أتر

في شأن السلطنة الزرقاء: «عصر البطولة في سنار» و «الدولة والأيديولوجيا في سلطنة الفونج (1500-1821)»

مانجل فازوغلي كما رسمه الرحّالة الفرنسي فريدريك كايو

Frédéric Cailliaud, Voyage à Meroë, Voume 3, 1826

قدَّم عبد السلام سيد أحمد، رسالة ماجستير بعنوان «الدولة والأيديولوجيا في سلطنة الفونج (1500-1821)» في عام 1983م، بجامعة الخرطوم. وصدرت الطبعة العربية الأولى لكتاب «عصر البطولة في سنار»، من تأليف جاي سبولدنق، وترجمة أحمد المعتصم الشيخ، في عام 2010م عن هيئة الخرطوم للصحافة والنشر. وكان الكتاب قد صدر بالإنقليزية في عام 1985م عن مركز الدراسات الأفريقية بجامعة ولاية متشغان الأمريكية. وقد تناول العملان تاريخ سلطنة الفونج من مختلف جوانبه. تَعرض هذه المراجعة أطروحات العملين، بالتركيز على النشأة والنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، واضمحلال السلطنة أمام الغزو التركي.

نشأة السّلطنة

يتّفق عبد السلام وسبولدنق على بروز فائض إنتاجي في البقعة الجغرافية الواسعة التي تتوسّطها ضفاف النيلين، قبل قيام الدولة المركزية في سنار عام 1504، وهو ما شكّل في ما بعد سلطنة الفونج. لكن كان هناك صراع على فائض الإنتاج هذا بين الفونج والعبدلّاب؛ أكبر مكوّنين في المنطقة حينها، انتهى بانتصار الفونج، ليستقرّ الأمر على تسوية تتضمّن تحالفاً هشّاً بين القبائل الكبيرة. كان هذا التحالف أساسَ سلطنة الفونج لإدارة هذه القفزة الإنتاجية الهائلة وتوزيعها، فأصبح سكّان القطر رعايا لدى السلطنة، وهيمن السلطان وحاشيته على فائض إنتاجهم، وتحوّلت مجتمعات الإنتاج الكفافي إلى إقطاعيات لنبلاء الفونج ونبلاء حلفائهم من القبائل الأخرى. هكذا، مع بروز فائض الإنتاج برزت الدولة المركزية، وبرزت الطبقية أيضاً.

بطبيعة الحال، كان البلاط هو قلب جهاز الدولة في سنار، ويضمّ عدداً من الشخصيات يتراوح بين 20 و25 رجلاً يشكّلون جهاز حكم الدولة؛ ويتضمّن مقاعد رسمية حُجزت بنظام الوراثة لنبلاء الفونج، مثل الوزير والأمين والجندي، ومقاعد أخرى شَغلها البيروقراطيون والضبّاط ومانجلّات «حكّام» الأقاليم، فضلاً عن تمثيل ديني لشيوخ شغلوا مقاعد القاضي والكاتب والخطيب. وما تبقّى كان يشغله عَبيدُ الدولة من الأرابيب، والفُقرا الذين كسبوا هذه المقاعد في مرحلة متأخّرة بعد قيام السلطنة. ويزعم سبولدنق أنّ لهذا البلاط من الحظوة السياسية ما جعله في بعض الفترات يُهيمن حتى على السلطان، وقد يصل إلى حدّ عزله أو قتله. لكنّ المهمة الأساسية للبلاط والسلطان، هي السيطرة التامة على فائض إنتاج الرعايا.

بحسب عبد السلام وسبولدنق، كان للسلطان، وللسلطنة، التفوّق العسكري على جميع المكوّنات الاجتماعية المتحالفة مع الفونج، ومن ثمّ كانت له السيطرة التامة على طرق القوافل التجارية، وكان يبعث قوافله الخاصة، إضافة إلى تأمين قوافل النبلاء والتجّار مقابل نصيبه الذي يقتطعه من كل قافلة بطبيعة الحال. كذلك كان للسلطان الحقّ العُرفي على جميع أراضي الدولة، وهذا ما مكّنه من اقتطاع إنتاج الموارد الطبيعية مثل الذهب والحديد، وجمع الضرائب، فضلاً عن الاسترقاق.

لكن يزعم عبد السلام، في شأن التصنيف الاقتصادي لهذه المرحلة من تاريخ السلطنة، أنّ نمط الإنتاج لم يكن إقطاعياً، وإنما خَراجي، يدفع فيه التابعون للسلطنة وزوّارها لأغراض التجارة خراجاً محدّداً على حساب حصّة كلّ فئة في الإنتاج المُجمَل للسلطنة. هنا سنشهد بذرة الطبقية في المجتمع السناري، إذ إن كلّ طبقة كانت تدفع خَراجاً من إنتاجها للسلطان.

