«وهنا حلقةُ شيخٍ يرْجَحِنُّ
يضربُ النوبةَ ضرباً فتئنُّ
وترنُّ
ثم ترْفَضُّ هديراً أو تجنُّ
وحواليها طبولٌ صارخاتٌ في الغبار
حولها الحلقةُ ماجَتْ في مدار
نقزت ملء الليالي
تحت راياتٍ طوالِ
كسَفِينٍ ذي سوار
في عُبابٍ كالجبالِ
وتدانَت أنفُسُ القومِ عناقاً واصطفاقا
وتساقوا نشوةً طابت مذاقا
ومكانُ الأرجلِ الوَلْهَى طيورُ
في الجلابيب تثورُ.. وتدورُ».
المولد، محمد المهدي المجذوب
تابعتُ في العام الماضي بكثيرٍ من الاهتمام، خروجَ أهل السودان نساءً ورجالاً، شيباً وشباباً وأطفالاً، في التجمّع السنوي المعهود للاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف. درجَت العادة على خروج زفّة المولد في غُرّة شهر ربيع الأول في معظم مدن السودان وقراه في طقسٍ صوفيّ بديع، يتقدَّمه شيوخ الطرق الصوفية بطبولهم ونُوباتهم وأناشيدهم ومدائحهم، تصحبهم شخصيات اجتماعية فاعلة، رجالاً وركباناً، ويتبعهم المريدون والمواطنات المجبولات على حُبّ النبيّ في موكبٍ مهيبٍ حتى ساحات الاحتفال بالمولد المعلومة في الميادين المفتوحة في المدن والفرقان، إعلاناً عن بدء موسم الاحتفال بالمولد، الذي يستمرّ حتى ليلة 12 ربيع الأول كلّ عام هجريّ: تُنصَب الخيام، وتُباع الحلويات ذات الطابع الفريد المُقترن بعيد المولد وتُصنع لأجله خاصة، ويتدافع الناس للمُشاركة في جلسات الذكر والتقرّب إلى جناب الحبيب المصطفى في حلقات المديح، ويَتسابق الأطفال للاستمتاع بالحلويات الملوّنة والألعاب المنصوبة في الساحات، ويأتي القاصي والداني للمشاركة في هذا المهرجان الروحيّ والنهل من بركات هذا الجو المبتهج الفريد.
كانت قد غابت عن أم درمان ومعظم ولايات السودان، لعامين على التوالي، مظاهر الاحتفال بمولد النبيّ، في ظلِّ الحرب الناشبة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل 2023. في العام 2024، قرّرت محلية كرري حصر الاحتفال بالمولد داخل مقرّات الطرق الصوفية لدواعٍ أمنية، خوفاً من أن يؤدّي تجمُّع الناس في الساحات العامة لتعريضهم للتدوين من قِبل قوات الدعم السريع، وهو ما صار اعتداءً راتباً حينها ضمن يوميات الحرب في شمال أم درمان، وكانت الدعم السريع تسيطر حينئذ على ولاية الخرطوم عدا محلية كرري التي تبقّت تحت سيطرة القوات المسلّحة. لكن ذلك لم يمنع الأهل من الخروج في زفّة المولد بل في عدّة زفّات صغيرة احتفالاً بمولد النبيّ، رغم غياب الحشود الغفيرة واقتصارها على شوارع محدودة فقط في أحياء الثورات بعيداً عن ميدان الخليفة؛ الساحة المُتعارَف عليها في أم درمان للاحتفال بالمولد.
كان حِرْصُ الأهل على الخروج في الزفّة دليلاً في حدّ ذاته على إصرارهم على التمسّك بمُمارسة تفاصيل حياتهم العادية، ومُقاومتهم الاستسلام لواقع الحرب والخراب المفروض عليهم، رغم ما مرّ بالناس من معاناة وأهوال بسبب الاعتداءات المُستمرّة والحصار والتجويع المُتعمّد والكوارث الطبيعية من سيول وفيضانات وأمطار بمعدّلات غير معهودة، وما صاحب ذلك من أمراض وأوبئة وسوء في التغذية وقلّة في الرعاية الصحية وغياب للخدمات الأساسية.
