أتر

أهوال المعلّمين: رواتب متآكلة وأخطار من كلّ اتجاه

بينما يُطالب مُعلّمون في مناطق سيطرة الجيش السوداني بزيادة الحدّ الأدنى للأجور، الذي تآكَل بفعل عوامل عدّة، أهمّها تدهور قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع معدّلات التضخّم، وانعكاس ذلك على القدرة الشرائية للمعلمين؛ ينظر المعلّمون في مناطق سيطرة الدعم السريع، إلى هذه المطالبات بأنها تَرَف، رغم إقرارهم موضوعياً بأهمّيتها، ويُقارنون وضع نظرائهم مع أوضاعهم التي وصفها مُعلّم، يقيم في إحدى مناطق سيطرة الدعم السريع تحدَّث لـ«أتَـر»، بأنها مكابدة من أجل البقاء، إذ إنّ حفظ حياة المعلّم نفسها في تلك المناطق يُعدّ انتصاراً، فالموت يتخطّفهم من كلّ اتجاه، ومجرد معرفة أنك معلّم في بعض المناطق، ستودّي بك إلى الموت، لأنك موظّف حكومي، وبذلك رغم أنفك، ستكون في نظر الدعم السريع تابعاً لسلطة الجيش السوداني.

في وسط السودان، يعمل المعلّم أبو الحسن علي الفادني، 43 عاماً، بمدرسة «مُقدر» الابتدائية، في محلية الحصاحيصا بولاية الجزيرة، وقد تسلّمَ راتبه لشهر يوليو 2025، والبالغ 95 ألف جنيه سوداني، عبر تطبيق بنك الخرطوم «بنكك»، لكونه في الدرجة الخامسة، وذهب به فوراً إلى دكان الحي القريب منه لشراء مستلزمات أسرته المكونة من زوجته وأربعة أطفال، واشترى 5 كيلو سكر بسعر 17 ألف جنيه، و5 أرطال زيت بسعر 24 ألف جنيه، ورطلاً من البُن بـ 10 آلاف جنيه، ورطلاً من الشاي بـ 7 آلاف جنيه، وكيلو من الأرز بـ 5 آلاف جنيه، وكيلو من العدس بـ 5 آلاف جنيه، وكيلة «ربعين» من الذرة بسعر 25 ألف جنيه، وتبقى له ألفان من الجنيهات.

تذكّر أبو الحسن أنه يريد أن يُجري مكالمة هاتفية، مع والدته المريضة، في قرية تبعد من مكان إقامته نحو 30 كيلومتراً، إذ لا سبيل للوصول إليها، فهو لا يملك بعد ذلك ثمن تذكرة المواصلات، ولم يتبقّ في جيبه شيء يشتري به لها ما يحمله الشخص وهو داخل على والدته المريضة أيضاً، فاكتفى بشراء رصيد لشحن لهاتفه بمتبقي راتبه حتى يطمئنّ عليها، وهو ما وصفه بـ«أضعف الإيمان».

كان الفادني يحمل ما ابتاعه من الدكان، في جوال من البلاستيك، حين التقى مراسل «أتَـر»، وهو يُفكر في ما تبقى من مستلزمات سجّلها في ورقة، لم يسعفه راتبه لشرائها، على الرغم من كون الراتب شاملاً البدلات والفروقات، إذ إنّ راتبه الأساسي لا يتعدى الـ 50 ألف جنيه فقط، مُنوّهاً إلى أن ما يحمله بالكاد يكفي أسرته لأسبوع، قد ينقص ولا يزيد، وفقاً لما قال.

تكشف الدراسة الصادرة عن المكتب الاجتماعي للجنة المعلّمين أنّ الراتب الأساسي للدرجة 17 مدخل خدمة (العامل) يبلغ 12 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل 3.5 دولار تقريباً؛ بينما يبلغ الراتب الأساسي للدرجة الأولى لمعلّم عمل ما يقارب الثلاثين عاماً في الخدمة يبلغ 96 ألف جنيه سوداني أي ما يعادل 30 دولاراً فقط.

