أتر

الزمالة أم روابة: أصعب طريق في الكونفدرالية الأفريقية

بينما كانت أم روابة تنزف تحت وطأة الحرب وقيود سيطرة الدعم السريع لا تزال عليها، والحياة اليومية فيها مرهونة بخطر دائم، وُلد حلمٌ كرويٌّ عنيد حمَل راية الأمل في وجه المستحيل. وسط هذه العتمة، بزغ نادي الزمالة أم روابة، وبدأ رحلته التاريخية نحو الدوري الممتاز، ومن ثم الدوري التمهيدي لبطولة الكونفيدرالية الأفريقية، في ظروفٍ لم يشهد لها تاريخ الرياضة السودانية الحديث مثيلاً.

وقد عاشت مدينة أم روابة الواقعة على مسافة 147 كيلومتراً شرقيَّ حاضرة ولاية شمال كردفان، مدينة الأُبيّض، أشهراً من المأساة منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها في أغسطس 2023؛ لتستعيدها قوات الجيش السوداني في الثلاثين من يناير 2025م، بعد أن دُمّرت المدينة، وضاقت سبل العيش بإنسانها وانتُهكت كرامته.

برَزَ فريق الزمالة أم روابة الصاعد إلى دوري الدرجة الممتازة، ليكون أول فريق من محلية أم روابة يصل إلى تلك المرحلة، مُحتلاً المركز الرابع في الدوري الممتاز. ولأول مرة كذلك وجد أهل أم روابة أنفسهم مُمَثّلين باسم السودان في بطولة الكونفيدرالية عبر فريقهم الزمالة، وكأنها مواساة لما فَعَلَتْه بهم الحرب؛ لكن لم يكن طريق الفريق مفروشاً بالورود في ظل حرب لا تزال مستعرة، وأوضاع اقتصادية مميتة، وأمراض وأوبئة، وانعدام للخدمات.

واجه فريق الزمالة أم روابة نادي ديكيداها الصومالي، وخسر بهدف دون ردّ، في مباراة أقيمت بملعب كساراني بالعاصمة الكينية نيروبي، في 21 سبتمبر الماضي، ضمن الدوري التمهيدي للكونفيدرالية. ورغم فوزه في لقاء الإياب في 27 سبتمبر الماضي بالملعب ذاته بهدفين مقابل هدف واحد، ودَّعَ الكونفيدرالية ليتأهّل ديكيداها الصومالي بأفضلية الهدف الذي أحرزه في الدقيقة 89 من زمن المباراة.

لم يكتمل موسم الدوري الممتاز في السودان 2022-2023 نتيجة للحرب، وتوقّف عند الأسبوع الـ 27، وأعلن الاتحاد السوداني لكرة القدم أنّ الأندية التي تمثل البلاد في المنافسات الأفريقية لموسم 2023-2024، ستكون وفقاً للترتيب الأخير قبل التوقف، إذ حلّ الهلال والمريخ في دوري أبطال أفريقيا. وبعد توقّف دام 21 شهراً، استؤنف نشاط الدوري الممتاز في نسخته الـ 29، في العاشر من يناير 2025، بمشاركة 20 نادياً لعبت في مبارياتها في ثماني مدن، وبعد انتهائها دشّنت بطولة النخبة، وهي مرحلة ممتدة للدوري الممتاز استُحدثت في هذه النسخة، بمشاركة ناديي الهلال والمريخ بعد انتهاء مشاركتهما في الدوري الموريتاني الممتاز، و6 أندية أخرى هي صاحبة المراكز الأولى. وحلّ في الترتيب النهائي، نادي الهلال بطلاً يليه المريخ ثانياً ثم أهلي مدني ثالثاً، والزمالة أم روابة رابعاً، وهي الأندية التي تمثل في المنافسات الأفريقية.

رحلة الدوري الممتاز

أوقعت القُرعة فريق الزمالة في مجموعة الغرب بمدينة كوستي، مع أندية عريقة مثل المريخ كوستي، والهلال الفاشر، وحيدوب النهود، والمريخ نيالا، والرابطة كوستي، لكنّ العقبة الأكبر لم تكن في قوة الخصوم، إنما في قدرة الفريق على التجمّع؛ وقد ظلّ غالبية اللاعبين عالقين داخل مدينة أم روابة أثناء سيطرة الدعم السريع عليها، إذ كانت تمنع الدخول والخروج، كما أخبر رئيس بعثة الفريق إلى نيروبي، وكابتن فريق الزمالة السابق عمر يوسف «أتَـر».

في كوستي لم يتيسّر لاتحاد الكرة السوداني أن يوفّر لهم سكناً، فاستأجر الفريق بيتاً مكوّناً من أربع غرف وصالون.

لم يكن أمام الفريق سوى الاعتماد على لاعبين موجودين في الولايات الآمنة. يقول يوسف: «كان العدد قليلاً، والإمكانات شحيحة، لكن الإيمان بالله، والوفاء للشعار، وإرادة أبناء النادي، كانت رأس المال الحقيقي، وبفضلٍ من الله وتكاتف الجميع، اجتزنا هذه المرحلة الصعبة وحقّقنا المركز الثاني خلف مريخ الأبيض، وهو ما منحَنا بطاقة التأهل إلى دوري النخبة كأفضل الثواني».