السياسي والاجتماعي والاقتصادي

في رصده لتكوينات السلطنة، يُعدِّد سبولدنق أربع فئات لا يخفى أنها مقسّمة على أساس طبقي وتراتبي:

الفونج: هم الأعلى منزلة، ويستأثرون بالمناصب الوراثية، ومنهم فرع الأونساب الذين صعدوا في عام 1700م، وانفردوا بحكم السلطنة، زاعمين أنّ جميع السلاطين منذ نشأة السلطنة ينحدرون منهم، إذ يمتدّ جَذرهم إلى ما قبل قيام السلطنة، وقد حافظوا على مكانتهم هذه حتى عصر البطولة. وكان التوريث لدى الفونج عموماً يتّبع النظام الأمومي، لكنّ الأونساب كانوا يشترطون أن لا يتقلّد المناصب الوراثية في البلاط إلا من كانوا من نسل حبّوبتهم «بت عين الشمس». وحين يُنصّب سلطان جديد، يتعيّن أن يتزوّج من بنات خؤولته، حفيدات الحبّوبة، ما يُتيح له بالضرورة حقّ توريث ابنه ليكون وليّ العهد القادم. وكانت التقاليد العُرفية تَفصل بوضوح بين وضع المرأة مصدراً لشرعية الحكم الوراثي، وممارسة السلطة الفعلية عبر الرجال. للحفاظ على هذا النظام، لجأ الفونج إلى مفهوم مؤسسة السواكرة التي ورثوها من ممالك النوبة في العصور الوسطى. وكان السواكرة هم الذين يتولّون تربية أبناء السلطان المرشّحين لولاية العهد، في عزلة ووضع خاصّ عن بقية الأبناء من زوجات السلطان الأخريات، وعند وفاة السلطان يُختار منهم خليفته، ثمّ يُعدَم غيره من الأبناء؛ لئلا يُنازعوه على الحكم.

النبلاء: وهم الحلفاء وحكّام الأقاليم، وكلٌّ منهم يحمل لقب «المانجل». كانت الدولة تنقسم إدارياً إلى ثمانية أقاليم: قرّي، التاكا، ألِيس، البحر، كردفان، القربين، أتبرا، وبِيلة، وتسيطر على هذه الأقاليم القبائل المتحالفة مع الفونج، والخاضعة لسيطرتهم. وكان هذا الخضوع حصيلةً للنزاع العسكري الذي حسمه الفونج ضد العبدلّاب. ومُذاك رضخت القبائل لهذا التحالف القسري، ودفعت الضرائب المفروضة عليها من الدولة المركزية، مقابل حكم الأقاليم التي تعيش فيها. وقد وزّع السلطان، المهيمن الأول على الأرض عُرفياً، قدراً كبيراً من هذه الأراضي لزعماء القبائل النافذة في هذه الأقاليم. وبطبيعة نظامها الإقطاعي، كانت الأرض مصدر الثروة الأول في السلطنة، وعلى هذا الأساس تشكّلت هياكل الحكم ومؤسّساته.

على مستوى الإقليم، يحظى المانجل بمقام السلطان، ويُوزّع الأراضي إلى إقطاعيات أخرى، بلدات ومدناً. وعلى رأس هذه «الأقسام»، كما سمّاها سبولدنق، يظهر المَك، وهو حاكم القسم الذي اقتطعه له المانجل. «قرّي» مثلاً، هي الإقليم الشمالي للسلطنة ولها مانجل، وفيها مكوك لمدن مثل شندي ودنقلا وغيرها. ولتعيينه حاكماً لأحد الأقاليم، كان يُشترط على المانجل أن يتزوّج من إحدى بنات السلطان، أمّا المك فيَتعيَّنُ عليه أن يتزوّج من إحدى بنات المانجل قبل أن يُعيّن حاكماً لمدينة. بهذا يجري ترسيخ منظومة التحالفات السياسية عبر الزواج، وتأكيد مبدأ التوريث الأمومي على المستويات الدنيا؛ كما كان سائداً لدى أغلب مكونات الدولة في ذلك العهد.

البيروقراط والعسكر: يَبسط سبولدنق مسألة ممارسة السلطان لسلطته عبر تصنيف مؤسّسات الدولة إلى قسمين؛ السلطات المفوّضة من السلطان لطبقة النبلاء في الأقاليم والسلطات المفوّضة للبيروقراطية القومية؛ والجيش والشرطة. ويقوم النظام الاجتماعي في سنار على هيمنة طبقة النبلاء على طبقة الرعايا، وكلّهم تحت هيمنة السلطان بالضرورة. وضمن النبلاء مجموعة من الوزراء والعمّال الذين يديرون شؤون الحكم، مثل تلقّي العوائد وتخزين البضائع وإدارة الأراضي وتوفير حاجات قادة الجيوش والشرطة. وتنتهي مدة التكليف بهذه المناصب والوظائف بموت السلطان، لأن شأن التعيين محصور على السلطان القائم. ويحقّ للسلطان الجديد أن يجدّد تعيين الأشخاص ذاتهم في مناصبهم ذاتها، حينها يحتفظون بألقابهم السابقة.

