«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية الفنانة مروة الدولية
لا يُلام المرحوم كارل ماركس، ساكن المكتبة البريطانية في لندن، على الجهل بتضاريس تاريخ المَشرق سوى ما تيسّر له «تلاقيط»، مِن مِثْل نيبوهر الرحّالة ربّما. لكنه خرج من هذه المعرفة، ومعظمها في واقع الأمر من شغل صفيِّه المرحوم إنجلز، بخُلاصاتٍ غير؛ خلاصات غير التي خرج بها أقرانه من مثقّفي القرن التاسع العشر العظام، حتى اشتبهت زوجتُه المرحومة جِني أنه «شَكوَّت» بعض الشيء: «زوجي مشغولٌ هذه الأيام بالمسألة الشرقية ومأخوذٌ، بحماس يطشِّش، بهَبّة المحمديّين [المسلمين] المُشرّفة والصّلبة ضدّ جميع الأفّاكين المسيحيّين، رُسل الفظائع» (من خطاب المرحومة جِني إلى فردريش سورج بتاريخ 21 يناير 1877، في كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأعمال الكاملة»، م 34، معهد الماركسية اللينينية، برلين، 1983، ص 525).
كانت الحروب الروسيّة الفارسيّة، والحرب البريطانيّة الفارسيّة – ومن ذلك النزاعُ على هيرات وسيطرة شركة الهند الشرقية على الخليج الفارسي – بدعوى قمع القرصنة، بعضاً من «المسألة الشرقية». وهي العبارة الدبلوماسية التي راجت في ذلك العصر لوصف التبعات المُعقَّدة لتدهور الإمبراطورية العثمانية، منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى انهيارها التامّ ونشأة الجمهورية التركية في 1923، والمسرح الذي انفتح بهذا التدهور لصراع القوى الأوروبية على ورَثتها. تصدَّى المرحوم ماركس (والمرحوم إنجلز) لهذه التبعات في سلسلة مقالاته، في جريدة «نيويورك ديلي تربيون»، عن حرب القرم بين الإمبراطورية الروسية من جهة والإمبراطورية العثمانية وحليفتيها المُتردِّدَتَين بريطانيا وفرنسا من أخرى (1853-1856)؛ ثمّ الحرب الشرقية العظمى بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية العثمانية (1877-1878). كانت التربيون (أُسِّسَت 1841) «نيويورك تايمز» عصرها، بتوزيع بلغ 200 ألف نسخة يومياً في منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر، جريدة قامت في ساعة أزمة لنُصرة توماس جيفرسون، أبي الاستقلال الأمريكي، والحرب على العبودية، ورُشِّح مُحرِّرها الأول هوراس غريلي للرئاسة عام 1872 عن الحزب الجمهوري الليبرالي (لاحقاً الحزب الديمقراطي) ضدّ الجنرال أوليسس غرانت، الرئيس الثامن عشر للولايات المتحدة الأمريكية وقائد النصر في الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، فخاب مسعاه وانتكس فانتهى إلى مصحّة نفسية.
جمعت ابنة المرحوم ماركس الصغرى، إليانور (1855-1898)، وكُنيتها في الأسرة «تُسِي» أو الجِكْس، شغْلَ المرحوم والدها عن حرب القرم، من باب البرّ، في مجلّد عظيم من 650 صفحة تحت عنوان «المسألة الشرقية» (سوان سوننشاين وشركائهم، لندن، 1897). كتبت إليانور، المناضلة والكاتبة الاشتراكية بعزم يخصّها، في مقدّمتها للكتاب: «دخلَت المسألة الشرقية، التي ما تنفكّ تتجدّد، مرحلةً أخرى. حدثت تغييرات واسعة في الأوضاع الجغرافية والتاريخية والاقتصادية لأوروبا خلال الأربعين عاماً الماضية. أصبحت كلٌّ من صربيا وبلغاريا ورومانيا دولاً مستقلة [وكانت أقاليم عثمانية]؛ انتقلت السيطرة على آلساس لوران من يدٍ إلى أخرى. وكذلك طرأت تعديلات لا تُحصى على العلاقات بين الدول العظمى. وربما كان أهمّ عامل بين هذه العوامل هو نموّ «الديمقراطية الاجتماعية» [التيارات الاشتراكية]، ولا مناص من أن تضع دول القارّة هذا العامل في الاعتبار. لكنْ ثمّة شيء لم يتبدَّل وظلّ ساكناً: سياسة الحكومة الروسية التوسّعية. لربّما تغيّرت الوسائل لكنّ السياسة ظلّت كما هي. والحكومة الروسية اليوم، ولا تُطابق روسيا اليوم على أية حال، هي كما كانت عليه في «الخمسينيات»: العدوّ الأكبر لكلِّ تقدُّم، والقلعة الأعظم للرجعيّة».
