لم تتأثَّر الحياة في جزيرة توتي كثيراً خلال الأشهر الأولى للحرب. كان الجسر الذي يَربطها بالخرطوم مفتوحاً أمام حركة السيارات، التي كانت تعبره للوصول إلى الخرطوم، حيث تُجلب السِّلع إلى الجزيرة، على الرغم من أنّ الاشتباكات كانت قريبة منه، ثمّ وَضعت قوات الدعم السريع ارتكازاً عند مدخل الجسر، ورويداً رويداً بدأت بالتوسّع وإقامة الارتكازات داخل الجزيرة، وإدخال الأسلحة الثقيلة، والتضييق على السكّان فبدأوا ينزحون. وعندما شَنَّ الجيش هجومه المُضاد الكبير في عملية عبور الجسور في 26 في سبتمبر 2024، وتقدَّم في منطقتي شمال بحري والمقرن، بدأت الدعم السريع فرضَ حصارٍ خانقٍ على من تبقّى في الجزيرة، وصل ذروته في أكتوبر 2024؛ عندها خاطر السكّان للخروج بعبور النهر إلى الخرطوم بحري وأم درمان.
تحدثت مراسلة «أتر» مع وليد عمر، من إعلام لجنة الإسناد المدني بجزيرة توتي، ومُشرف مراكز إيواء نازحي توتي بأم درمان وهي ثلاثة في داخلية المنهل بالثورة 3 غرب كرري، ومدرسة مهاجر الثانوية في الثورة الحارة 13، وداخلية عزة ببيت المال. يقول وليد عمر إنّ الحياة اليومية في الأشهر الأولى لدخول الدعم السريع لجزيرة توتي كانت شبه طبيعية. وخلال تلك الفترة كان السكّان يَعتمدون في طعامهم على 11 تكية، يُموّلها المغتربون من أبنائهم عبر مُبادرة من أجل توتي. حينئذٍ كان الخروج من الجزيرة والدخول إليها يجري عبر «إذْن خروج» يَصدُر من «العمدة» وهو قائد في قوات الدعم السريع، مقابل رسومٍ مالية. لكن، ومع تقدُّم الجيش نحو المقرن والحلفايا في 26 سبتمبر 2024، بدأت الانتهاكات والتضييق على السكّان، وأصبحت الحياة صعبة جداً، وصار أهل الجزيرة يخرجون للضروريات فقط، مُعرَّضين للضرب والنهب والاعتقال والتحرّش بالفتيات. يُضيف عمر أن السكّان الذين أُجْلوا في أكتوبر 2024، خرجوا مقابل مبالغ مالية مُتفاوتة تتراوح بين مليون ومليون ونصف المليون جنيه سوداني حسب عدد أفراد الأسرة، وتُدفع للعمدة الذي بدَوره يدفع لمنسوبيه في الارتكازات، وقد عانى أصحاب الأمراض المزمنة، خاصة من يحتاجون أجهزة التنفّس والكهرباء، ما دفع العديد منهم لمغادرة الجزيرة نحو الولايات الآمنة ومصر.
العودة تاني
تروي أم محمد في حديثها لمراسلة «أتَـر» أنه وبعد فترة قصيرة من إقامتها في مركز الإيواء، وبعد استعادة توتي إلى سيطرة الجيش مباشرةً، طُلب منهم المُغادرة والعودة إلى توتي بأمرٍ من والي الخرطوم، وقد أخطرتهم بذلك إدارة الدار التي تتواصل مباشرة مع الوالي.
في مارس 2025، أعلنت قوات الجيش «تأمين كبري توتي وفندق كورنثيا والمناطق المحيطة»، ما عَنَى عملياً استعادة توتي بعد نحو عامين من سيطرة الدعم السريع على تلك المنطقة.