كان من مهامّ السلطان التقليدية إنفاذ العدالة، عبر إصدار الأحكام والتأكّد من تنفيذها. وإهمال هذه المهمّة سبب شرعي، ضمن أسباب أخرى، لعزل الحاكم. ومن الأمثلة على تفويض النبلاء من قِبل السلطة؛ أن يتحدّثوا باسم السلطان في إجراءات تنفيذ العدالة، مع احتفاظ السلطان بالتدخّل المباشر وغير المباشر في النزاعات القضائية في عموم الدولة. وهو الوحيد الذي يحكم في الجرائم التي عقوبتها الإعدام. أما في غيرها من النزاعات والجرائم، فإنّ السلطان يفوّض سلطته القضائية إلى قاضٍ يُسمّى «العكّاز» (حامل العصا السلطانية)، ويُختَار لحكمته ومدى قبوله بين طرفي النزاع، وتكون سلطته محدودة على نزاعات محدودة بدَورها.

بعض الوظائف شَغلها عبيد ورجال دين «فُقرا»، لعجز النبلاء عن تولّيها، أو لعدم اهتمامهم، مثل أمانة خزانة السلطنة، التي شغلتها مجموعة غالبها من العبيد، وكان أمين الخزانة («الكارالرو» بلغة الفونج، أو الجابي) عبداً موظّفاً، ولقبه الرسمي في مواثيق الدولة «مقدَّم القوارِية». وفي الأقاليم يُمثّل الخزانة القومية مناديب يحملون المسّمى الرسمي ذاته، لكن في حدود بلاط المانجل والإقليم، وتقع مسؤولياتهم تحت مقدّم القوارِية القوميّ وليس المانجل.

بدَوره يرتكز الجيش على تسلسل يخدم في قمّته السلطان، ويعمل على الجبهتين الخارجية والداخلية. خارجياً، تصدى الجيش للعدوان العثماني في نهايات القرن السادس عشر، ثم للعدوان الحبشي في عام 1744م، وجرى استنفاره أحياناً لأغراض توسّعية في إقليم كردفان. وعمل داخلياً على حفظ الأمن والتوازن، أي التأكيد على تفوق السلطان القائم عسكرياً على حكام الأقاليم. وأحياناً، كان السلطان يمرّر بعض مطالب الحكام الذين لهم قوة كبيرة؛ على حساب الحكام ذوي القدرات العسكرية الأقل. وكان العظم الأساسي لجيوش حكّام الأقاليم قبَلياً، أما جيش الدولة فكان من العبيد إلا في بعض الاستثناءات، حين يدعو الحاكم إلى استنفار وتعبئة الرعايا.

الرعايا «الشعب»: فصَل القانون العُرفي في سنار بين النبلاء والرعايا، مُشكّلاً بذلك بذرة الطبقية في المجتمع السناري، إذ حظَر نشوء أي علاقة أو رابطة قرابة شرعية، وألزَم الرعايا بمجموعة من القواعد والسلوكيات خلال تعاملهم مع النبلاء، مثلما ألزمهم بقواعد وسلوكيات تسهل تمييزهم في المناخ العام؛ مثل تعرية الجزء العلوي من الجسم، وحظر اقتناء ملابس مشغولة عند الترزي واقتناء أشياء ذات قيمة واضحة. ومن يخالف هذه القواعد يُعد مرتكباً لجريمة «السِّبْلة» وتوقع عليه عقوبات شديدة.

وُضعت هذه السياسات لتمكين النبلاء من الهيمنة الاجتماعية على الرعايا، والسيطرة على فائض إنتاجهم، لتُهيمن الدولة المركزية من بَعد على هذا الفائض من النبلاء ذاتهم. هكذا، وُجّهت الأنشطة الإنتاجية لتلبية مطالب الدولة المركزية أولاً، ثم مطالب المانجل، وأخيراً مطالب المَك.

يقرّر الحاكم الإقطاعي «المانجل» مَطالبه من الضرائب والخدمات على رعيته؛ عبر الحقّ في دخول المنازل والأراضي والشُّوَن «مخازن الغلال»، ويقدّر وكلاء الحاكم قيمة الموجودات لحساب نسبة الضرائب والخدمات المطلوبة في تناسب طردي مع حجم الممتلكات، وبهذا تكون الضريبة تصاعدية. أما الدولة فتقدّر ضرائبها نسبياً؛ ففي أوقات الإنتاج الوفير تطلب ضرائب أكبر، والعكس في مواسم الندرة. ويتناسب تقدير الضرائب وجمعها بحسب نمط العيش السائد وخصوصية وسائل الإنتاج؛ ففي الشمال تكون الضرائب على المحاصيل الزراعية، وفي الوسط على إنتاج الثروة الحيوانية، وفي الجنوب تتنوّع مع تنوّع وسائل كسب العيش، بين الزراعة، والرعي، وتعدين الذهب والحديد، وجمع العبيد، والصيد.

