضحايا وعدد الناجين وعدد الجثث المُنتشَلة. وترجّح المحرّرة أن العدد الصحيح للضحايا هو شخصان، وأنّ الانزلاق لم «يمحُ القرية تماماً» لكنه تسبّب في خسائر مقدّرة في المواشي والأشجار.

ما الذي يعنيه ذلك للسودان؟

هكذا، تحوّلت أعداد الضحايا إلى أداةٍ في الصراع السياسي والإعلامي، وشكّل العالم انطباعاً أولياً بأنّ كارثة «ترسين» قد التهمت قريةً بأكملها. لكنّ الحقيقة الأعمق تكمن في أنّ الناجين وجدوا أنفسهم بلا مأوى ولا غذاء ولا دواء، وأنّ حياتهم اليومية صارت معلّقةً على وعود إغاثة قد لا تصل. ههنا يتجلّى التوتر بين الحقيقة الإحصائية التي تتنازعها الأطراف ببياناتها المنفلتة، والحقيقة المعيشة التي يرويها الناس بأجسادهم الخاوية وخوفهم من انزلاق جديد.

وفي حرب مثل حرب السودان، لا يقتصر الصراع على السيطرة على الأرض، إنما يمتدّ إلى السيطرة على الرواية: من يحدّد عدد القتلى؟ من يقرِّر إن كانت كارثة طبيعية أم جريمة إهمال؟ من يملك حقّ إعلان الحقيقة للعالم؟ ليست الإجابة عن هذه الأسئلة محض شأن تقني، إنما هو شأن سياسيّ وأخلاقي. لأنّ أعداد الضحايا ستحدِّد لاحقاً أين تُوجَّه المساعدات، وكيف يُكتب التاريخ، ومن يُحاسَب ومن يُعفَى.

تضعنا كارثة «ترسين» أمام سؤال جوهريّ: كيف نصنع الحقيقة في زمن الحرب؟ هل نتركها رهينة بيانات متناقضة تتقاذفها الأطراف؟ أم نعيد الاعتبار لصحافةٍ تحقّق وتربط الأرقام بالشهادات الإنسانية؟ من شأن الجواب أن يغيّر الجواب صورة «ترسين»، ويحدّد مصير آلاف القرى السودانية الأخرى التي قد تُمحى من الخرائط، لا بفعل الكوارث وحدها، إنما بفعل الروايات المتصارعة أيضاً.

وبعد، لمزيدٍ من التحقّق، ستتابع «أتَـر» مسار الأحداث في مقبل الأيام بانتظار الحصول على صور أقمار صناعية بجودة أفضل ولا تغطيها السحب لتأكيد أو نفي رواية الحركة.

ملحق: عملية التحقق من رواية حركة/جيش تحرير السودان

صورة لقرية ترسين من Google Earth Pro في 2023 لكن تغطيها السحب جزئياً

صورة لترسين من ذات المصدر السابق لكن في 2015 أثناء فصل الجفاف وهذه التي سنستعملها للتحليل

تتجمع البيوت في القرية في ثلاث مجموعات تفصلها مساحات زراعية كما تظهر الوديان التي تتخل القرية وتمر بقرب البيوت لكن ليس وسطها، مع ملاحظة أن البيوت قد تكون في مستوى اعلى من الوادي.

رغم صعوبة القطع بعدد البيوت لانها تتداخل مع بعضها (كأي قرية سودانية) يمكننا تقدير عددها بحوالي خمسين منزلاً، ورغم أن جزء من المباني يمكن أن يكون حظائرللماشية، لكن حتى باستبعاد هذا وبفرض ان كل منزل يأوي أسرتين بسبب النزوح وكل أسرة تتكون من 6-7 أفراد (وهو متوسط عدد افراد الاسرة في السودان) يكون عدد سكان القرية حوالى ال700.

بمقارنة الصورة بصورة ماكسار التي أوردتها BBC Verify  نقدر حدوث الانزلاق في المنطقة المشار اليها بالشكل البيضاوي

وبمقارنتها مع صورة من الأرض نجد ان الانزلاق حدث في ثلاث مناطق في الجبل لكنها تجمعت في الوادي مايجعل من الصعب تصديق رواية أنه جرف القرية كلها نظراً لوجود مساحات بين تجمعات المنازل، وهو ما يعضده تحليل ماكسار للصور بان معظم الحطام قد انجرف في مجاري السيول والخيران ولم ينزل في القرية.

ويمكننا في هذه الصورة (من صفحة حركة/جيش تحرير السودان) رؤية الوادي بوضوح كما يتعذر رؤية آثار لحطام منازل!

Scroll to Top