«عدتُ إلى توتي في 24 أبريل 2025، بعد أن خرجتُ منها في 10 أكتوبر 2024»، تقول أم محمد، التي نزحت من الجزيرة إلى مراكز إيواء في داخلية المنهل بالثورة الحارة 3 غرب كرري. وتروي في حديثها لمراسلة «أتَـر» أنه وبعد فترة قصيرة من إقامتها في مركز الإيواء، وبعد استعادة توتي إلى سيطرة الجيش مباشرةً، طُلب منهم المُغادرة والعودة إلى توتي بأمرٍ من والي الخرطوم، وقد أخطرتهم بذلك إدارة الدار التي تتواصل مباشرة مع الوالي. وتُضيف أم محمد أنه وبخلاف ذلك، ازدادت مخاوفهم من البقاء بسبب عمليات السرقة من قبل «الشفشافة» التي كان النازحون يتعرّضون لها. ويقول وليد عمر، إنّ أول العائدين إلى توتي كانوا نازحي مراكز الإيواء الثلاثة وأهالي توتي في أم درمان، عبر تفويج من المؤسسة التعاونية الوطنية التابعة للقوات المسلحة بتاريخ 22 أبريل 2025.
ورغم مرور ما يُقارب الخمسة أشهر على فكّ حصارها واستعادتها إلى سيطرة الجيش، ما زالت جزيرة توتي تُعاني من آثار ذلك الحصار الطويل. يضيف وليد عمر أنّ الأوضاع عند العودة كانت صعبة للغاية، إذ باتت توتي أشبه بمدينة أشباح: تحطَّمَت المحال التجارية وامتلأت الشوارع بالمنهوبات، وانتشرت الأشجار الضارة التي أخفَتْ معالم المنازل، إضافة إلى الروائح الكريهة وانتشار البعوض والحشرات، ما أدّى إلى تفشّي الأوبئة مثل حمّى الضنك والملاريا والتايفويد، بجانب نقص الخدمات وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
أزمة الكهرباء
يصف سعد الدين مشكلة الكهرباء بأنها «أصعب مشكلة في توتي حالياً»، فهي مرتبطة بكلّ شيء: المياه والأدوية وحفظ الطعام، ودونها تصبح الحياة مشلولة.
يُوضّح سعد الدين، العائد إلى توتي، أنّ عودة السكّان إلى الجزيرة بعد فك ّالحصار كانت جزئية، بسبب غياب الخدمات الأساسية، وخاصة الكهرباء، إضافة إلى ارتباط بعض منهم بالعام الدراسي في الولايات. أما عنه هو وأسرته، آخر الأسر التي خرجت ومن طلائعها العائدة، فيقول إن الواقع كان صادماً بالنسبة لهم، إذ وجدوا المنزل منهوباً ومُتضرِّراً، والشوارع خالية من الحياة، ولا كهرباء أو مياه منتظمة. ويصف سعد الدين مشكلة الكهرباء بأنها «أصعب مشكلة في توتي حالياً»، فهي مرتبطة بكلّ شيء: المياه والأدوية وحفظ الطعام، ودونها تصبح الحياة مشلولة. يتابع سعد الدين حديثه لـ«أتَـر» قائلاً: «نعتمد حالياً على لمبات شحن صغيرة أو بطاريات الطاقة الشمسية المحدودة، وبعض الأسر لديها مولّدات، لكنّ الوقود غالٍ والحصول عليه صعب». ويضيف: «إنّ وجود الخدمات يُعيد الحياة ويُشجّع الناس على البقاء وإعمار الجزيرة، كما أنّ استمرار انقطاع الكهرباء يُعطي انطباعاً سلبياً ويَجعلنا نشعر بأننا منسيّون».
في 7 سبتمبر وجّهت غرفة طوارئ جزيرة توتي نداءً عاجلاً إلى الجهات الرسمية المُختصّة للنظر في مشكلة انقطاع الكهرباء عن الجزيرة منذ 8 أغسطس 2023، وخلال فترة حصار الدعم السريع لها وحتى بعد استعادتها، موضحةً أن استمرار غياب الكهرباء، في ظلّ عودة أسر كثيرة إلى الجزيرة، يزيد أعباء المواطنين ويُعيق عودة الحياة.
وأوضحت غرفة طوارئ جزيرة توتي لمراسلة «أتَـر» أنّ شبكة الكهرباء تعرّضت لأضرار كبيرة، جزء منها بسبب القصف أثناء الحصار، والجزء الأكبر نتيجة تخريب متعمّد من قوات الدعم السريع، شمل إتلاف المحوّلات وسرقة الكيبلات الأرضية، مضيفةً أنّ إعادة التيار لجميع المناطق السكنية تتطلّب جهداً كبيراً من السلطات. وأوضحت الغرفة أنّ بعض الخطط لإعادة الكهرباء قيد التنفيذ، ومنها توصيل خط الضغط العالي من أم درمان مروراً بالمقرن ثم توتي ووسط الخرطوم، لكنّ التأخير الطويل سبب أساسي في عدم رغبة كثير من السكّان في العودة في مثل هذه الأوضاع.