إنه سلوك مُقاوِم يستحقّ الإعجاب والاحتفاء، وإن لم يكن طارئاً على المجتمعات السودانية؛ فعبر السنين قاومت السودانيات الحروب والنزوح واللجوء وقلّة الغذاء وانتشار الأمراض والانتهاكات والحصار والاغتصابات والتعدّي على الأرواح والممتلكات والإخفاء القسري والاعتقالات والتعذيب والتصفية العرقية والتهجير والفيضانات والسيول والمجاعات، بالتفافهنّ حول موروثاتهنّ الاجتماعيّة من كريم العادات وأصيل المعتقدات والموروثات الجمعية الراسخة من جود وكرم وتكافل وتكاتف ونفير وروح تشاركية مُتوارَثة عبر الأجيال.
جاء ذلك كلّه تجلّياً لهذه القيّم النبيلة، وكانت المطابخ المركزيّة في طليعة الاستجابات المجتمعيّة المُقاوِمة للحرب، وقد صمدت في مواجهة شبح المجاعة المتربّص بالأهل، استلهاماً من تكايا خلاوي المشايخ والطرق الصوفيّة، وأخذت في كثير من الأحياء الاسم ذاته. كذلك اتّكأت غرف الطوارئ على عادات راسخة، مثل نجدة الملهوف وإغاثة المكلوم وسند المقطوع، وما كلّت تُوفّر الدواء والإسعافات الأولية والمُعِينات الطبية والمواد الغذائية والمُشتقّات البترولية وبدائل الطاقة لتوفير ما يكفي لتشغيل المستشفيات والمراكز الطبية ودُور الإيواء. نهضت هذه المبادرات على أكتاف لجان المقاومة ولجان التغيير والخدمات والمنظومات القاعدية التي شُكّلت خلال تراكم الثورات السودانية، وعبر نضال الشعب الطويل ضدّ الاستعمار والحكم العسكري والديكتاتوريات. وبرزت أيضاً نقابات الأطباء والصحافيّين والمعلّمين والمهن التمثيليّة والتجمّعات العمّالية والمهنية والتعاونيات والتنظيمات الطلابية وأساتذة الجامعات، لتُسطّر مساهمات ملحمية في سدّ الفراغ الذي خلّفه غياب الدولة في تقديم الخدمات التعليمية والصحية؛ فضلاً عن آلاف المبادرات الفردية والمحلية صغيرة الحجم كبيرة الأثر.
حاولتُ، في متابعة سريعة لوسائل التواصل الاجتماعي، رصد خروج زفّة المولد في ولايات السودان المختلفة العامَ الماضي، فوجدتُ زفّات في السروراب وكرري في شمال أم درمان، وفي شمبات والجريف شرق وشرق النيل في الخرطوم بحري، وفي الرميلة وبُرّي أبو حشيش بالخرطوم العاصمة في حين نَكبَتها. وفي أربجي والنوبة والجزيرة سْلانْج وطيبة الشيخ عبد الباقي وأبو حراز والكَسَمْبر وغيرها من بلدات الجزيرة وقراها التي مارست فيها قوّات الدعم السريع أبشع أنواع الانتهاكات على الأرواح والأموال والأعراض. وفي سنجة الأبيّة بولاية سنار وفي ضواحي الأبيّض وقرى كردفان.
وزفّات أخريات خرجت في دلسة الشاوراب في القضارف وفي كسلا وفي ولاية البحر الأحمر، حيث لجأ الآلاف من الأهل فراراً من جحيم الحرب، وفي كنانة وأم روابة وربَك في النيل الأبيض المعطاء. وفي شمال البلاد، في ضواحي دنقلا وحلفا، وفي قُرى أرتموقا بالولاية الشمالية، وحتى أقصى غرب البلاد في الجنينة حيث ارتكبت الدعم السريع انتهاكات وتهجيراً قسرياً للسكان، وفي قرية الزاوية غَرّا في شمال دارفور حيث تصمد فاشر السلطان الباسلة في وجه الحصار لأكثر من عام، وفي تجملَا بجبال النوبة في جنوب كردفان، بل وحتى في جوبا عاصمة جنوب السودان ذات الأغلبية غير المُسلمة.