وقد سادت في دولة الفونج ثلاثة أنماط للتبادل الاقتصادي، ولكلّ منها فئة من المشاركين وسلع معينة. وقد تباينت وسائل التبادل ووسائل الدولة في ضبطه.

النمط الأول محلّي خالص، ويكون بين أفراد المدينة أو القرية، وهو مباشر ولا يحتاج إلى عملة أو مكان وزمان لإجرائه، ويقع في سقف هذا النمط من التبادل ما يقدّمه الزوج لزوجته مَهراً، وهو في الأصل تبادل بين أسرة الزوج وأسرة الزوجة، ويحدّد مكانة وثروة الزوجين في الجماعة المحلية، وأحياناً تتدخّل السلطة إما عن طريق الدولة المركزية أو حكّام الأقاليم لتحديد المهور.

النمط الثاني قوميّ بين أقاليم السلطنة، ويُقام في السوق، حيث تُنقل وتُعرض السلع ذات القيمة، ومن الأمثلة مبادلة الرعاة منتجات قطعانهم بالمنتجات الزراعية، ومبادلة الحديد من الحدود الإثيوبية بالمنسوجات من النيل الأزرق، والملح من الشمال بالعسل من الجنوب. وللسلطان الحقّ في تحديد مكان السوق وزمانه. ويمارس حكّام الأقاليم هذا الحقّ بالنيابة عن السلطان، مع توفير الأمن والحماية للتجار عموماً والغرباء خاصةً عبر نظام «الضَّرَى» الذي يوفر للتاجر الوافد مُعينات الإقامة والتنقّل وعرض سلعه. وأسلوب التبادل في هذا النمط هو المقايضة، وهناك مجموعة من السلع تُستخدم عملاتٍ محلية، وهي الحبوب والملح والقماش والحديد للمبايعات الصغيرة، والذهب والبقر للمبايعات الكبيرة، مع التأكيد على القيمة الاستعمالية لهذه السلع بطبيعة الحال؛ فهي كذلك تُعرَض وتُطلَب وتُؤخذ كضريبة.

أما النمط الثالث من التبادل الاقتصادي فهو سوق السلطان؛ مسرح التجارة الخارجية. في بداية القرن الثامن عشر كانت هذه التجارة تقوم حصراً لدى السلطان في عاصمته القومية سنار. وبحسب أحد الرحّالة كانت سنار من أكبر المدن التجارية وأشدّها كثافةً سكانية، وتَصل إليها القوافل من القاهرة ودنقلا والنوبة ودارفور والبرنو وإثيوبيا والهند عبر البحر الأحمر وممالك أخرى. ويُقام السوق يومياً في ميدان الفاشر في سنار بأجود ما يمكن من التنظيم. وكان يجري تسجيل جنسية التاجر وأنواع وكميات بضائعه عند الحدود، وتُرسل سريعاً إلى السلطان. وكان التجّار الوافدون من مصر، إثيوبيا، الهند، الحجاز، أرمينيا، تركيا، دارفور، ليبيا، المغرب، غرب إفريقيا، وعدد من دول أوروبا، يشكّلون فئة اجتماعية عُرفت باسم «الخواجات»، وقد استقرّ بعضهم في السلطنة. وكانت عقوبة الاعتداء على الخواجة أربعة أضعاف عقوبة الاعتداء على أحد الرعايا. وخُصّصت لغير المسلمين منهم مقبرة، وتحتفظ الدولة بممتلكات ومتعلّقات الخواجة المُتوفَّى إلى أن يطلبها أهله الذين يخطرهم وكلاء السلطنة بوفاته. وكان الوكلاء يذهبون بأمر السلطان إلى الدول ذات الثقل التجاري لبحث الفرص التجارية المتاحة.

أما عبد السلام، ورغم اتفاقه مع سبولدنق في معظم رصده لتكوينات السلطنة، فإنّ له اختلافاً جوهرياً هو الأبرز في رؤيته للنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للسلطنة وتشكُّل الدولة والطبقة في سنار.

