تقفز القطّة داخل ثلاجة المشروبات الغازية بأحد متاجر وسط المدينة، وتُصرُّ على البقاء فيها قبل دقائق من حدوث زلزال بركاني. لم يكن هذا المشهد في فيلم Geostorm، من وحي خيال الكاتب، إنما كان تعبيراً عن ما رسخ في أذهان البشر منذ الحضارة الإغريقية القديمة، إذ تَواتَرَتْ الروايات منذ زمن بعيد، بأنّ تغيُّرات ملحوظة ستطرأ على سلوك الحيوانات قُبيل ساعات قليلة من حدوث الكوارث الطبيعية، وأنّ بعض الثدييات يُمكنها التنبّؤ بحدوث الزلازل والبراكين قبل دقائق من وقوعها.
وبما أنّ منهج العلم الحديث لا يعترف بغير الحقائق التجريبية، بات لزاماً على العلماء أن يسلكوا توجّهاً مُتقدّماً في رصدهم وتنبؤهم بالظواهر الطبيعية والمناخية، ليتمكّن الإنسان من مُجابهة الكوارث وخسائرها البالغة في الأرواح والممتلكات. وبينما ظلّ التنبؤ بالزلازل معقّداً حتى الآن، فإنّ تقنيات رصد سطح الأرض والمناخ كانت أقل تعقيداً ما سرّع من تطوّرها خلال العقود الماضية. وقد شهد القرنان التاسع عشر والعشرين تحوّلاً جوهرياً في ما يخصّ التعاون الدولي وتشارك المعلومات والتنبؤات المناخية، بعد أن أُسِّست «منظّمة الأرصاد الجوية الدولية» في العام 1873 ثمّ تحوّلت في 1951 إلى وكالة تتبع للأمم المتحدة باسم «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية»، كما اعتمدت الأمم المتحدة «المنظمة البحرية الدولية» في 1948.
كان السودان من أوائل الدول العربية والأفريقية في إنشاء هيئة للرصد الجوي، إذ يرجع تأسيس «الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية» إلى العام 1937، إلا أنّ هذه الريادة لم تكفل للسودان نظاماً يواكب تحديات العصر، خاصة مع ما اعترى المناخ من احتباس حراري ازدادت وتيرته في العقود المتأخّرة؛ فلم تتجاوز الهيئة عتبة النشرات الجوية التقليدية التي تشرح ظروف الطقس اليومية، مفسّرةً الحوادث بعد وقوعها. وليس أدلّ على ذلك مما حدث من انهيار أرضي كارثي في قرية ترسين في منطقة جبل مرّة، والتي لم يكن للهيئة سابق علم بها أكثر من بقية المتابعين من المواطنين.
يُواجه السودان اليوم تحديات بيئية ومناخية غير مسبوقة تجعله من أكثر الدول هشاشة أمام آثار التغيّر المناخي، إذ يحتلّ المرتبة السادسة عالمياً في مؤشّرات الهشاشة المناخية وفقاً لمؤشرات ND-GAIN. إنّ هذا التصنيف يجعل البلاد في طليعة الدول المؤهَّلة للحصول على دعم وتمويل لمشروعات التكيّف والحدّ من المخاطر. وقد قَدّرت المساهمة المحددة الوطنية NDCs لعام 2021 حاجة السودان إلى نحو 8.2 مليار دولار خلال الفترة من 2021 إلى 2030، بينما أشارت تقديرات بنك التنمية الأفريقي إلى أنّ الحاجة تبلغ 28 مليار دولار للفترة ذاتها (2020-2030)، ما يعادل 2.5 مليار دولار سنوياً.
إنّ ما يشهده السودان من آثار مباشرة للاحترار المناخي بات جزءاً من المعاناة اليومية؛ إلا أنّ المقلق حقاً أن كارثة المناخ في أحد أبرز تجلّياتها قد باتت أزمة صحّية، وليس أدلّ على ذلك من ارتباط الأمراض الموسمية في السودان بالظواهر المناخية. ومن المؤسف حقاً أنها لم تعد قاصرة على فصل معين، ففي فصل الصيف تعاني ولايتا الشمالية والبحر الأحمر من درجات حرارة مرتفعة تصل إلى ما يقرب من 50 درجة مئوية، فتسفر عن إصابات بضربات الشمس تؤدّي إلى الوفاة، فضلاً عن تزايد معدّلات الزحف الصحراوي وتآكل الغطاء النباتي في الولاية الشمالية في ظلّ افتقارها إلى مشاريع حصاد المياه وضعف أنظمة الري وعدم استقرار تدفق مياه النيل، ما يتسبّب في إجهاد التربة وفشل المحاصيل الزراعية في الولاية الفقيرة مائياً.