تابعتُ الزفّة وإحياء ليالي المولد في العام السابق، بوصفه فعلاً سلميّاً مدنيّاً مُقاوِماً للحرب، وفي البال تزامُن اندلاع الحرب وتوسُّعها في 2023 مع انعقاد اللجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي، في دورتها الثامنة عشرة، في كاسان بجمهورية بوتسوانا، في ديسمبر من نفس العام. وفي تلك الدورة أُدرجت احتفالات المولد النبوي الشريف في السودان ضمن التراث الثقافي غير المادّي، احتفاءً بالثراء المُذهل الذي يكتنزه التراث الثقافي غير المادّي للبشرية، وللتأكيد على قدرته على تحقيق التماسك الاجتماعي وصون الكرامة الإنسانية وإحلال السلام.
يَجِدُ الأهل في التمسّك بالتراث الثقافي والعادات الجمعية ما يقوّي من ترابط مجتمعاتهم المهدَّدة بالفناء في ظروف الحرب والتهجير والتجريف، وكردِّ فعل طبيعيّ يضع مسؤولية حفظ ونقل هذه الموروثات على مَن نجا. نجد في تجمُّعات السودانيين في بلدان اللجوء ومناطق النزوح إصراراً كبيراً على مُمارسة طقوس حياتهم كاملة دون أن ينقص من تفاصيلها شيء، فرغم العناء وشحّ المُعِينات وضيق ذات اليد أُنشِئت كثيرٌ من المحلات لبيع المُنتجات والسلع السودانية، إضافة إلى المطاعم التي تقدِّم الطعام على الطريقة السودانية في أيّ بلد لجأوا إليه. كما حرصت السودانيات على استمرار مُمارسة عادات الزواج والختان والموت بزخمها وبخورها وجرتقها وحنوطها وقرمصيصها وزغاريدها في دُور الإيواء داخل السودان، وفي دول اللجوء والجوار وفي المنافي والمهاجر على حدٍّ سواء.
بعد استعادة الجيش السوداني، في مايو الماضي، مناطق واسعة في العاصمة الخرطوم وولايات الجزيرة وسنار والنيل الأزرق والأبيض، تبدَّلَ الحال على نحو دراميّ وفي وقتٍ وجيز. وعلى الرغم من الدمار الواسع الذي خلّفته المعارك، والفقد والإتلاف الكبير في البنى التحتية والمنشآت العامة والخاصة وفي ممتلكات المواطنين، وقصور الخدمات الأساسية من الكهرباء والماء والمرافق الصحية والتعليمية، بدأت رحلات العودة من مناطق النزوح في الولايات الآمنة ودول الجوار. وبالتزامن مع العودة بدأت مبادرات تنظيف الشوارع والأحياء وتأهيل الجامعات والمعاهد التعليمية وتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية وصيانة محطات المياه والكهرباء وغيرها من محاولات استعادة الخدمات وتسهيل حياة الناس.
انطلقت في مدينة ود مدني في الرابع والعشرين من شهر أغسطس فعاليات الاحتفال بالمولد النبوي التي تنظّمها هيئة مشايخ الطرق الصوفية في المدينة وسط حضور رسميّ وتفاعل شعبيّ واسع، وانسابت المَسيرة الهادرة من قبّة الشيخ مدني السني تجوب شوارع المدينة متجهةً إلى ميدان المولد. وذكر الشيخ محمد سرور القرشي الأمين العام لهيئة مشايخ الطرق الصوفية، أنّ احتفال هذا العام أقيم بترتيبٍ عالٍ ودقيق، ويَسعى لإعادة الروح والحيوية إلى المدينة «المحرَّرة»، مضيفاً أنّ الاحتفالات التي ستمتدّ حتى ليلة الثاني عشر من ربيع الأول ستشمل برنامجاً حافلاً بالعديد من الفعاليات التربوية والدعوية والاجتماعية، إلى جانب أيام صحية وعلاجية ومخيّمات علاج عيون ستُنفَّذ جميعها داخل ميدان المولد.