على ضوء شهادة الرحّالة اليهودي داؤود روبيني الذي زار سنار في 1523م، وما رواه عن السلطان من أنّ له قوة من الخيّالة، وحكّام للأقاليم والقرى يرفعون إليه تقارير دقيقة، ومصادر ثروة أبرزها الماشية والذهب والعبيد، وله مسؤول يدير شؤون القضاء بين الناس؛ يرصد عبد السلام لمحةً عن مدى سيطرة السلطان على الاقتصاد. ولمّا كان السلطان هو مالك الأرض عُرفياً، فإنه بالضرورة الضامن الوحيد لكلّ الأرض، لذا كان يهبها لحلفائه كيفما اتفق. وهذا ممّا يتفق فيه عبد السلام مع سبولدنق. يكمن الاختلاف بين رؤيتيهما في طبيعة نمط الإنتاج: إقطاعي أم خَرَاجي.

بنى عبد السلام حجّته على سردية احتكار السلطان للأرض وامتلاكه أربعة مصادر دخل، هي الخرَاج والضرائب، التجارة البعيدة، الحقّ العُرفي على الأرض ومواردها الطبيعية، والغزو العسكري والتوسّع (خراج أكبر، واسترقاق أكثر). وحافظ السلطان على هذه المكتسبات عبر التفوّق العسكري، وتوفير الحماية لقوافل التجارة بجيشه وفرسانه، وهذا ما أتاح للسلطنة / السلطان النفوذ والسيطرة السياسية والعسكرية على فائض الإنتاج، وهكذا تشكّلت الدولة والسّلطة المركزية لسنار.

يرى سبولدنق أنّ نمط الإنتاج السائد في سنّار كان إقطاعياً على الدوام، بينما يرى عبد السلام أنه كان خَرَاجياً لفترة من عمر السلطنة، قبل التحوّل إلى النظام الإقطاعي، تحديداً مع بداية الانتشار الأوسع للإسلام بين الشعب والمجموعات المحلّية، وكان ذلك نتيجة لازدهار الأنشطة الاقتصادية للعرب الذي مهّدت له التعاملات التجارية والاحتكاك المستمر مع المجموعات المحلية. وقد انعكس هذا الازدهار التجاري وانتشار الإسلام على المجتمع السنّاري بصور شتى، لكن عبد السلام يفصّل في تأثيرات التغلغل الإسلامي؛ عبر تناول نظام القضاء ونظام حيازة الأراضي. ويرصد انقساماً واضحاً بين المسلمين الجدد في السلطنة إلى تيارين: صوفيّ وسُنيّ. وكانت لهذا الانقسام تبعات سياسية واقتصادية بطبيعة الحال، مثلما كان الانقسام السياسي والاقتصادي مُحفّزاً للانقسام العقائدي. وقد تحالف السنّة مع التجّار، ومزجوا بين المهنتَيْن: التجّار والفقهاء. بينما تَحالَفَ الصوفية «الفُقرا» مع أصحاب الأراضي الزراعية الصغيرة، مع احتمالية المزج هنا بين المهنتين أيضاً بوصفهم مُزارعين وفُقرا. وطبيعة التحالفَيْن منطقية، من جهة أن التجّار يَحتاجون إلى فتاوى الفقهاء لتُضفي طابعاً شرعياً على النشاط التجاري. أما المزارعون على الجهة الأخرى، فإنهم يحتاجون إلى معجزات وكرامات شيوخ الصوفية لتهيئة العوامل المناخية للزراعة.

وقد انبثقت طبقة التجّار في الأصل عن كبار المزارعين، مؤشراً للتحوّل الاقتصادي في تلك الفترة. وهكذا أدّى التحوّل العقائدي إلى احتمالين: تحوُّل إلى نمط الإنتاج الإقطاعي؛ أو إلى رأس المال التجاري. وكانت «الساقية» المُستخدمة لريِّ الأراضي الزراعية في الإقليم الشمالي للسلطنة، عاملاً مهماً في نشوء طبقة تجارية صاعدة، وكان نظام الساقية يقوم على العمالة من العبيد والبهائم التي تشغل الساقية نفسها، والعبد يكون سائساً للبهائم التي تَسحب الساقية، وعادةً ما تكون البهيمة ثوراً، والطاقة التشغيلية للساقية الواحدة تكفي حوّاشة واحدة «خمسة أفدنة». وفي الأراضي التي تعمل بنظام الساقية تُوزَّع الحصص من حصاد المحصول على: مالك الأرض والساقية، ومالك البهائم، ومالك العبد. وفي حال كانت لمالك الأرض بهائم يستطيع تخصيصها للعمل في الساقية، فإنه ينال نصيباً أكبر من محصول الأرض، وبذلك ينمو الفائض في حوزته أكثر فأكثر، خصوصاً إذا ما امتلك عدة سواقي وأرضاً أوسع. وتراكُم الفائض هو ما فتح الباب أمام التحوّل إلى رأس المال التجاري ونشأة طبقة التجّار، وذلك لأنّ أنصبة المزارعين وأصحاب الأراضي الزراعية الصغيرة والعمّال من محاصيل الموسم كانت تنقضي قبل حصاد محصول الموسم التالي، وكان أصحاب الأراضي الزراعية الكبيرة يبيعون لهم الفائض المتراكم لديهم، ونظراً إلى أنّ التعامل بالنقد لم يكن شائعاً آنذاك، فقد كان التداول يَجري عبر تقديم خدمات من المزارعين الصغار للمزارعين الكبار في مقابل المحاصيل الإضافية؛ ولم ترد إشارة إلى فحوى هذه الخدمات، لكنها كانت بمثابة آلية دفع مقابل السلع الضرورية.

