أتر

بين فكي الكوليرا وحمى الضنك: مشهد قاتم

في اجتماعه الراتب الثلاثاء 16 سبتمبر، أعلن مركز عمليات الطوارئ بوزارة الصحة الاتحادية، عن 1367 حالة إصابة بالكوليرا سُجِّلت خلال أسبوع من 6 حتى 12 سبتمبر الجاري، بينها 52 حالة وفاة، في 5 ولايات هي شمال ووسط وشرق دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق. أما حمّى الضنك فقد وصل عدد حالات الإصابة المُبلغ عنها 1523 حالة، منها 3 حالات وفاة، بولايات النيل الأبيض وكسلا والنيل الأزرق والخرطوم، والأخيرة هي الولاية الأعلى في معدّل الإصابة. وقد بُلِّغَ عن 63 إصابة بالتهاب الكبد الوبائي في ولاية الجزيرة دون تسجيل حالات وفاة.

وفي الخميس 18 أغسطس، أعلنت وزارة التربية والتعليم بولاية الجزيرة، عن تعطيل الدراسة بالمدارس الثانوية، لمدة 15 يوماً، تبدأ من يوم الأحد 21 سبتمبر الجاري وحتى السبت 4 أكتوبر القادم. وأرجعت الوزارة في خطاب معنون إلى إدارات المدارس، اطّلعت عليه «أتَـر»، السببَ إلى تفشّي مرضَي الضنك والملاريا. وأعلنت وزارة الصحة بالولاية، عن حملة للرشّ الجوي، تصحبها حملات أرضية، لمحاصرة نواقل الأمراض والقضاء عليها.

وبحسب مصدر طبّي من مدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة تحدّث لـ«أتَـر»، فإنه ومنذ بداية يوليو 2025، بدأ وباء حمى الضنك في الانتشار على نحو واسع في الولاية. وأوضح أنّ مستشفى الحصاحيصا التعليمي تكدَّس بالمرضى نتيجة تفاقم المرض، وأنّ مستشفى الحصاحيصا يستقبل يومياً ما لا يقلّ عن 100 مريض. ومن قرية أربجي، شرقي الجزيرة، وصل إلى المستشفى يوم الثلاثاء 16 سبتمبر 180 مريضاً. وقَدَّر المصدر عدد الإصابات منذ بداية تفشّي الوباء بالآلاف. وأضاف أنّ شُحّ الدربات وأملاح التروية فاقم الأزمة، إذ يحتاج المريض يومياً إلى 5 دربات من أملاح التروية.

منذ يوليو وحتى ديسمبر 2024، جرى تسجيلُ آلافٍ من حالات الإصابة بالكوليرا، وشهدت هذه الفترة ذروة انتشار الوباء، إذ بلغ عدد الإصابات 49,554 حالة في البلاد، وفقاً لتقارير مركز عمليات الطوارئ التابع لوزارة الصحة.

ومن يناير حتى 19 سبتمبر 2025، بلغ عدد الإصابات بالكوليرا 56,145 حالة؛ ورغم أنّ هذه الفترة أطول زمنياً، إلا أنّ العدد التراكمي للإصابات كان أقلّ خلال ثلاثة أشهر. ومن يوليو حتى سبتمبر 2025؛ بلغ 14,547 حالة، ما يعكس انهيار البنية التحتية الصحّية وتحديات الحصول على المياه النظيفة. ولا تزال هناك آلاف الحالات تُسجَّل يومياً، رغم التدخّلات التي نفَّذتها الجهات الصحية.

منذ بداية الرصد في يوليو وحتى ديسمبر 2024، بلغ عدد الإصابات بحمّى الضنك في البلاد 8,350 حالة وفقاً لتقارير مركز عمليات الطوارئ التابع لوزارة الصحة، وشهدت هذه الفترة ذروة انتشار الوباء.

