أتر

دارفور: حيث تحوّلت القبيلة إلى خزّان للتجنيد

على عتبة بيتها الطيني في قرية قهوة لبن بجنوب دارفور، جنوب مدينة نيالا، جلست خديجة عبد الرحيم (41 عاماً) تحتضن ابنها حمّودي الذي لم يتجاوز السابعة عشرة. عادت الابتسامة إلى وجهها بعد أشهر من القلق، منذ اختفى الفتى حين اقتيد مع أبناء قبيلته للقتال في صفوف قوات الدعم السريع. «أخذوا طفلي من حضني»، تقول خديجة بصوت يختنق بالبكاء، ومن ثم تضيف: «أمر العمدة الرجال بتسليم الأبناء، وقال إن بقاءهم في الأرض مرهون بمشاركتهم في الحرب. حاولت منع زوجي، لكنه خضع للضغط القبَلي».

ليست قصّة حمودي استثناءً. آلاف الأطفال واليافعين والشباب في دارفور وجدوا أنفسهم وقوداً لحرب لم يختاروها، وجرى تجنيدهم عبر الإدارات الأهلية وزعماء القبائل، تحت وعود بالحماية والمناصب، أو تحت تهديد مباشر بالسلاح. هكذا تحوّل كيان اجتماعي يفترض أن يحمي المجتمعات إلى أداة لتمزيق الأسر ودفع أبنائها إلى ساحات القتال.

التجنيد القبَلي

منذ اندلاع النزاع في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، اتجه الطرفان إلى استمالة القبائل لتعظيم قواتهما. في أكتوبر 2024، اتهم قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الجيشَ باستهداف حواضن قواته الاجتماعية، وفي ديسمبر من العام نفسه أعلن قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، دعمه لتسليح قبائل بولاية الجزيرة.

وفي دارفور، أسهمت التحالفات القبَلية في تمكين قوات الدعم السريع من السيطرة على معظم ولايات الإقليم، بعدما انحاز إليها قادة من القبائل في يوليو 2023. إذ قال زعماء قبائل البني هلبة والترجم والهبانية والفلّاتة والمِسيرية والتعايشة، إنّ الحرب الدائرة هي «معركة بين الحق والباطل، وضد فلول النظام البائد، الذين يستغلون القوات المسلحة للعودة إلى السلطة». وفي البيان ذاته دعت قيادات القبائل المذكورة أبناءها في الجيش للانضمام إلى الدعم السريع، ما أضعف قوات الجيش البشرية، خاصة أنّ عدداً مقدّراً من جنوده وضباطه في الإقليم ينتمون إلى هذه القبائل.

وفي السياق ذاته، صدرت تصريحات تبُرّر انخراط بعض القبائل في صفوف الدعم السريع. ففي يونيو 2024، قال ناظر قبيلة الرزيقات، محمود موسى مادبو، إنّ «الحرب تستهدف القضاء على مكوّنات اجتماعية بعينها، ومن بينها قبيلة الرزيقات»، مشيراً إلى أنّ استهداف القرى والأسواق بالطيران «يبرّر وقوف أبناء القبيلة في صفوف الدعم السريع». وأشاد مادبو بمقاتلي الدعم السريع الذين – على حدّ تعبيره – «يخوضون الحرب نيابة عن المهمشين في السودان». عزّز ذلك تعرُّض عددٍ من أفراد تلك المجموعات القبَلية، التي أعلنت انحيازها لقوات الدعم السريع، لسياسات تمييزية مورست ضدّهم في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، سواءٌ أكانت عبر التعقيدات الأمنية أم في المعاملات المدنية اليومية، ما عزّز شعورهم بأنهم في معركة وجودية وأنّ بقاءهم مع الدعم السريع أضمن لحمايتهم.

في المقابل، انحازت بعض القبائل مثل الزغاوة إلى الجيش، مستندةً إلى تاريخ من العداء مع القبائل العربية. كما انخرطت حركات مُسلّحة مرتبطة بها – كحركة تحرير السودان (مني أركو مناوي)، وحركة العدل والمساواة (جبريل إبراهيم) – في القتال إلى جانب الجيش، ما أعاق تمدّد الدعم السريع نحو الفاشر عاصمة شمال دارفور، التي باتت الحاضرة الوحيدة خارج نطاق سيطرتها في الإقليم.