أما في ولايات وسط وجنوب السودان (النيل الأبيض والنيل الأزرق والجزيرة وسنار) التي تقع على ضفّتي النيلين الأزرق والأبيض، فإنّ معظم فصل الصيف يتزامن مع انخفاض مناسيب نهر النيل ورافدَيْه، ما يُوفّر ظروفاً مناسبةً لتكاثر العوالق النباتية والطحالب التي تمثّل بيئة ملائمة لتكاثر ما يُعرَف بمفصليات الأرجل التي توفر حاضنة لبكتيريا «ضمّة الكوليرا». وإنّ أي استخدام لمياه النهر خلال تلك الفترة، جراء الانقطاعات المتكرّرة لشبكة الإمداد المائي وشحّ مياه الشرب النظيفة، سيكون مصدراً لتفشّي الكوليرا. يسري ذلك على ولاية النيل الأبيض التي لا تعرف مدنها شتاءً بارداً، ما يجعلها عرضةً لظروف تفشّي الكوليرا حتى خلال شهري يناير وفبراير بذات الظروف البيئية التي تؤدّي لانتشار الكوليرا خلال الصيف.
أما فصل الخريف، فإنه موسم الأمراض والأوبئة دون منازع، حيث توفّر البرك الراكدة موطناً لتكاثر البعوض الناقل لأمراض الملاريا وحمّى الضنك، إضافة إلى أمراض التلوث البكتيري مثل التايفويد والكوليرا التي تزدهر في المياه الملوثة بسبب نظم الصرف الصحي السيئة.
لقد حصدت الأمراض المرتبطة بالمناخ أرواحَ الآلاف في السودان، وراح ضحية الكوليرا وحدها ما يزيد عن 3000 شخص خلال السنة الماضية (يوليو 2024 – سبتمبر 2025)، كما شهدت البلاد تفشّياً للملاريا في العام الماضي بحسب تقرير الملاريا العالمي المنشور في ديسمبر 2024، والذي أفاد بتسجيل مليون وثلاثمائة ألف إصابة وأكثر من 850 حالة وفاة. كما صرّح وزير الصحة خلال الأيام الماضية بأنّ إصابات الملاريا تتراوح ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين إصابة في عموم البلاد، ما يُشير إلى أنّ أعداد الضحايا قد تكون أكبر من العام الماضي في ظلّ تدهور النظام الصحي وتعثّر إمدادات الأدوية.
تؤدّي أنظمة الإنذار المبكر دَوراً فعّالاً في الحفاظ على الصحة العامة واحتواء هذه الأوبئة، وذلك من خلال وضع الخطط الاستباقية للتعامل مع التفشّي الوبائي، فجميع هذه الأوبئة مرتبطة أساساً بالعوامل المناخية. إنّ ما يُميّز نظم الإنذار المبكّر ليس فقط رصد الخطر، وإنما يمتدّ إلى تحديد حجمه وضرره ووضع أهداف مبكّرة للتعامل معه.
تُمثل تقنيات الرصد جوهر ما يُعرف اليوم بالإنذار المبكر، فالمفهوم في ذاته يقوم على «التحذير» و«الاستباق». وعندما يجتمع هذان البُعدان تتضاعف الفائدة للمجتمع. ويشير تقرير الأمم المتحدة للعام 2022 إلى أن الدول التي نجحت في تحقيق تغطية شاملة بأنظمة الإنذار المبكر سجّلت انخفاضاً في معدّلات الوفيات بأكثر من ثماني مرات مقارنة بالدول التي تفتقر إلى هذه المنظومة.
ووفقاً للأمم المتحدة، فإنّ آلية الإنذار المبكّر تقوم على أربع ركائز أساسية تبدأ بجمع البيانات عبر المراقبة الميدانية وصور الأقمار الصناعية (مثل مراقبة تدفق وجودة مياه النيل) ومتابعة أنماط الطقس وصحة المحاصيل. ثمّ يأتي التنبؤ في المرحلة التالية، وذلك باستخدام نماذج علمية تتوقّع المخاطر من تقلبات مناخية أو أمراض محتملة (مثل سيناريوهات تفشّي وباء الكوليرا). بينما يحلّ التواصل في المرتبة الثالثة، وذلك عن طريق إيصال التحذيرات إلى السكّان والمؤسّسات الصحية وسائر أصحاب المصلحة عبر قنوات متنوّعة تشمل تطبيقات الهواتف والبرامج الإذاعية. وأخيراً يأتي الإرشاد العملي بتقديم نصائح وإرشاد ميداني يُمكّن المواطنين من اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية أنفسهم ومصادر رزقهم وتلافي الكارثة.