ومن يناير حتى 19 سبتمبر 2025، وبحسب تقرير مركز عمليات الطوارئ في 26 أغسطس الماضي، بلغ العدد التراكمي للإصابات 6,180 حالة في البلاد. شَهدت تسجيل 2,901 حالة في يومي 9 و 16 سبتمبر الجاري.

أرقام مُقلقة في جبل مرّة

 عزا المصدر الطبي انتشار الكوليرا في مناطق جبل مرّة إلى انهيار البنية التحتية والصحية؛ وشُحّ مياه الشرب النقية، وندرة وسائل التعقيم والمُطهّرات، إلى جانب ضعف الطاقة الاستيعابية لمراكز العزل أمام الأعداد المتزايدة من المرضى.

مع تصاعد أتون الحرب في ولايات دارفور وكُردفان، تكدَّسَتْ مُعسكرات الإيواء بالنازحين من مُختلف المناطق، ما فاقم الأزمة الصحية على نحوٍ بالغ. متحدّثاً لـ«أتَـر»، قال مصدر طبّي من دائرة «ديرة» بشرق جبل مرّة، الخاضعة لسيطرة حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، والتي تقع في ولاية جنوب دارفور، إن بلدة دِرْبات تُعاني من تفشّي وباء الكوليرا على نحو واسع، وإنّ أعداد الإصابات في تزايد مُستمرّ، وبلغت منذ 3 أغسطس الماضي حتى 17 سبتمبر الجاري 134 إصابة توفيت منها 15 حالة. أما في منطقة سوني فقد بلغ عدد الإصابات 125 إصابة، وبلغ عدد الوفيات بسببها 17 حالة. وفي مركز ديرة الصحي بلغ عدد الإصابات 37 إصابة بينها 13 حالة وفاة. وبلغ عدد الإصابات في مركز جاوا الصحي 47 إصابة، وعدد الوفيات 8 حالات.

مراكز عزل الإصابات بالكوليرا: تصوير مصدر طبّي من دائرة (ديرة) بمنطقة جبل مرّة

وعزا المصدر الطبي انتشار الكوليرا في مناطق جبل مرّة إلى انهيار البنية التحتية والصحية؛ وشُحّ مياه الشرب النقية، وندرة وسائل التعقيم والمُطهّرات، إلى جانب ضعف الطاقة الاستيعابية لمراكز العزل أمام الأعداد المتزايدة من المرضى.

وقال مصدر طبي آخر، من منطقة طويلة بولاية شمال دارفور، تحدّث لـ«أتَـر»، إنّ مركز عزل الكوليرا بالمنطقة، التابع لمنظمة «أطباء بلا حدود» الفرنسية، والذي تبلغ سعته الاستيعابية 200 سرير، كان خلال يوليو الماضي يستقبل ما بين 300 إلى 400 حالة يومياً؛ لكن مع الجهود التي بذلتها العديد من المنظمات مثل منظمة «سابا»، التي أنشأت مركزَي عزل في منطقتي دالي ودبة نايرة، ومنظمتَي «أنقذوا الأطفال» و«تباشير» اللّتين تُديران مراكز صحية بدعم من منظمة اليونيسف؛ تقلّصت أعداد الإصابات بالكوليرا حتى وصلت إلى 21 حالة في 16 سبتمبر الجاري. ومنذ بداية تفشّي الوباء في طويلة يوليو الماضي بلغ إجمالي الإصابات 5457 بينها 80 حالة وفاة. وأضاف المصدر أنّ أعداد الإصابات بالملاريا في طويلة بدأت تزداد على نحو مُلفت، الأمر الذي يقتضي تدخُّلاً طبياً وصحياً عاجلاً، خاصةً مع موسم الأمطار الحالي في المنطقة، مُوضّحاً خطورة الوضع الذي يعيش فيه النازحون في المنطقة.