وجدَت إليانور عند والدها «شُغُل بِخْتلف» وبه زَهَتْ، فهو على خلاف مثقّفي القرن التاسع عشر قد ردَّ إلى أوروبا الإمبريالية بضاعتَها الاستشراقية وعفَّ نفاقَها، فقَلَبَ على سبيل المثال ظهرَ المِجنّ المسيحي، بحجّة «إسلامية»، على النائب عن المعارضة السيد كوبدن في البرلمان البريطاني. وكان كوبدن اعترض في مداولاتٍ جرَت في فبراير 1854 على الصرف الحربيّ، وقال: الورطة التي وجدت فيها بريطانيا نفسَها؛ في حلفٍ لا طائل منه مع العثمانيين ضدّ الإمبراطورية الروسية، هي كمينٌ من صُنْع فرنسا، لأنّ فرنسا ابتزَّت الباب العالي باسم المسيحيّين الكاثوليك، ثم اتَّبعت روسيا ذات السُّنّة، ثمّ قرّر بثقةٍ لا تقوم سوى بالغرور الإمبريالي وعبارةٍ تتجدَّد حياتُها حتى اليوم: «لا يمكن في واقع الحال أن تتحقَّق المساواة للمسيحيين تحت السلطان التركي مع أقرانهم المسلمين سوى بالتخلّي الكامل عن قانون القرآن». لم يدخل ماركس مع كوبدن هذه الحلبة التجريدية، حيث القرآن في مقابل القانون الوضعي، لكنه اتبع تكتيكاً يقوم عليه شُغل كلّ رَكَّاني؛ المغالطة المنطقيّة بكشف نفاق الخصم، فكتب: «لنا أن نسأل السيد كوبدن إنْ كان في الاحتمال تحقيق المساواة بين العمّال والأشخاص من فئته في هذه البلاد، في وجود كنيسة الدولة الرسمية وقوانين إنجلترا» («المسألة الشرقية»، ص 258). لم يَقبل المرحوم ماركس من كوبدن إدانة العثمانيّين بحجّة دينيّة وتساءل: كيف يتجرَّأ رجال الدولة البريطانيّون على مثل هذه البجاحة وفيهم الكنيسة الأنجليكانية، تحرس دين الدولة، ويبشِّر قساوستها بقرآنٍ إنجيلي، أم هذه رِجل ودي كراع؟ قد لا تقبل القارئة المُعاصرة من المرحوم ماركس هذه المغالطة المنطقية، لكنّ المرحوم اتّبع منهج «الرّدم» هذا في وجه الإمبريالية ونفاقها، وكان هذا ديدنه في مقارعة الاستكبار، البريطاني والفرنسي والروسي، على شعوب مُسْتَضْعَفَة؛ العرب والهنود والترك والصينيين؛ هذا كتابُه الذي أعجَبَ بِت أبوها، كريمته البارّة إليانور.
