أتر

مسؤولون عن تعريف أنفسنا سينمائياً: مقابلة مع السينمائي السوداني ياسر فائز

ضمن الدورة الـ 78 لمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، الذي أُقيم في سويسرا من 6 حتى 16 أغسطس الماضي، شارَكَ الفيلم السوداني «جهنمية» لمخرجه ياسر فائز، ضمن قسم «عروض الأبواب المفتوحة»؛ وهو قسم معنيٌّ بتقديم الدعم لصانعي الأفلام من المناطق غير المُمثّلة في جميع أنحاء العالم، ومن البلدان التي تتعرَّض فيها السينما للخطر. وضمّ المهرجان في عروضه 17 فيلماً دولياً، عُرضت للمرة الأولى.

لم تكن تلك هي المشاركة الأولى لفيلم «جهنمية»، فقد عُرض وشارك في عدة مهرجانات، منها مهرجان تورنتو للفيلم العربي بكندا يونيو الماضي، ومهرجان مالمو للسينما العربية الدورة الـ 15 بالسويد مايو الماضي، وقبلها بمهرجان ميتا السينمائي في كندا، بدورته السابعة يناير الماضي. ويُتوقّع أن تكون للفيلم مشاركات قادمة في كينيا وهولندا وأستراليا والجزائر.

يتناول الفيلم الروائي القصير «جهنمية»، قصة ستّ فتيات سودانيات وسيدة اعتُقلن أثناء ثورة ديسمبر 2018، وقضين الأيام الأخيرة، قُبيل سقوط النظام، حبيسات في زنزانة صغيرة، واجهنَ خلالها مشاعر الاعتقال وحزنه والخوف والانتظار، وخُضن لحظات من الصراع النفسي داخل المعتقل لا تقلّ عما كان يحدث في الشوارع وقتها. جلَسنا إلى الكاتب وصانع الأفلام والفاعل في إنتاج وإدارة المشاريع الثقافية ياسر فائز، ليُحدّثنا عن المشاركة وأفق السينما في السودان بعد الحرب.

حدِّثنا عن فيلم «جهنمية» والجوانب الإنتاجية والظروف التي صاحبته ومراحل صناعته.

رحلة الفيلم الإنتاجية، هي رحلة التحوّلات السياسية في الواقع السوداني، وما تعرَّض له الإنتاج الثقافي والسينمائي، بين الثورة والفترة الانتقالية والانقلاب، ومن ثمّ الحرب التي تزامنت مع مرحلة الفيلم الأخيرة، ما أخَّر إطلاقه حتى يناير 2025.

عند اندلاع الاحتجاجات التي مهَّدَت لثورة ديسمبر، لم أكن موجوداً بالسودان لالتزامي بمشروع تبادل ثقافي، اقتضى أن أكون خارج البلاد؛ فضلاً عن تفاصيل تتعلّق بإمكانية تنفيذ المشروع حينئذٍ. عدتُ إلى السودان مع توقيع الوثيقة الدستورية، وفكّرت: ماذا يمكنني أن أفعل؟ بدأت الفكرة بالاشتغال على قصص النساء اللائي اعتُقلن أثناء الثورة، وسجّلت عدّة جلسات مُصوَّرة مع مُعتقلات سابقات، لأبني وأستوحي منها فكرة الفيلم الذي كان وقتها بمُخيّلتي ما بين مشروع فيلم قصير أو طويل. كُتِبَ سيناريو الفيلم بناءً على هذه المقابلات واستُوحيت منها، لكن ليس هناك تطابق بينها وبين قصة الفيلم بالضرورة. كذلك لم أجنح إلى النمط الروائي والدرامي، وابتعدتُ عن ثيمة إظهار العنف المادّي الواضح، فبدأ الفيلم من لحظة وجودهنّ داخل المعتقل، خالقاً مكاناً معزولاً عن سياق الثورة، لكنه في عمقها في الوقت ذاته. كان المعتقل حينها مكاناً هامشياً في نظر الناس في الخارج لكنه مثيرٌ للأسئلة. لقد بُنِي 80% من الفيلم – 17 دقيقة – داخل مكان واحد، صاحَبته تحدّيات أن تحكي قصة ذات تسلسل منطقي. وفي التنفيذ كان من الممكن أن تُساعد عوامل أخرى في توضيح سياق الثورة والاعتقال على نحو أعمق؛ منها أننا اقترحنا سجنَ النساء بأم درمان مكاناً للتصوير، لكنّ التحديات الأمنية والسياسية لانقلاب 25 أكتوبر، أعاقت ذلك، وفُرض علينا أن نبني مكاناً يُحاكي الزنزانة، واضطررنا لاتخاذ حلول تتعلق بسرّية موقع التصوير ونقل الممثلات منه وإليه، لتقديم فكرة الفيلم في الحدّ المعقول. كذلك تعرّض المنتجون المشاركون والداعمون لخسارات، لكننا تعاملنا مع الفيلم باعتباره تمريناً لتوطين الإنتاج في السودان؛ فمعظم الأفلام الكبيرة والناجحة التي صُوّرت بالسودان، كانت قد اعتمدت جزئياً على فرق صغيرة ومعدّات من الخارج. اشترينا جزءاً كبيراً من المعدّات ودرَّبنا الفريق على استخدامها، وقصَدنا أن تكون العملية الإنتاجية بالقدرات الذاتية، ورأينا أنه من المهمّ إشراك آخرين مثل القطاع الخاص والمجتمع المدني والدولة في الإنتاج، لكن تعثّر هذا في ظرف الانقلاب وخسرنا جزءاً من القطاع الخاص بسبب نوعية الفيلم، ولم يكن المجتمع المدني كفؤاً وصادقاً في التعامل معنا. بفريق يتكوّن من أكثر من 30 شخصاً، إضافة إلى الممثلات، نجحنا في تنفيذ الفيلم تقنياً وإدارياً. سبقت ذلك مرحلة تطوير السيناريو وتدريب الممثلات. وأعقبت مرحلة ما بعد الإنتاج مشاركات من شركات مصرية. أما في مرحلة التوزيع، فقد تعاقدنا مع واحدة من أكبر الشركات في الشرق الأوسط «ماد سوليوشن». أعتقد أن التجربة ستُلهمنا في إيجاد منهجية بديلة للإنتاج خارج السودان، من خلال شرَاكات فعالة.