على سبيل المثال، خلال تفشّي وباء الكوليرا في الصيف الماضي في ولاية الخرطوم، كان انتشاره مرتبطاً بديناميكية جريان النيل وانخفاض منسوبه، وكانت صور أقمار صناعية لمنطقة مقرن النيلين (حيث التفشّي الأكبر للوباء) تُظهِر تباطؤاً في تدفّق نهر النيل خلال موسم الانحسار الممتدّ من نوفمبر إلى مايو، ومتابعة تكاثر وازدهار العوالق النباتية التي تشكّل البيئة المُثلى لتكاثر البكتيريا المُسبّبة للكوليرا. وبناءً على هذه المعطيات المُتوفّرة من صور الأقمار الصناعية، فقد شهد مجرى نهر النيل الأزرق زيادة هائلة في مادة الكلوروفيل، وبمستوى أقلّ في النيل الأبيض.
هذه النتائج كانت جرس إنذار مهمّاً من الممكن أن توظّفه الجهات الصحية لاتخاذ احتياطات مبكّرة مثل توفير لقاحات الكوليرا قبل فترة كافية، بينما تتولى شركات الاتصالات ووسائل الإعلام نشر رسائل تحذيرية مُبسّطة وواضحة تحثّ المواطنين على تجنب السباحة في نهر النيل خلال هذه الفترة ومن استخدام المياه من مصادر غير آمنة مثل الصهاريج المحمولة على الدواب (الكارّو).


صورتان بالقمر الصناعي Sentinel-2 L2A لولاية الخرطوم (مقرن النيلين)، أولاهما في سبتمبر 2024 (ويَظهر فيها مجرى النيل باللون البني الغامق في إشارة إلى كمّية الطمي والتدفق العالي للنهر)، أما الأخرى فقد التُقطت في شهر فبراير 2025 (ويظهر فيها رافد النيل الأزرق باللون الأخضر الغامق في إشارة للكلوروفيل وازدياد كمية العوالق النباتية والطحالب) وهي الفترة التي سبقت تفشّي وباء الكوليرا في الصيف الماضي.
لقد بذلت الهيئة العامة للأرصاد الجوية جهوداً ملحوظة في التوعية بضرورة تفعيل وتطوير آليات الإنذار المبكّر للحدّ من الكوارث في السودان، وفي تعزيز القدرات الوطنية في جمع وتحليل إحصاءات الكوارث. بَيد أن التحدي لا يزال ماثلاً في كيفية سدّ الفجوة بين العلم والتطبيق العمَلي، والتي تؤدّي إلى عدم إيصال المعلومات مباشرة إلى المواطنين أو ربما إيصالها إليهم بلغة علمية معقّدة، فضلاً عن وصول المعلومة فقط دون توجيه توصيات وإرشادات لتنفيذها. على سبيل المثال، تبثّ وحدة الإنذار المبكّر في الهيئة العامة للأرصاد الجوية نشراتها اليومية عن حالة الطقس عبر صفحتها على فيسبوك، غير أنّ هذه التحديثات لا تَحظى بمتابعة واسعة من الجمهور. إّن غياب التنسيق بين المؤسسات المعنية مثل الهيئة العامة للأرصاد الجوية ووزارة الزراعة والري من جهة، والدفاع المدني ووزارتي الصحة والاتصالات من جهة أخرى، يُفقد نظام الإنذار المبكّر كثيراً من فاعليته وجدواه في حماية الأرواح والممتلكات.
عنصر المفاجأة من أهمّ عوامل حدوث الصدمات المناخية، فحتى إنْ لم يكن الحدث متطرّفاً، فإنّ مباغتته قادرة على قلب الموازين. وذلك ما حدث فعلاً خلال الأسبوع الماضي من شهر سبتمبر الجاري، عندما هطلت أمطار خفيفة بلغت نحو 30 ملم على الولاية الشمالية. ورغم قلّة الكمية، كان وقع المفاجأة كبيراً، إذ لم يتخذ المواطنون احتياطاتهم لحماية ممتلكاتهم، خاصة أن أكثر المنازل لا تتحمّل الأمطار لأنها مبنية لتناسب بيئة اعتادت الجفاف، ما أدّى إلى خسائر مادية وانهيارات كادت أن تودي بالأرواح.
تنبّؤات هطول الأمطار خلال الأسبوع الماضي من شهر سبتمبر (17 – 24)، وتشير إلى هطول استثنائيّ للأمطار في الولاية الشمالية (باللون الأصفر والبرتقالي) بكميات لا تتجاوز 30 مليمتراً (تعني 30 لتراً من الماء لكل متر مربع).