مراكز عزل الإصابات بالكوليرا: تصوير مصدر طبّي من دائرة (ديرة) بمنطقة جبل مرّة

بحري وأم درمان

تشهد مدينة بحري هذه الأيام تفشّياً واسعاً للأمراض الوبائية، بعد تسجيل أكثرمن 4,800 إصابة بها حتى نهاية أغسطس الماضي، وسط أزمة مُتصاعدة في الخدمات الصحية. ووفقاً لغرفة طوارئ بحري التي تحدّثت لـ«أتَـر»، بلغ عدد حالات الإصابة بالملاريا 2,137 حالة، والتايفويد 1,177 حالة، وبلغ عدد حالات الإصابة بحمّى الضنك 1,296 حالة، والإسهالات المائية 265 حالة. وتركّزت الأوبئة في أحياء: الشعبية، الدناقلة، كوبر، حلّة خوجلي، ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تتراكم المياه الراكدة، في ظلّ ضعف الصرف الصحي.

رغم أنّ مدينة بحري سجَّلت أعلى الأرقام، إلا أنّ محلية شرق النيل تشهد تفشّياً واسعاً للوبائيات أيضاً، خاصة الملاريا وحمّى الضنك. ووفقاً للرصد الميداني الذي يقدّمه المتطوّعون، فإنّ معظم الأسر لا تخلو من إصابتين إلى ثلاث على الأقل، وأنّ مستشفى أم ضواً بان وحده يستقبل يومياً ما يقارب 200 حالة، وتُشكّل الحميات حوالي 80% من جملة الحالات المُتردِّدة على المستشفى.

وأوضحت الغرفة لـ«أتَـر» أنّ الأزمة تتفاقم بسبب غياب المرافق الصحية في جنوب المدينة ووسطها، بينما تعمل المراكز القائمة تحت ضغط عالٍ وتُعاني نقصاً حادّاً في الأدوية وعدم توفر الفحوصات. وقالت غرفة طوارئ بحري، إنّ الجهود المجتمعية بالغرفة أسفرت عن توزيع أكثر من ثلاثة آلاف ناموسية في شمال بحري وجنوبها، وتنفيذ حملة إصحاح بيئي بتكلفة 36 مليون جنيه، وحملات نظافة وتعقيم بـ 13 مليون جنيه، إضافة إلى توفير أدوية بقيمة 43 مليون جنيه لعدد من المراكز الصحية، إلى جانب ورش توعية بسُبل الوقاية من الكوليرا للطلاب. ورغم هذه التدخلات تبقى المؤشرات مُقلقة، إذ تعدُّ غرف الطوارئ أنّ تزايد حالات الإسهالات المائية إشارة واضحة إلى إمكانية تفشّي الكوليرا، إذا لم تعقَّم مصادر المياه وتُصان أنظمة الصرف الصحي، كما حذّرت الغرفة من زيادة مُرتقبة في حالات الإصابة بالملاريا وحمّى الضنك مع تطاول موسم الخريف، فضلاً عن احتمالية زيادة الإصابات بالتايفويد في الأحياء التي تعتمد على مصادر مياه ملوثة.

ورغم أنّ مدينة بحري سجَّلت أعلى الأرقام، إلا أنّ محلية شرق النيل تشهد تفشّياً واسعاً للوبائيات أيضاً، خاصة الملاريا وحمّى الضنك. وقالت عضوٌ في المكتب الطبي بغرف طوارئ شرق النيل، تحدّثت لـ«أتَـر»، إنه وفقاً للرصد الميداني الذي يقدّمه المتطوّعون، فإنّ معظم الأسر لا تخلو من إصابتين إلى ثلاث على الأقل، وأنّ مستشفى أم ضواً بان وحده يستقبل يومياً ما يقارب 200 حالة، وتُشكّل الحميات حوالي 80% من جملة الحالات المُتردِّدة على المستشفى، بينما تعجز المراكز الصحية الأخرى عن رصد وعلاج الحالات بسبب ضعف إمكاناتها. ولا تزال بعض المراكز الصحية الحكومية خارج الخدمة أو تعمل بإمكانات محدودة، ما يعوق رصد الحالات بدقة، وحتى في المراكز العاملة، فالأرقام المسجّلة أدنى بكثير من حجم الإصابات الفعلي.

متحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول محمد آدم، ويسكن بمحلية شرق النيل، إنّ الأوضاع الصحية تزداد صعوبةً كلّ يوم، وقد أُصيبت أحياء كاملة في محلية شرق النيل بحُمّى الضنك وساعد على انتشارها عدم تلقي العلاج لانعدامه، مشيراً إلى أنّ المستشفيات العاملة حالياً هي البان جديد وبشائر. وقال محمد، وقد أصيب وأسرته بالحمّيات، إن أكثر المتوفين بحُمى الضنك هم من أصحاب الأمراض المزمنة وخاصة السكري.

أما مناسك الحاج، التي تَسكُن في حي الثورة بأم درمان، فقالت لـ«أتَـر» إن ثلاثةً من أفراد أسرتها أصيبوا بالملاريا، وإنها واجهت صعوبات كبيرة خلال الكشف وتلقّي العلاج في المركز الصحي، فـ «المراكز الصحية مكتظّة، صفّ للمعمل، وصفّ للطبيب، والانتظار يكون لساعات طويلة ربما تصل إلى خمس»، وأوضحت أنها اشترت علاج الملاريا بـ 4 آلاف جنيه، وأنّ مرضى الخرطوم بحري يضطرّون للمجيء إلى أم درمان لعدم توفّر العلاج والمرافق الصحية ببحري، وأشارت إلى أنّ انقطاع الكهرباء في الأيام الماضية نتيجةً لقصف مُسيّرات الدعم السريع زاد من معاناة المصابين بالملاريا وحمى الضنك. وقالت مناسك إنّ الناموسية الصغيرة تُباع في الصيدليات بـ 20 ألف جنيه، بينما اقتصرت الناموسيات التي توزّعها المنظمات على نازحي الفاشر بأعداد محدودة، بواقع 3 ناموسيات لكل أسرة، رغم تزايد البعوض بسبب تراكم مياه الأمطار الراكدة.

كسلا وريفها

أما في ولاية كسلا فقد رصدت «أتَـر» عبر مصادر طبّية غير رسمية تسجيل 112 إصابة بالكوليرا وصلت إلى مستشفى كسلا التعليمي من محليات مختلفة حتى 7 أغسطس المنصرم؛ رغم أنّ تقريراً لوزارة الصحة بالولاية، تحصّلت عليه «أتَـر»، يُشير إلى بدء تفشي الوباء في 19 أغسطس، حينما بُلّغ عن حالتي اشتباه في مستشفى كسلا التعليمي قادمتين من منطقة قلسا. ويشير تقرير وزارة الصحة بولاية كسلا الى أن إجمالي الإصابات حتى 16 سبتمبر بلغ 394 حالة توفي منها 7. وأخبر مصدر طبي بوزارة الصحة بالولاية «أتَـر»، أنّ الإصابات تركّزت في محلية ريفي كسلا التي سجّلت 353 حالة، إلى جانب 28 حالة بمدينة كسلا، و7 حالات في محلية غرب كسلا، و3 في محلية أروما، وحالة واحدة في محلية خشم القربة. ويتلقّى المصابون العلاج في مراكز العزل بمستشفى كسلا التعليمي ومركز قلسا والمستشفى الكويتي.