كيف كانت مشاركة فيلم «جهمنية» في مهرجان لوكارنو؟

ينتهج قسم عروض الأبواب المفتوحة، اختيار المناطق التي تُعدّ السينما فيها ضعيفة نسبياً قياساً بالسينما الغربية، فيفتح القسم أبوابه لصانعي الأفلام وللمشاريع السينمائية من هذه المناطق. في كلّ أربع سنوات يركّز المهرجان على قارّة بعينها، في الدورة السابقة كان التركيز على سينما أمريكا اللاتينية، وبدءاً من هذه السنة والسنوات الثلاث القادمة سيكون التركيز على السينما الأفريقية، وتحديداً الدول تعد فيها صناعة السينما أضعف ولا تتلقى دعماً، لذا استُبعدت سينما الشمال الأفريقي (تونس ومصر والمغرب) وجنوب أفريقيا، ومن بين مجمل الدول الأفريقية الـ 54، أتيحت فرص المشاركة لـ 42 دولة من ضمنها السودان، وقد تقدّمنا ونلنا الفرصة في برنامجين، أحدهما خاص بالمخرجين وهو برنامج تطوير مهني في مجال الإخراج السينمائي. واختير فيلم «جهنمية» رسمياً، لكن خارج المسابقة الرسمية، مع مجموعة من الأفلام الأفريقية الطويلة والقصيرة.

من بعد الثورة، وحالياً بعد الحرب، نشطت المشاركات السينمائية السودانية في المهرجانات الدولية، كيف ترى ذلك؟

كنا نعيش عزلةً وانقطاعاً ثقافياً عن العالم، جزء منه يتحمّله الفاعلون والمُنتجون الثقافيون السودانيون، وجزء آخر يتعلَّق بالظروف السياسية والتاريخية، فضلاً عن عامل المُغايرة الثقافية، فإننا مسؤولون مباشرة عن تعريف  أنفسنا وتقديمها، وهو ما نفتقر إليه حتى تجاه ثقافاتنا المحلية. إنّ أي مشاركة سينمائية تُعَدُّ مُهمَّة من حيث أنها تقول للعالم إنّ هناك بلداً اسمه السودان وبه صناعة سينمائية، كما أنها تمنح القبول والاستعداد للتعاون، والثقة في الإنتاج الفني السوداني. هناك جيل جديد وُلِدَ ونشأ في حقبة ما بعد انقلاب الإسلاميين في العام 1989، التي لا تزال آثارها مُمتدَّة، هؤلاء هم اللبنة الأساسية في بناء النهضة السينمائية الجديدة، فهم إما عاشوا أو درسوا أو عملوا خارج البلاد، ما زاد ارتباطهم بقطاعات ثقافية أخرى؛ لذا لم يكن الإنتاج سودانياً مائة بالمائة. لقد استطاع هذا الجيل خلق هذه العلاقة والفرص بجذب المنتجين إلى بلدٍ لا تتوفر فيه صناعة سينمائية. على سبيل المثال، ظلّت تجربة المخرج أمجد أبو العلا في إنتاج فيلمه الأول «ستموت في العشرين» الأهمّ إنتاجياً في دعم السينما السودانية، لأنه فيلم روائي لم يسبقه آخر لسنوات طويلة، وحقّق نجاحات في الوصول إلى مهرجانات دولية، وجذب شراكات إنتاجية خارجية، ما عزَّز الثقة في إمكان صناعة فيلم في السودان. وبالمثل، كلّما أُنتج فيلم سوداني زادت هذه الثقة، وهي لا تنفصل عن تراكم محاولات سابقة من قِبل «سودان فيلم فاكتوري» وغيرها. هناك دَور يتعلق بانتقال السينما إلى الديقتال، ما جعل المدخل للتصوير ومعداته والمعرفة بالسينما أسهل. وإذا جاز لي تسمية موجات من السينمائيين بدءاً من جاد الله جبارة، فإنّ الموجة والتجربة الأنضج كانت من المنضوين تحت نادي السينما وجماعة الفيلم السوداني، أمثال الطيب مهدي وإبراهيم شدّاد وسليمان إبراهيم، لظروف دراستهم وعملهم بالخارج أيضاً. لكنّ الأهمّ في الموجة الحالية أنها مُتزامنة وغير مُنقطعة عما سبقها، ولولا ما اتكأت عليه من مشاركات لكان الأمر أصعب.