ورغم أنّ الهيئة العامة للأرصاد الجوية أشارت إلى احتمالية هطول الأمطار، فإنّ صياغة التحذير بعبارات غير يقينية إضافةً إلى ضعف انتشارها، حالَا دون وصول المعلومة إلى معظم السكّان. ومن هنا تبرز الحاجة المُلحّة إلى تفعيل شراكة واضحة مع هيئة الدفاع المدني ووزارة الاتصالات لإرسال رسائل نصّية تحذيرية فورية إلى هواتف المواطنين على جميع الشبكات، إلى جانب تطوير تقنيات الرصد لتحديد توقيت الهطول بدقة أكبر بما يوفر قدراً أعلى من اليقين ويمنح الأهالي الوقت الكافي لاتخاذ إجراءات الحماية.
ولأنّ التغيّرات المناخية والعوامل الطبيعية لا تعترف بالحدود السياسية، فقد فطنت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيقاد»، عن طريق «مركز التنبؤات المناخية وتطبيقاتها» التابع لها، إلى ضرورة سدّ فجوة الإنذار المبكّر بتطوير المعرفة المشتركة والمعلومات الآنية على نهج إقليمي موحّد لدول المنطقة، التي تتشارك كثيراً من العوامل والظروف المناخية، من أحواض مائية مشتركة (حوض نهر النيل) وموجات جفاف ونزوح مناخي وتذبذب في معدلات هطول الأمطار وانتشار للوبائيات.
درجات حرارة المسطحات المائية خلال شهر سبتمبر. يُشير اللون الأحمر إلى درجات حرارة عالية، وتظهر المياه بمحاذاة ساحل القرن الأفريقي وشرق أفريقيا باللون الأحمر في دلالة على ارتفاع درجة حرارة المياه، ما يعني زيادة نسب التبخّر وتكوين الرياح الرطبة التي تتجه إلى المرتفعات الإثيوبية مشكّلة للأمطار (المورد الرئيس لمياه النيل).
المصدر: الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي
شهدت خواتيم شهر سبتمبر هطولاً غزيراً للأمطار على الهضبة الإثيوبية، ما زاد من تدفّقات نهر النيل، لا سيّما بعد إعلان أديس أبابا عن افتتاح سدّ النهضة بدايات سبتمبر الجاري، ما يعني امتلاء بحيرة السدّ، وأنّ استمرار هطول الأمطار بعد ذلك سيؤدّي لتمرير جميع المياه إلى مجرى نهر النيل. توقَّع الخبراء هذا السيناريو قبل بداية موسم الأمطار، إلا أنّ محدودية تقنيات الرصد واقتصارها على عوامل الطقس، لم تمكّن المؤسسات المحلية من إطلاق تحذيرات مبكّرة، إلا بعد أن وصلت مناسيب النيل مستوى الفيضان يوم 24 سبتمبر الجاري، حينها فقط نشرت وزارة الري السودانية تحذيراتها. إنّ التأخّر في لفت انتباه المواطنين على ضفاف النيل الأزرق من مناطق الروصيرص مروراً بالجزيرة وشرق النيل والخرطوم ونهر النيل والشمالية، يضع الملايين من أهل السودان أمام خطر حقيقيّ يهدّد أرواحهم وممتلكاتهم وماشيتهم ومحاصيلهم الزراعية، ما ينعكس مباشرةً على أسعار الغذاء، فضلاً عما قد تسبّبه الفيضانات من موجة أخرى لتفشّي الأمراض والأوبئة.
صورتان بالقمر الصناعي Sentinel-2 L2A لبحيرة خزّان الروصيرص، أولاهما في 26 أغسطس الماضي، والثانية في 15 سبتمبر، ويَظْهَر التباين في حجم بحيرة السدّ وذلك قبل أيام 9 أيام من إصدار وزارة الريّ بيانها التحذيري بزيادة تدفّق نهر النيل الأزرق.
وبعامّة، لا يُتوقَّع أن يُولِي السودانيون اهتماماً بأخبار التغيّرات المناخية وارتفاع حرارة المحيطات وذوبان جليد القطبين وغيرها، مما لا يبدو في نظرهم مرتبطاً مباشرة بحياتهم اليومية، إلا إذا سُلِّطَ الضوء على ما يمسّهم مباشرةً من خلال تراجع غلّة المحاصيل وفشل المواسم الزراعية جراء الفيضانات، وما يُؤدِّي إليه من ارتفاع في أسعار الغذاء، فضلاً عن تفشّي الأمراض والأوبئة ونفوق الماشية وانهيار المنازل. ولذلك لن ينجح أي برنامج توعية بيئيّة، ما لم يتغيّر أسلوب الخطاب ليصبح أقرب إلى هموم الناس الملموسة، مع تواصل مباشر وتشاركي يربط بين البيانات العلمية وحياة المجتمع، ويُعزّز دَور الإنذار المبكر بوصفه أداةً لحماية الأرواح والموارد.