وتُخبر مشاعر أحمد، عضو لجنة الإحصاء والمعلومات بغرفة طوارئ محلية ريفي كسلا، «أتَـر» بتسجيل 12 إصابة بحُمّى الضنك، 10 حالات منها في عد عمير وحالتان في ود شريفَي. وأوضحت مشاعر أنّ الوضع في قلسا يشهد استقراراً نسبياً، ولم تُسجّل إصاباتٌ جديدةٌ بالكوليرا حتى صباح الأمس 17 سبتمبر، لكنها أشارت إلى التزايد الملحوظ في حالات حُّمى الضنك خاصةً في عد عمير، ما يَستدعي تدخّلاً عاجلاً عبر حملات رشّ بيئي وتوعية صحية، وأنّ حجم الأضرار الإنسانية جرّاء السيول يتطلّب دعماً عاجلاً بالمأوى والمواد الغذائية.

بيئة ناقلة للأمراض

إبان موسم الأمطار في خريف عام 2025، ونتيجة للظروف البيئية وكميات الأمطار الغزيرة، شهدت ولايات السودان تفشّياً كبيراً لوبائَي الكوليرا وحمّى الضنك، إلى جانب مجموعة من الأوبئة الأخرى. ألحقت الأمطار أضراراً جسيمة بالبنية التحتية خاصة دورات المياه، ما أجبر السكّان على ممارسات ضارّة مثل قضاء الحاجة في العراء، الأمر الذي أدّى إلى تلوّث المحيط؛ وقد تزامن ذلك مع وجود أعداد كبيرة من النازحين في المعسكرات ودُور الإيواء، ما فاقم من انتشار هذه الممارسات وزاد من خطر تفشّي الأمراض.

في مايو 2025، تفشَّى وباء الكوليرا ولاية الخرطوم على نحوٍ واسع خلال فصل الصيف، وهو ما بدا للوهلة الأولى غير مألوف، إذ اعتاد السودانيون على ربطها بفصل الخريف؛ إلا أنّ الحقيقة العلمية تُشير إلى أنّ بكتيريا الكوليرا التي تعيش في البيئات المائية مثل الأنهار والمسطّحات المائية وتُعرف باسم «ضمّة الكوليرا»، ولا تَنشط في فصل الخريف فقط، بل تزداد كذلك خلال فصل الصيف، وتتميّز بقدرتها على البقاء لفترات طويلة في المياه، حيث تتعايش مع الكائنات الدقيقة مثل العوالق الحيوانية والنباتية، ضمن ظروف بيئية مُعيّنة تتيح لها التكاثر والانتشار.

بكتيريا ضمّة الكوليرا.

ساهَمَ هذا الوضع الصحي المُتدهور وغياب عمليات الرشّ المنتظمة في تفشّي حالات حمى الضنك (Dengue fever)، وهي عدوى ڤيروسية تنتقل عند التعرّض للدغة نوع معيّن من البعوض، يُعرف باسم الزاعجة المصرية (Aedes Mosquitoes). تكيّفت هذه البعوضة مع البيئات الحضرية، ما يجعل السيطرة والقضاء عليها أمراً صعباً للغاية، ويسهل تمييزها من خلال العلامات البيضاء على أرجلها وعلامة على شكل قيثارة على السطح العلوي من صدرها. تنشط بعوضة الزاعجة المصرية خلال النهار، وتبلغ ذروة نشاطها في الصباح الباكر وأواخر فترة ما بعد الظهر، ويتأثّر انتشارها بعدة عوامل بيئية مختلفة، مثل ارتفاع درجات الحرارة الذي يُسرّع من دورة حياتها ويزيد من نشاطها، كما يُعزّز الطقس الحار والرطب من تكاثر الفيروس داخل البعوضة. وتعد المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية هي الأكثر عرضةً لتفشّي المرض.

بعوضة الزاعجة المصرية.