تغيّرت ظروف الإنتاج الثقافي عموماً والسينمائي تحديداً وتعثّرت بفعل الحرب في السودان، كيف ترى هذا الواقع وتعقيداته؟

عملياً، تتعذّر صناعة أفلام روائية طويلة داخل السودان الآن لعدة أسباب، من بينها انعدام هامش الأمان، وتضاؤل سقف الحريات إلى أقل مما كان قبل الثورة. ووفقاً لتقديراتي لا تتحكّم السلطة الموجودة حالياً في المكان الجغرافي على نحوٍ كافٍ، كما أنها لا تتحكّم في مؤسساتها، وهناك تعدُّد في مراكز القرار داخلها، وجميع مراكز القرار هذه هي عسكرية سلطوية قمعية، ومن ثمّ تصبح مخاطر العمل في واقع كهذا غير مُعرَّفة ولا يمكن تخيُّلها. في الماضي ما قبل الثورة، صُوِّرت جميع الأفلام داخل السودان، وكان هناك حدٌّ من التفاهم مع السُّلطات والعمل على هامش الحرّيات وقتها.

استراتيجياً، إذا أردنا التفكير في منظومة حيوية للصناعة السينمائية بالسودان، يتعيَّن علينا الإجابة عن سؤال: هل سينتهي الوضع الماثل قريباً؟ وهل هناك موعد محدّد أو يمكن توقّعه لهذه النهاية؟ وهل سيكون الانتظار حتى حلول سلام في السودان لبدء العمل؟ قد تبدو صيغ الأسئلة سياسيةً، لكن لا ينبغي الهرب من الإجابة عنها من السينمائيّين جماعياً. حتى وإن تعدّدت الأجوبة، علينا تحديد الكيفية التي تُمكِّن المنظومة الحيوية للصناعة السينمائية من ترسيخ صناعة السينما في السودان. لا أرى مدىً واضحاً لتحقيق استقرار نسبي في السودان، لغياب مشروع وطنيّ شبه جامع، يمكن أن يقدّم إجابات حول السلام والديمقراطية والعدالة، وكذلك لغياب الجدية والقدرات من الفاعلين السياسيين لتحقيق هذا الاستقرار.

يجب أن تتجه السينما السودانية، لإيجاد حلول بديلة في الإنتاج والتوزيع، وليست هناك إجابات قاطعة حولها؛ لكن هناك منظومة حيوية، تستطيع بناء مواقع وشراكات، تُمكّن من إيجادنا سينمائياً وتعريفنا للآخر ولجمهورنا السوداني الذي يرغب في مشاهدة أفلام سينمائية. والأرجح أن الإنتاج السينمائي داخل السودان لن يكون كبيراً في السنوات القريبة القادمة على أقل تقدير، فآخر فيلم سوداني «ملكة القطن» لم يُصوَّر في السودان، بل في مصر.

في ماذا تعمل أو تفكّر الآن سينمائياً؟

خلال هذا العام سيُعرَض فيلم روائي قصير «رترتا»، وقد صُوّر سابقاً، وهو إنتاج سوداني مصري فرنسي. قصة الفيلم مصرية بممثلين مصريين، خضتُ تجربة إنتاجه وأخرجه المخرج السوداني المقيم بفرنسا صدّام صديق، وساهمت في الإنتاج شركة سودانية فرنسية. أعمل كذلك حالياً على مشروع فيلم روائي طويل، هو الأول بالنسبة لي، ستعمل في إنتاجه السينمائية السودانية رؤى عثمان، وسيُشارك في كتابة نصّه كتّاب آخرون، ومن المفترض تصويره خلال العام 2027 بدولة كينيا، ويدور حول السنوات الثلاث الأخيرة من الحرب الأهلية بالسودان، وأحاول قبله القيام بمشروع فيلم قصير.

Scroll to Top