منذ بواكيرها الأولى بعد الاستقلال، وقَعت الدولة السودانية، بحكوماتها المتعاقبة، مدنية وعسكرية، في فخّ تسليح القبائل وصناعة المليشيات. وخلال فترة التمرّد في مديرية أعالي النيل في عام 1963م سلّح نظام إبراهيم عبود العسكري (1958ـ 1964) قبيلة النوير في الناصر، وقبيلة المورلي في البيبور، وقبيلة الشلك في كودوك، بحجّة حماية أفرادها وأموالهم من التمرّد. وواصل نظام مايو العسكري بقيادة جعفر النميري (1969ـ1985) في منح البنادق للقبائل المُتاخمة لمديريات الجنوب بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا بينه وقوات أنانيا في عام 1972، تحوّطاً لحدوث أي اقتتال من شأنه أن يعصف بالاتفاقية.

وسلّحت الحكومة الديمقراطية (1986 ـ 1989) القبائل في كردفان لحماية نفسها ومواشيها أثناء حرب جنوب السودان. وتعليلاً لذلك قال وزير دفاع الحكومة وقتها برمة ناصر، الذي اتخذ هذا القرار: «خشينا من التسليح العشوائي الذي يمكن أن تفرضه الحرب على القبائل لحماية أنفسهم وفضّلنا أن يكون بإشراف الجيش عبر السلاطين والعُمَد في جنوب كردفان من النوبة والعرب».

ومع حكومة الإنقاذ، جرى إخضاع القبائل لهرم تنظيمي يخدم الأجندة الحزبية، لتصبح ذراعاً للتعبئة في الانتخابات والحروب، بما في ذلك حرب الجنوب، ثمّ المشاركة في حرب اليمن عبر ما عُرف بـ«الكوتة القبَلية»، واستُقطب من خلالها زعماء القبائل عبر الإغراءات السلطوية والرشاوى المالية لتقديم مزيد من الجنود.

ورثت قوات الدعم السريع هذا الإرث وأضافت إليه؛ إذ اعتمد حميدتي على العصبية القبَلية منذ ما قبل الحرب، فاستقطب الزعامات عبر الترغيب حيناً والتهديد حيناً آخر. ولم يكن الجيش بعيداً عن هذا النهج، فقد لجأ بدَوره إلى الأدوات ذاتها، معتمداً على زعماء القبائل لتوفير المقاتلين، ما جعل القبيلة خزّاناً بشرياً مشتركاً للطرفين على حساب دَورها الاجتماعي التقليدي.

شهادات من الداخل

تتشابه شهادة خديجة مع ما رواه الطيب الأحمدي (اسم مستعار)، وهو مجنّد سابق أكّد أنّ العمدة جمَع عشرات من شباب قريته في دارفور وأبلغهم بأن «الخروج إلى القتال واجب قبَلي لا يُمكن التملّص منه». ويقول الأحمدي إنه وُعِد برتبة ضابط، لكنه فوجئ بعد التدريب بمنحه رتبة جندي، ليعمل تحت قيادة صعدت بالولاء القبَلي لا بالكفاءة.

تتشابه شهادة خديجة مع ما رواه الطيب الأحمدي (اسم مستعار)، وهو مجنّد سابق أكّد أنّ العمدة جمَع عشرات من شباب قريته في دارفور وأبلغهم بأن «الخروج إلى القتال واجب قبَلي لا يُمكن التملّص منه». ويقول الأحمدي إنه وُعِد برتبة ضابط، لكنه فوجئ بعد التدريب بمنحه رتبة جندي، ليعمل تحت قيادة صعدت بالولاء القبَلي لا بالكفاءة. ويشير الأحمدي الى أنّ الاستقطاب القبَلي يقوم على وعود زائفة، إذ يُستغل الشباب باسم القبيلة بينما تجني القيادات مكاسب مالية وسلطوية، مشيراً إلى أنّ قوات الدعم السريع طوّرت هذه الآليات لضمان الولاء وإعادة توزيع مراكز النفوذ.