وهناك نوع آخر من البعوض الناقل لحمّى الضنك، وهو بعوضة الزاعجة البيضاء  (Aedes albopictus)، المعروفة أيضاً باسم بعوضة النمر الآسيوي. ورغم أنها أقلّ فاعلية من بعوضة الزاعجة المصرية في نقل الفيروس، إلا أنّها تشكل خطراً كبيراً، إذ تتميّز بقدرتها على التكيّف مع المناخات الباردة والبيئات الريفية، ما يُساعد في توسّع نطاق انتشارها الجغرافي، كما يمكنها أن تكون ناقلاً لڤيروسات أخرى مثل الشيكونغونيا.

بعوضة الزاعجة البيضاء.

لا تنتقل حمى الضنك مباشرةً من شخص إلى آخر، بل يتطلب انتقال ڤيروسها وجود بعوضة ناقلة. عندما تلدغ بعوضة شخصاً مصاباً بڤيروس حمى الضنك، تصبح البعوضة حاملةً للڤيروس ويتكاثر داخلها، وبعد فترة حضانة تتراوح بين 8 و12 يوماً، يمكن للبعوضة المصابة أن تنقل الڤيروس إلى شخص سليم إذا لدغته. تظهر أعراض حمى الضنك عادةً بعد 4-10 أيام من لدغة البعوضة، مسببةً ارتفاعاً في درجة حرارة الجسم قد يصل إلى 40 درجة مئوية، وصداعاً حاداً، وألماً خلف العينين، وآلاماً في العضلات، والقيء والغثيان، والطفح الجلدي. وقد يُخلط بين هذه الأعراض وأعراض أمراض أخرى، مثل الإنفلونزا، ما قد يؤخّر التشخيص والعلاج. في بعض الحالات، قد تتطوّر حمّى الضنك إلى حمّى الضنك النزفية أو متلازمة صدمة حمّى الضنك. وتكون أعراضها مصحوبة بقيء مستمرّ، ونزف اللثة أو الأنف، وظهور دم في القيء أو البراز، وسرعة وصعوبة في التنفّس، ويغلب التعب والأرق على المريض.

متحدّثة لـ«أتَـر»، تقول الدكتورة أديبة إبراهيم السيد، اختصاصية أمراض الباطنة والأوبئة وعضو فرعية خصوصي أم درمان في اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، إنّ انتشار البعوض والذباب، إلى جانب انقطاع الكهرباء ونقص مياه الشرب، يُسهم بنحو مباشر في تفاقم أزمة الكوليرا وحمى الضنك. وتضيف أنّ ضعف المناعة بين السكّان، نتيجة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، يؤدّي إلى زيادة معدّلات الإصابة بأمراض أخرى مثل التايفويد والدسنتاريا الأميبية، فضلاً عن ظهور حمى الشيكونغونيا وانتشار الملاريا في جميع ولايات السودان.

وتضيف أديبة: «رغم الجهود المبذولة من الكوادر الطبية والمنظّمات، عبر إنشاء مراكز العزل، وحملات مكافحة نواقل الأمراض، والإصحاح البيئي، ما زال انتشار العدوى متسارعاً في ظلّ هشاشة النظام الصحي ونقص الإمكانيات». وناشدت السلطات الصحية إعطاء الأولوية للإصحاح البيئي ومكافحة الذباب والتخلّص من النفايات بطرق آمنة ومعالجة الحشائش والمياه الراكدة باعتبارها جزءاً أساسياً من الاستجابة، فضلاً عن ضرورة تعزيز حملات التوعية عبر الإعلام المحلي باللهجات المختلفة، في المساجد، وعبر التواصل المباشر مع الأسر وربّات البيوت وأصحاب الآبار وعربات نقل المياه من تناكر وعربات كارو، وبدء العمل الوقائي فوراً في المناطق التي تأثّرت بالأمطار والفيضانات في مختلف الولايات؛ كما طالبت «بإعلان حالة الطوارئ الصحية لمواجهة الوباء، وتوفير الدعم العاجل من وزارة الصحة والمنظمات الإنسانية لمراكز العزل وضمان الإمداد الدوائي والمحاليل الوريدية».

Scroll to Top