وفي اليوم ذاته، غرّة شهر ربيع، في محلية الخرطوم، احتفلت حكومة الولاية بإحياء ذكرى المولد النبوي بعد عامين من الغياب. وفي شمبات أيضاً انطلقت زفّة المولد في أجواء مُفعمة بالروحانية والفرح انطلاقاً من مسجد الشيخ الشعراني زين العابدين، مُتّجهةّ شمالاً عبر شارع النصّ مروراً بدُرّة بحري وشارع المعونة ومستشفى حاج الصافي، لتختتم مسيرتها بالعودة إلى ساحة الاحتفالات في مسجد الشيخ زين العابدين.
وشهدت العديد من مدن وقرى السودان زفةً واحتفالات بذكرى المولد النبويّ هذا العام، منها بورتسودان وكسلا وحلفا الجديدة والقضارف وسنار والدامر وكوستي والدمازين وزريبة الشيخ البرعي ونيالا والجنينة.
كذلك سَيَّرَت الطريقة السمّانية الطيبية القريبية زفّتين، يومي الجمعة 22 و 29 أغسطس، من مسجد الشيخ قريب الله في ود نوباوي وحتى ميدان المولد في أم درمان. وأُقيمت الزفّة الثانية بعد عودة شيخ الطريقة الدكتور محمد الفاتح قريب الله من المملكة العربية السعودية عقب أدائه العمرة. حملت الاحتفالية هذا العام شعاراً مميّزاً «سُنّة العدنان في عمارة الأوطان»، لتعكس تجذّر الصوفية في المجتمع السوداني وانشغالها بترميم ما تمزَّق من نسيجه الاجتماعي بسبب الحرب. تُقيم الطريقة كذلك احتفالات بالمولد النبوي للعام الثالث على التوالي في العاصمة المصرية القاهرة، حيث ما زال آلاف السودانيات والسودانيين يُقيمون بعد الحرب، تُقام فيها ليالي الذكر والمديح في منازل عدد من قيادات الطريقة والمُريدين وفي مسجد الحسين وعدد من مساجد القاهرة الأخرى. جاء في صفحة الطريقة السمّانية الطيبية القريبية: «كان المشرق قد سَنّ الاحتفال بالمولد النبوي في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول في القرن الحادي عشر الميلادي بمصر أيام الفاطميين بطريقة رسمية، وأول من احتفل به بطريقة جماهيرية شعبية كان حاكم أربيل، حيث احتشد العلماء والشعراء والمتصوّفة من مختلف البلاد العراقية».
ستنتهي هذه الحرب، التي كان الهدف الرئيس منها قتل روح الشعب السوداني واغتصاب أراضيه ومُقدّراته المادية والمعنوية، لكن وقفت إرادة بناته وأبنائه واستعصموا بإرثهم الشعبيّ المتجذّر في الثقافة المحلّية ضدّ المشاريع الغاصبة. استُبيحت العاصمة الخرطوم، فقامت عدة عواصم بديلة في مناطق آمنة انصهرت فيها المجتمعات من جميع أنحاء السودان، ونشأت الاقتصادات الصغيرة ونشطت الأسواق وزرع الزرّاع. دُمّرت بيوت الناس فتوزّعوا بين المدن والقرى يعمرون البيوت والأحياء المهجورة ويعودون إلى حضن حيشان الأسر الممتدّة يستمدّون القوة بالأهل، وآخرون تناثروا في أنحاء المعمورة يبنون سودانات مصغّرة أينما حلّوا ينشرون الشهامة والكرم والسماحة والمحبة ويعبقون الشوارع والأحياء بالبخور والعطور وسمح العادات. وها هم يعودون اليوم ليعمروا بيوتهم وبلادهم من دون فضلٍ أو منّةٍ من أحد، آيبين حامدين لربّهم وساجدين ومُحْيِين لسنة نبيه ومحتفلين بشهر ميلاده.
شعبك أقوى وأكبر ممّا كان العدو يتصوّر!