شهادة أخرى لأحد عُمَد قبيلة الهوّارة بغرب دارفور (فضّل حجب اسمه) تؤكّد أنّ الدعم السريع استغلّ الإدارات الأهلية منذ ما قبل ثورة ديسمبر 2018 لتجنيد الشباب، خصوصاً للقتال في اليمن، حيث كان زعماء القبائل يرفعون قوائم بأسماء المجنّدين مقابل وعود بالمال والمناصب.

وفي أبريل الماضي، وجّه نائب قائد الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، تهديدات صريحة لزعماء قبائل في جنوب دارفور عام 2024، متوعّداً المعارضين بالاعتقال أو الطرد من مناطق سيطرته. وبعد أسابيع، اعتُقل عمدة البرنو لرفضه حملة الاستنفار.

وفي سبتمبر 2024، جرى نقل التعبئة القبَلية إلى المجال السياسي عبر تأسيس تحالف «القوى المدنية المتحدة» (قمم) في كمبالا، الذي مثّل تكتلاً قبَلياً داعماً للدعم السريع، هدف إلى ضمان مقاعد لأبناء تلك المجموعات في أي سلطة مستقبلية يسيطر عليها الدعم السريع.

سعى المراسل إلى الحصول على تعليق من قوّات الدعم السريع بشأن ما ورَد من شهادات واتهامات، غير أنّ جميع محاولات التواصل مع أكثر من مصدر داخلها لم تلقَ أي استجابة.

استراتيجية متكاملة

يؤكّد الباحث في شؤون النزاعات، والصحفي علي منصور حسب الله، أنّ استقطاب القبائل ظلّ نهجاً ثابتاً في تاريخ السودان، استخدمته الحكومات والحركات المعارضة على السواء لبناء النفوذ والسلطة. وقد تجلّى ذلك في تمكين مجموعات محدّدة وتوطينها بقوة السلاح داخل أراضي الغير، ما رسّخ دَور القبيلة بوصفها أداةً سياسية. ويرى أن قوات الدعم السريع طوّرت هذا الإرث، إذ اعتمد قائدها محمد حمدان دقلو على العصبية القبَلية قبل اندلاع الحرب بسنوات، كاسباً ولاءات عبر الترغيب أحياناً وبالتهديد والإخضاع أحياناً أخرى.

ويقول حسب الله، إنّ لجوء الدعم السريع إلى التجنيد القبَلي ليس خياراً ظرفياً، بل جزء من استراتيجية متكاملة، إذ تمثّل البنية القبَلية خزّاناً بشرياً سريع التعبئة. ومع توسّع الحرب بعد أبريل 2023، لم يعد التجنيد الطوعي كافياً، فاستُدعي الولاء القبَلي ليوفّر آلاف المقاتلين بسرعة ودون كلفة مالية مباشرة. ويضيف: «لكنْ خلف ذلك يختبئ مشروع أوسع يسعى إلى تأسيس سلطة قائمة على العصبية القبَلية، تختزل الشرعية في السيطرة الميدانية والتحالفات العشائرية، وإنتاج نظام سياسي قائم على المحاصصة لا على المواطنة».

مع اتساع رقعة الحرب، ما عاد استقطاب القبائل محض أداة عابرة بيد قوات الدعم السريع أو الجيش، بل تحوّل إلى بنية راسخة تحكمها المصالح والتهديدات على حدّ سواء. شهادات الأهالي، وتقارير الباحثين، تكشف أن الإدارات الأهلية فقدت دَورها التقليدي في حماية النسيج الاجتماعي، لتصبح أداة تعبئة وصراع. وبينما يواصل طرفا النزاع سباقهما على الولاءات، يجد الشباب أنفسهم وقوداً لحرب لا يملكون قرار إشعالها ولا إطفائها.

Scroll to Top