كذلك استُحدثت آلية أخرى هي نظام «الشيل» الذي ما زال شائعاً مصدراً للتمويل في المواسم الزراعية، ويقوم على الدفع الآجل من محاصيل الموسم التالي، وبقيمة أكبر من أصل المحاصيل التي استُدينت قبل الحصاد. وقبلها كان شيوخ القبائل يُدبّرون شؤون الأفراد في هذا الوقت الحرج بين كل موسمين. وبعد ظهور الشّيل تراجع دَور الروابط القبلية حتى في المناحي الأخرى. وما كان بمثابة رصاصة الرحمة هو ظهور نوع من النقود المعدنية، الأمر الذي جعل لجميع السلع بما فيها المحاصيل الزراعية قيمة نقدية مُعرَّفة، وانعكس هذا مباشرةً على نظام الشّيل بتحصيل ديون المحاصيل نقداً، وفتح الباب لاستدانة المزارعين الصغار للنقود في ذاتها وليس المحاصيل فقط، فصار التجار بنوكَ ذلك الزمان. حينها، كما يقول عبد السلام، وضعت طبقة التجّار اللبنات الأولى لرأس المال المالي في القُطر.

نلحظ بوضوح إذن، وجه الاختلاف بين رؤيتي عبد السلام وسبولدنق، لكن تجدر الإشارة إلى كتاب أنديرس بيوركيلو « Prelude to the Mahdiyya: Peasants and Traders in the Shendi Region, 1821-1885» الصادر عام 1989م، الذي انحاز فيه المؤلف إلى نظرية غلبة نمط الإنتاج الإقطاعي في سلطنة الفونج.

آخر أيام السلطنة

ممّا يَتفق عليه عبد السلام وسبولدنق، أنّ الانقسام العقائدي إلى صوفية وسُنّة، فضلاً عن الانتشار الواسع للإسلام ومفاهيمه وتأثير هذا الانتشار، قد ساهَمَا في إضعاف السلطة المركزية في سنار، وأدَّيَا إلى تفكّك الدولة وسقوطها في قبضة الاستعمار التركي. وقد ازدهرت التجارة بفعل انتشار الإسلام، وتزايدت ثروة ونفوذ التجّار وأصحاب الأراضي الزراعية الصغيرة، وهم غالباً شيوخ الصوفية الذين أصبحوا أكثر جرأة في التعامل مع السلطنة مع وجود المرجعية الدينية الجديدة.

يصف سبولدنق هنا مرحلتين شكّلتا ما يسمّيه «عصر البطولة»، الذي بدأ بالانقلاب على الأونساب في عام 1718م بقيادة «نُول» خال السلطان القائم في ذاك الوقت، ورغم أنها كانت في حينها بمثابة عزل عاديّ للسلطان واستمرار لحكم الأونساب – إذ إنّ خال السلطان هو بالضرورة أونسابي – أطاح الأخير بحقّ الأونساب في الحكم عبر التوريث الأمومي، ليخلفه ابنه «بادي الرابع» الذي لم يكن في نظر الأونساب من الفونج، دعك من أن يكون أونسابياً.

من هذا التحوّل الجذري، نستشفّ بوضوح أثر التعريب والأسلمة على صعيد الحياة السياسية في سنار. لقد أسَّس السلطان نُول لنظام توريث جديد، أبويّ صرف، لم يعرفه القطر من قبل. ولم يكتشف الأونساب ما جرى إلا عند توريث بادي الرابع، الذي أثبتت ممارساته وسياساته أن صفحة الأونساب قد طُويت: استعان بادي بالفُقرا ومنَحهم الأراضي، ما مكّنهم من إنشاء مجتمعاتهم الدينية، ثمّ خصّص لهم مقاعد في بلاطه السلطاني. وبلغ عدد مقاعد المجلس في عهد بادي الرابع ضعفَي العدد القديم، من حوالي 20 مقعداً إلى أكثر من 60 مقعداً، ثلثها للشخصيات التقليدية التي حافظت على مقاعدها القديمة، وثلثها للفُقرا، وحاز الأرابيب وهم ممثلو النبلاء الصغار على الثلث الأخير. كذلك أتاح النظام الجديد توريث الوضعية الاجتماعية وحكم السلطنة عن طريق الأب، وأضفى عليه الفُقرا الصبغة القانونية والشرعية عبر دراسة أشجار النسب. على الصعيد العسكري، أزاح السلطان بادي الرابع العناصر التقليدية للفونج «الأونساب»، واعتمد على فرسان «المسبَّعات» الهاربين من سلطنة دارفور. وبهذا أكمل انقلابه على الأونساب سياسياً وعسكرياً.