لكنْ، تجد قارئة المرحوم ماركس في نصّه الطويل، وقد بذل العمرَ نهاره وليله في شاغل الحقيقة، مباعثَ أخرى وأقوالاً متشابهة، تبدو ظاهراً، في تناقض مع عدائه المكين للإمبريالية، سِجِنْ سِجِنْ غرامة غرامة. ومثل هذه المتشابهات هي التي وضعت نصَّه في موضع المظنّة عند المرحوم إدوارد سعيد صاحب «الاستشراق» (بانثيون، نيويورك، 1978)، وأخَذ قرّاءٌ كثرٌ بهذه المظنّة إدانةً دون اختبار سليم. بل حُرِمَت قارئة المرحوم ماركس الجديدة، مَن جاءته عبر باب السمنار الأكاديمي في الحرم الجامعي الأمريكي أو من باب الأدب الحقوقيّ للمجتمع المدني فرع المنظّمات الدولية، من نصيرٍ باسلٍ ضدّ الإمبريالية. كما سبق بذلك الحركيّون الإسلاميّون في مدافعتهم ضدّ الاستعمار والإمبريالية حين اكتفوا بأفيونٍ من كتاب المرحوم ماركس بسَلْق «أفيون الشعوب» المشهور.
على كلّ حال، تجد قارئة ماركس في نصِّه الطويل متشابهاتٍ، مثل مزدوج «متقدّم/ رجعي» في وصف تكوينٍ اجتماعيٍّ بحاله، فالتكوين الاجتماعي الفلاحي في الشرق «رجعيّ» في مقابل غرب «متقدّم»، بل ستجد حتى تقريظاً مُباشراً للآلة التاريخية للإمبريالية وهي تطيح بتكوينات اجتماعية «رجعيّة» في أرجاء الأرض وتفتح الباب للتقدّم الاجتماعي. مثلاً، تأمَّلَ المرحوم ماركس مليّاً في التكوينات الاجتماعية في الهند تحت وطأة الاستعمار الإنجليزي، وعاد مرةً وأخرى إلى معنى أن التحوّل الذي يفرضه الإنجليز بالحديد والنار على مجتمعاتٍ مُسْتضعفة يُهيِّئ الطريق للثورة الاجتماعية ستّ الاسم. مالك معانا يا دكتور ماركس.
اختار المرحوم إدوارد سعيد في اختبارِهِ «استشراقَ» ماركس، هذه الفقرةَ من مقالٍ للمرحوم ماركس في «نيويورك ديلي تربيون» بتاريخ 25 يونيو 1853 تحت عنوان «الحكم البريطاني في الهند»: «كم هو مقزّز للشعور الإنساني أن يشهد كيف تنهدّ هذه النظم الاجتماعية مُتعدِّدة الصور والأشكال، ببراءتها الأبوية والجهد العظيم الذي تستغرقه، كيف تنحلّ وحداتها وتذوب في بحر من العذابات، كيف يفقد الأفراد من أعضائها حضارتهم التليدة وسبل عيشهم الموروثة، دَعْك من مجتمعاتهم القروية الوادعة. لكنْ، مثّلت هذه القرى الوادعة، على ما بها من براءة، القاعدةَ الموضوعية للاستبداد الشرقي. حصرت هذه القرى العقلَ البشرى في أضيق مدار ممكن، وحوَّلَتْه إلى أداةٍ طيّعة للخرافة، استعبدت العقلَ البشريّ في أسر الأعراف والتقاليد وحرَمته من كلّ عظمة وطاقة تاريخيّة. (…) نعم، لم يكن لإنجلترا التي تتسبَّب في ثورة اجتماعيّة في هندوستان نازعٌ سوى أحطِّ المصالح التي سعت إليها بكلّ حماقة. لكنْ هذا ليس هو السؤال. السؤال هو: هل تستطيع البشرية التي تحقَّقَ مصيرُها بغير ثورة قاعدية في آسيا؟ إنْ كانت الإجابة لا، أياً كانت جرائم إنجلترا، فهي وسيلة التاريخ العمياء لإنجاز هذه الثورة». (ضمن «الاستشراق»، ص ١٥٣). وكونكا مايو يا زميل، ماذا نفعل إذن بالكونكا؟
يُتبع…