وقد تهاوت قيمة العملة الوطنية «الجنيه» على نحو بالغ من تأريخ آخر زيادة لرواتب المعلمين في العام 2022، إذ كان الدولار الواحد يعادل وقتها 575 جنيهاً في السعر الرسميّ في ديسمبر من العام ذاته، وفي السوق الموازي كان نحو 590 جنيهاً، بينما يبلغ حالياً 3500 جنيه سوداني، وهو الأمر الذي أدّى إلى تآكل قيمة رواتب المعلمين، التي باتت لا تساوي شيئاً بالنظر للارتفاع الجنوني للأسعار. 

ووفقاً لدارسة حديثة صادرة عن لجنة المعلمين السودانيين، اطّلعت عليها «أتَـر»، فإنّ تكلفة المعيشة لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد شهرياً، هي «مليون و652 ألف جنيه سوداني» وتُعادل 485 دولاراً تقريباً. وتكشف الدراسة الصادرة عن المكتب الاجتماعي للجنة المعلّمين أنّ الراتب الأساسي للدرجة 17 مدخل خدمة (العامل) يبلغ 12 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل 3.5 دولار تقريباً؛ بينما يبلغ الراتب الأساسي للدرجة الأولى لمعلّم عمل ما يقارب الثلاثين عاماً في الخدمة 96 ألف جنيه سوداني أي ما يعادل 30 دولاراً فقط. وتذهب الدراسة لتبين أنّ العاملين جميعاً بلا استثناء، يقعون تحت خطّ الفقر المدقع، المعروف عالمياً بالحالة التي يعجز فيها الإنسان عن الوفاء بأدنى متطلّبات الحياة، ويبلغ 1.9 دولار في اليوم.

وتزامَن صدور دراسة لجنة المعلمين مع خبر نشرته وكالة الأنباء الرسمية في السودان «سونا» في الأول من سبتمبر، جاء فيه أن رئيس الوزراء د. كامل إدريس، قد أعرب عن تقديره لجميع المعلّمين وإسهاماتهم في نهضة الدول من خلال تنشئة الأجيال وغرس القيم الوطنية ونشر الوعي في جميع مجالات المعرفة، مشيداً بما ظلّوا يقدّمونه من إسهامات علمية ومعرفية، وجاء ذلك أثناء اتصال هاتفي أجراه رئيس الوزراء مع أحد معلّميه في المرحلة المتوسّطة بالخرطوم. وتمنّى معلّم تحدّث لـ«أتَـر»، تعليقاً على الخبر، أن يكون رئيس الوزراء قد فهم أوضاع المعلّمين بالغة السوء، من أستاذه الذي حادثه.

وفي أكتوبر من العام 2022، أعلن وزير التربية والتعليم الاتحادي محمود سر الختم الحوري، أنه جرى الاتفاق مع وزارة المالية والاقتصاد، على تطبيق زيادات في رواتب المعلّمين. وكان هذا آخر تعديل في رواتب المعلمين، قبل اندلاع الحرب التي تسببت في تدهور مُريع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب السوداني وضمنه قطاع التعليم. وطُبّقت الزيادات حينها بواقع 70%. وفي التوقيت ذاته في شهر أكتوبر من العام 2022، بلغ معدّل التغيير السنوي في الأسعار «التضخّم» 102.61%.  وفي يونيو 2025، أعلن الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، أنّ معدل التضخم السنوي في البلاد قد ارتفع خلال شهر مايو 2025 ليبلغ 142.82%، مُقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

وفي آخر دراسة قبل نشوب الحرب، كانت لجنة المعلمين السودانيين، قد أعلنت في سبتمبر 2022، عن أنّ تكلفة معيشة أسرة متوسّطة مكوّنة من 5 أفراد، وفقاً لأسعار السوق، بالتركيز على الأساسيات بعيداً عن الرفاهية والمساهمات الاجتماعية والطوارئ، تبلغ 579 ألف جنيه، ويغطي متوسّط راتب المعلّم 13.3% من تكاليف المعيشة.

أجبرت قوات الدعم السريع محمدين على الذهاب إلى المدرسة، ولمّا لم يُعطَ راتبه بدأ تدريجياً في الانسحاب، ويعلّل التدرج في ذلك بالخوف على حياته، إذ يقول: «هناك لا يمكنك قول (لا) مباشَرة، ولا حتى بالتلويح، ولا حقّ لك في المطالبة بشيء».