مع مرور السنين على حكم بادي الرابع، اتجه الأونساب لتشكيل تحالف مع نبلاء فازوغلي، الواقعة في الإقليم الجنوبي بمحاذاة كردفان من الشرق، على الرغم من أنّ الأونساب كانوا يحتقرون هؤلاء القوم، ويصفونهم بـ«الهَمَج». يرى سبولدنق أنّ هذا الوصف يعكس قلة فطنة سياسية من الأونساب، وكان أساس الاحتقار على ما يبدو بسبب أنّ الهمج هم من بقايا مملكة علوة المسيحية، وهذا ما كانوا يفخرون به ويرون في الأونساب حديثي نعمة ومتغوّلين على الحكم. برز بين الهمج في أعقاب هذا التحالف تيّار جديد من أمراء حرب وتجار وجنود «عبيد» وفُقرا، ونجحوا في تدبير انقلاب آخر في عام 1762م، مثّل بداية حكم الهمج، وبداية المرحلة الثانية من عصر البطولة، بقيادة محمد أبو لكيلك، التي استمرّت حتى الغزو التركي وسقوط السلطنة.

شابت حقبة الهمج كثيرٌ من التغّيرات، إلا أنّ بدايتها كانت واعدة؛ لاشتمالها على رؤية سياسية جديدة يسودها إعلاء نفوذ الطبقة الوسطى، ومنظومة إدارية جديدة لمواكبة التغيّرات الاجتماعية في ذلك الوقت، ونتج عن ذلك تقسيم جغرافيّ جديد قائم على الوضع الاقتصادي، إلى مناطق متقدّمة اقتصادياً، ومناطق إقطاعية تقليدية، ومناطق أخرى ما زال الصراع بين الطبقة الوسطى والدنيا فيها محتدماً. كانت هذه الرؤية الجديدة أشبه بالحكم الفيدرالي، من حيث مراعاة خصوصية كلّ إقليم، وخصّ أبو لكيلك نفسه بحكم إقليم فازوغلي، ومنَح بعض الأقاليم الأخرى لرفاقه. وفي ذاك الوقت عانت بعض الأقاليم من صراع النفوذ، كإقليم ألِيس الذي حاولت التغوّل عليه قبائل الشمال النيلي، وتنازعت سلطنة دارفور والهمج على إقليم كردفان، وكانت للمسبّعات أيضاً أطماع في تأسيس دولة مستقلة لهم في كردفان بقيادة هاشم المسبّعاوي.

استمرّ الهمَج في سياسة بادي الرابع بإعلاء نفوذ الفُقرا، بل زادوا عليها بتعيين الفُقرا حكّاماً في الوسط والشمال النيلي، تقليصاً لنفوذ القبائل في تلك المناطق. ويعكس هذا حال الصراع بين قبائل الشمال النيلي والهمج. وأنشأ الهمج هيئة قضائية وطنية شُكّلت من أبرز الفُقرا في ذلك العهد، ومنحوهم مزيداً من المقاعد في البلاط. ومع تفسّخ الهوية الفونجية، وتبنِّي الشكل الأبوي للتوريث، وتقلّص نفوذ السلطنة مع الفراغ الذي تركه الأونساب؛ زادت النزاعات بين حكّام أقاليم الوسط والشمال «أمراء الحرب». وفي خضمّ محاولات الهمج استيعاب الأمراء المتنازعين، والرغبة في الربح، باعوا الألقاب والمناصب السياسية لمن يدفع أكثر. وقد وثّق الرحالة «بوركهاردت» بيع مكوكيّة بربر، وجرى تأكيد الواقعة في وثيقة صدرت عام 1800م تقريباً. انعكست هذه السياسة على الهمج سلباً، إذ لوحظ تباطؤ الحكّام الجدد في دفع الضرائب، ولم يكتفوا بتعويض قيمة الأموال التي دفعوها لشراء المنصب، بل أهملوا دفع الضرائب دورياً، وذلك لأنّ زيارات المانجلات الدورية إلى الحاكم الأعلى لدفع الضرائب في عهد الهمج لم تكن إلزامية، ونظراً إلى ضعف عسكري أو لرغبة في الكسب السريع؛ ركّز الهمج حملات جمع الضرائب على المناطق القريبة من الفرقة العسكرية، أي في المناطق الوسطى حيث توجد القبائل الرعوية تحديداً، وهذا مكّن المناطق الأبعد في الشمال من الانشقاق عن السلطنة تدريجياً.