وأشارت غرفة الطوارئ إلى أنّ آثار الحصار واستمرار انقطاع الكهرباء لا تزال ملموسة على حياة سكّان الجزيرة اليومية، مُشيرةً إلى أنّ معظم الأهالي اضطرّوا للاعتماد على اللمبات القابلة للشحن بالطاقة الشمسية لتوفير الإضاءة، بينما لجأت العديد من الأسر إلى الفحم والحطب للطهي بسبب توقّف الثلاجات وانعدام الغاز. وأوضحت الغرفة أن شحّ المياه تَفاقم، إذ يعتمد تشغيل الطلمبات على الكهرباء، واضطرّ بعض الأهالي لاستخدام الجاز لتشغيل المولّدات، إلا أنّ ارتفاع الأسعار وانقطاع السيولة جعلا ذلك صعباً جداً.
وقالت غرفة طوارئ توتي، إنّ أغلب مناطق الخرطوم تُواجه نفس التحدّيات التي تواجهها توتي، مع انتشار أمراض مثل حمى الضنك والملاريا والتايفويد، لكن بعض الأحياء استعادت الكهرباء تدريجياً، ما جعل سكان توتي يَشعرون بالتهميش، لأنّ استمرار الانقطاع أثّر على جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك صعوبة حفظ الأدوية مثل الإنسولين، ما أجبر المرضى على البحث عن حلول بديلة، وفساد الطعام سريعاً لغياب الثلاجات، ما اضطرّ الأسر للاعتماد على «عمل الأكل يوماً بيوم». كما أنّ مركز صحي توتي يعمل بطاقة شمسية محدودة ما أثَر على تقديم الخدمات على النحو المطلوب. وأضافت الغرفة أنّ بعض النازحين عادوا فور استعادة الجزيرة، لكنّ كثيراً من الأسر وجدت منازلها متضرّرة أو منهوبة، وأنّ التحديات الحالية تشمل غياب الكهرباء تماماً، ونقص الأدوية والخدمات الصحية، وإعادة بناء المنازل، وتوقّف المطابخ المشتركة نسبة لضعف التمويل، والحاجة إلى توفير وسائل لكسب العيش للأسر المتضرّرة.
الساعة الثانية بعد الحصار
يصف سعد الدين وضعهم أثناء الحصار قائلاً: “كانت الحياة صعبة للغاية، كنا شبه معزولين عن العالم، اعتمد الناس على بعضهم في المأكل والمشرب، نتشارك القليل المتاح، كان الخوف حاضراً دائماً، وأصوات السلاح حولنا لم تتوقّف، لكنّ الأهالي وقفوا مع بعضهم البعض وتحمّلوا”. وأردف قائلاً: “توتي هي البيت والأرض والذاكرة، مهما كانت الظروف صعبة، لا نستطيع مغادرتها، أهلها مترابطون، وكل شخص يقف بجانب الآخر، وهذا ما يدفعنا للصبر والتمسّك بها”، وزاد آملاً: “نتخيَّلُ الجزيرة عائدة أجمل مما كانت عليه، بيوت عامرة، شوارع مُضاءة، أصوات أطفال في المدارس، ومراكز صحية تعمل بكل طاقتها، نحلم بعودة الحياة إلى طبيعتها، وأن يكون الحصار مجرد ذكرى مؤلمة عبرناها”.
ذلك التمني يلخّص تمسّك أهل توتي، بعد سنتين من الحصار والنزوح، بالأرض والذاكرة؛ فالأهالي رغم ما حدث يحلمون بجزيرة مضاءة، تعود فيها أصوات الأطفال إلى المدارس، وتنفتح البيوت على ضفاف النيل كما كانت، ويظلّ الأمل أكبر سلاح لسكان مواطني توتي في مواجهة واقعهم القاسي، انتظاراً ليوم تعود فيه الحياة كما عرفوها.