في حديثه لـ«أتَـر»، يقول محمدين إبراهيم آدم، معلّم بالدرجة السابعة في المرحلة المتوسطة، بإحدى ولايات دارفور التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع (غيّرنا اسمه ودرجته الوظيفية، وأخفينا مكان سكنه، حفاظاً عليه، لكونه لا يزال داخل إحدى المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع)، إنه ترك وظيفته في التعليم لتوقّف الدراسة بالمنطقة منذ وصول الحرب إليها في أكتوبر من العام 2023، وتحوَّل إلى مهن أخرى منها «عامل بناء» و«راعي ماشية». ونوَّه إلى أنّ راتبه لم يصله منذ شهر يونيو من العام ذاته، وتدهورت أحواله بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة. ومع استمرار الصراع وكثرة الانتهاكات ضد المواطنين، هجمت عليهم جماعة مسلّحة، لتسرق منهم كلّ ما كان مدّخراً في منزلهم ولم تترك حتى الأثاث، فبات وأسرته ينامون على جوالات فارغة جمَعَها من السوق.

«حتى ولو أعطوني راتبي الذي كان قبل الحرب، فإنه لا يكفيني ليوم واحد، إذ يبلغ سعر الكيلو من الدخن مثلاً 50 ألف جنيه، وما تبقى لا يُمكّنني من شراء مستلزمات وجبة غداء ليوم واحد»، يقول محمدين واصفاً حاله.

وفي سبتمبر من العام 2024، أجبرته قوات الدعم السريع على الذهاب إلى المدرسة، ولمّا لم يُعطَ راتبه بدأ تدريجياً في الانسحاب، ويعلّل التدرج في ذلك بالخوف على حياته، إذ يقول: «هناك لا يمكنك قول (لا) مباشَرة، ولا حتى بالتلويح، ولا حقّ لك في المطالبة بشيء»، ويضيف: «بالنسبة للظروف الحالية في إقليم دارفور، فإنّ الحديث عن تعليم ورواتب يُعدّ ترفاً، إذ إنّ حقّ الحياة نفسه منتهك». اضطرّ محمدين للنزوح من ذاك المكان إلى مكان آخر ليس به مدرسة، لأنّ زميله قد قُتل أمامه لمجرد أنه عاقب تلميذاً في المدرسة والده جندي في قوات الدعم السريع.

ويَعيش محمدين الآن في إحدى القرى في ظروف يصفها بأنها «مأساوية»، وقد زرَع جزءاً من أرض زراعية تخصّ شخصاً آخر نزح منها إبان الحرب، شارحاً أنه حفر الأرض هو وأسرته بأيديهم، ونثروا البذور التي أنبتها المطر والآن يفلحونها يدوياً أيضاً. يقول: «نلوك الصبر حتى تصل زراعتنا هذه لمرحلة الحصاد». ويُشير إلى أنه إضافة لذلك يعمل في أحيان أخرى أجيراً بإحدى المَزارع، حتى يوفر جزءاً ممّا يقيم أود أطفاله، ويلفت إلى أن زوجته التي كانت عاملة نظافة في المدرسة التي يعمل فيها، تحوّلت لبيع أشياء بسيطة مثل حبّ التسالي، وأحياناً تصنع الطعام لجنود من قوات الدعم السريع ينصبون نقطة ارتكاز بالقرب من مكان سكنهم، مقابل أخذ ما يتبقّى من طعام، ودون تقديم أي مقابل مادي لها. يقول: «زوجتي مضطرّة لذلك، ونخاف من أن يؤثر ذلك على طبيعة حياتنا مستقبلاً إن تبدّلت الأوضاع الحالية رغم سوئها».