بدَوره، تناول عبد السلام عدة تغيّرات أدّت في مجملها إلى انهيار الدولة الفونجية تدريجياً، ومنها ما هو مُتَّفِقٌ في مضمونه مع رؤية سبولدنق، ومنها ما يختلف عنها. في بداية كتابه، أشار عبد السلام إلى أسلمة المجتمع الداخلي للسلطنة، وكيف أدّت في ما بعد إلى بزوغ قوى جديدة مُعارِضة للسلطة الحاكمة. وفي نهاية الكتاب يفسّر هذا الطرح، بعد سرد تفاصيل التغيّر الأيديولوجي في المجتمع مع انتشار الإسلام، وما رافقه من تغيّرات اجتماعية واقتصادية وسياسية جوهرية، مثل التحوّل في نظام التوريث الأمومي إلى التوريث الأبوي عملاً بأحكام الشريعة الإسلامية. بالمثل كانت التغيّرات في نظام القضاء ونظام حيازة الأراضي وفق التشريعات القرآنية، وتكمن أهمّية هذين النظامين في أنهما معنيّان بضوابط التجارة والملكية الخاصة. بفعل هذه التغيّرات تقهقرت سلطة الفونج ونفوذهم، ويتّضح ذلك في إباحة مفهوم الملكية الخاصة للأرض تحديداً، ما ساهم في نموٍّ أكبر لثروات ونفوذ القوى الاقتصادية التي ازدهرت بانتشار الإسلام.

كذلك أدّى تغيّر نظام التوريث إلى تغيّر في شكل وطبيعة التنظيمين القبَلي والعقائدي، وربما ازدهرت القبَلية في مناطق بعينها، وازدهرت في مناطق أخرى تنظيمات الطرق الصوفيّة. لكن أهمّ ما تزامَن مع تقهقر المفاهيم العُرفية وسيادة الأيديولوجيا المنبثقة من المفاهيم الإسلامية؛ هو التحوّل من نمط الإنتاج الخراجي إلى ظهور رأس المال التجاري ونمط الإنتاج الإقطاعي. وساهمت المفاهيم العربية الإسلامية والتشكيلة الاجتماعية للتجّار في انسحاق المزارعين، فارتفعت معدّلات اللجوء إلى نظام «الشيل»، لينتهي الأمر بالمزارعين للنزوح إلى مراكز المدن بحثاً عن فرص لكسب العيش كحرفيين أو غيرها، أو بالعودة إلى الطرق الصوفية، ليس بحثاً عن كرامات لزيادة إنتاجية الزراعة كما جرت العادة، وإنما بحثاً عن المأوى والمأكل في المَسيد والتكيّة.

ويَخلُص عبد السلام إلى أنّ وصول الاستعمار التركي كان أسرع من وصول المجتمع السناري إلى نتيجة ما، بخصوص التنافس في التحول بين رأس المال التجاري ونمط الإنتاج الإقطاعي؛ أي أنّ عملية التحول انقطعت مع سقوط سلطنة الفونج في يد الاستعمار العثماني.

لمزيد من النظر في نقطة الاختلاف الأهمّ بين العملين؛ خراجية أم إقطاعية نمط الإنتاج في سلطنة الفونج، يمكن استصحاب سمير أمين في كتابه «التطور اللامتكافئ» الصادر عام 1973م، وما وضحه في شأن أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية، من أنّ نمط الإنتاج الخراجي يشمل في مرحلة متقدّمة منه نمط الإنتاج الإقطاعي. وأنه في غياب نمط إنتاج مهيمن، تتعدّد أنماط الإنتاج ويصبح لكلّ تشكيلة اجتماعية نمطُ إنتاجٍ محدّد، داخل حدود الدولة الواحدة. ويرى سمير أمين أنّ مفهوم «التشكيلات الاجتماعية» كان من سمات القارّة الأفريقية في ذلك الوقت. ووفقاً لهذا الطرح يمكن القول بأنّ سنّار كانت دولة تتّبع نمط إنتاج خراجياً، وبها تشكيلات اجتماعية إقطاعية، وفي لحظة انتشار الإسلام نمَت تشكيلة اجتماعية جديدة قائمة على نمط الإنتاج السلعي البسيط «التحوّل التجاري»، مع ضرورة فهم وضع التشكيلات الاجتماعية في حقبة ما قبل سنار. وهنا لا بدّ من الإشارة أنّ سبولدنق سقط عنه مفهوم «التحوّل التجاري»، الذي أوضح عبد السلام أنه كان أمراً حاسماً في نشوء طبقة التجّار مع اضمحلال سلطة الفونج وتفكّك الدولة.

Scroll to Top