متحدّثاً لـ«أتَـر»، ينبّه عضو المكتب التنفيذي والناطق الرسمي باسم لجنة المعلّمين، سامي الباقر، إلى أنّ سُلطتي بورتسودان ونيالا تستخدمان الرواتب، على قلّتها، سلاحاً ضد المعلمين، وأنها لا تحفظ الجزء الأكبر من حياة المعلّم وأسرته، كاشفاً عن أن الحكومة في بورتسودان تصرف الرواتب جزئياً على عدد محدود من المعلمين في مناطق سيطرة الدعم السريع، وتهدّدهم بقطعها إن أبدوا أي علاقة تعاون مع ما يُسمّى «الإدارات المدنية» التي ينشئها الدعم السريع في مناطق سيطرته، وكشف عن ظهور كشوفات بها أسماء مئات المعلّمين الذين صُنّفوا متعاونين مع الدعم السريع، وأُوقِفت على إثر ذلك رواتبهم، واتّهم من سمّاهم «كوادر النظام السابق» بتصفية حساباتهم مع معلّمين، والضغط على حكومة بورتسودان لتصنيفهم متعاونين في إقليمَي دارفور وكردفان تحديداً. وفي المقابل، وطبقاً للباقر، فإنّ قوات الدعم السريع شرعت في اتخاذ خطوات تصل إلى حدّ الإعدام لمن يتسلَّم رواتب من بورتسودان، ويُعدّ متعاوناً مع قوات الجيش، وزاد قائلاً: «بات المعلّم متنازَعاً بين مطرقة الجيش وسندان الدعم السريع». وأبدى خشيته من تحوّل رواتب المعلّمين إلى وسيلة لتقسيم السودان.

ونبّه الباقر إلى أنهم، وحسب ما توافر لديهم من معلوماتٍ وَصَفها بـ«الشحيحة»، نسبة لانقطاع الاتصالات وتشتُّت المعلمين في مناطق سيطرة الدعم السريع، فإنّ هذه القوات لا تدفع أيّ رواتب للمعلمين هناك. ووصَف الوضع في تلك المناطق بأنه «كارثي»، وكشف عن أن أغلب المعلّمين تركوا مهنة التعليم وتوجّهوا نحو مهن أخرى، حتى يبقوا على قيد الحياة، خاصة وأنه لا توجد مدارس منتظمة، وزاد: «المعلّمون العالقون في مناطق سيطرة الدعم السريع أوضاعهم مُزرية إلى حدٍّ بعيد، ويعيشون تحت خطّ الفقر، بدرجة لا يمكن تصوّرها، ويتعرّضون في بعض الأحيان لانتهاكات فظيعة بسبب مهنتهم»، وكشف عن وفاة عدد من المعلمين بقصف الطيران، وإعدام عدد كبير منهم بسبب تُهم جاهزة وهي التعاون مع الجيش.

ويشدِّد الباقر على أنَّ المدخل الأساسي الآن، لإصلاح ظروف عمل المعلّمين، هو إيقاف الحرب أولاً، والالتزام بصرف الرواتب وتعديلها، وعدم تجييرها لمصلحة طرف من أطراف الصراع.

ويقول الباقر تعليقاً على الدراسة الأخيرة، إنّ اللجنة ظلّت تُجري دراسة على أوضاع المعلّمين، بالنظر إلى الأسعار في السوق، وقيمة العملة الوطنية «الجنيه» منذ العام 2010، ويشير إلى أن مذكّراتهم في هذا الصدد كانت تُحدث أثراً وتُجبر السلطات على تنفيذ ولو جزء من مطالب المعلمين. بَيد أن الباقر يعود ليقول إنّ عمل اللجنة قد أصبح أشدّ تعقيداً في ظلّ الحرب، وانحدار أوضاع المعلّمين نحو الحضيض، وحالة الانقسام التي تشهدها البلاد حالياً. ويشدّد الباقر على ضرورة رفع الحدّ الأدنى لأجور المعلمين إلى 184.860 جنيه سوداني، ويلفت إلى أنه في الظروف الطبيعية، فإنّ مثل هذه الدراسة كانت ستخرج منها مذكّرات لولاة الولايات والحكومة الاتحادية، وأنّ الظروف الحالية لا تسمح بذلك، خصوصاً وأنّ المعلمين الآن، في ظروف لا تناسب القيام بإضراب، وفقدوا بالتالي ميزةً نسبيةً ووسيلةَ ضغطٍ مهمّةً لنيل حقوقهم.

Scroll to Top