في كوستي لم يتيسّر لاتحاد الكرة السوداني أن يوفّر لهم سكناً، فاستأجر الفريق بيتاً مكوّناً من أربع غرف وصالون، كما يخبر مدير الكرة بنادي الزمالة، كابتن محمد علي المعروف بلقب «أنغولا».

كانت مدينة كوستي محطة الفريق في دوري التحدي ممثلاً لغرب السودان، وعندما صعد إلى دوري النخبة، كانت الوجهة الدامر وعطبرة. يضيف أنغولا: «أيضاً كانت رحلة مرهقة، والإعداد لم يكن كافياً، لكن بعزيمة الرجال تأهّلنا لتمثيل السودان».

متحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول كابتن الهلال السابق ومساعد مدرب فريق الزمالة عمار مِرِق، إنهم عانوا كثيراً منذ دوري التحدي في كوستي، مروراً بالنخبة في عطبرة والدامر، ومن بعد ذلك المشاركة الأفريقية في الدوري التمهيدي لبطولة الكونفيدرالية: «واجهتنا صعوبات كثيرة، بخاصة في التمويل الذي لم يكن كافياً خلال فترة الإعداد، إضافة إلى إرهاق السفر من القضارف إلى بورتسودان، ومن هناك إلى أديس أبابا ثم إلى نيروبي، لكن بعد وصولنا إلى نيروبي دعمتنا وقفة الجالية السودانية. جئنا إلى هذه البطولة دون دوري محلي بسبب الحرب، والفريق الخصم قادم من دوري مستقر».

ولم تكن برمجة دوري النخبة تمنح الأندية فترة تسجيلات جديدة لدعم صفوفها، الأمر الذي أجبر الفريق على خوض هذه المرحلة بالتشكيلة ذاتها التي قاتلت في دوري المجموعات، ورغم ذلك واصل الفريق مسيرته بإصرارٍ نادر، ليخطف المركز الرابع خلف الهلال والمريخ وأهلي مدني، ما كفل له أول تمثيل أفريقي في تاريخ النادي، على الرغم من أوجاع الحرب.

ومع اقتراب موعد المشاركة القارّية، واجهت الفريق مهمّة معقّدة جديدة، وهي الحصول على الرخصة الأفريقية خلال فترة وجيزة. يقول كابتن عمر يوسف إنّ مجلس إدارة الفريق بذل أقصى جهده لاستيفاء جميع المطلوبات في زمن قياسي، وبموازاة ذلك شُكِّلت لجان لاستقطاب الدعم الأهلي والحكومي، لكن التحديات المالية كانت هائلة إلى حدٍّ لم يغَطِّ حتى تكاليف تجميع اللاعبين في مدينة القضارف، نقطة الانطلاق نحو المعترك القارّي.

مبيت على بلاط المطار وقارعة الطريق

بعد وصول أعضاء الفريق إلى بورتسودان كانت هناك ستّ ساعات أخرى من الانتظار في مطارها، وبعد الوصول إلى مطار أديس أبابا أديس، كانت الطائرة قد أقلعت، فقضى اللاعبون ليلتهم في المطار، ليصلوا إلى نيروبي قبل أقل من 48 ساعة من زمن المباراة.

تحرّك عدد من أعضاء الفريق من كوستي إلى القضارف ليعسكر من 4 حتى 16 سبتمبر، وعدد آخر من اللاعبين قدم إليها من أم روابة، استعداداً للجولة القارية للفريق هناك. عسكر الفريق في مدينة القضارف، قبل أن يمضي إلى بورتسودان في رحلة شاقة استمرت 20 ساعة، بسبب انفجار إطارات الباص الذي يقلّ البعثة، ولم يتبق لمباراة الإياب سوى خمسة أيام.

وبعد وصول أعضاء الفريق إلى بورتسودان كانت هناك ستّ ساعات أخرى من الانتظار في مطارها، وبعد الوصول إلى مطار أديس أبابا أديس، كانت الطائرة قد أقلعت، فقضى اللاعبون ليلتهم في المطار، ليصلوا إلى نيروبي قبل أقل من 48 ساعة من زمن المباراة.

متحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول حارس مرمى الفريق عوض جعفر، القادم حديثاً إلى الزمالة من فريق «أُم مَغد الكاملين»: «وصلنا إلى أديس أبابا متأخّرين، ووجدنا الغرامة في انتظارنا بعد تفويتنا الطائرة، وقد دفعها رئيس النادي، ومن أديس أبابا وصلنا إلى نيروبي قبل أقلّ من يومين من مباراة الذهاب، وقد وصل الفريق الصومالي قبل خمسة أيام».

«لكنّ روح الفريق لم تنكسر»؛ يقول نجم الهلال السابق، ونجم المنتخب القومي، وكابتن فريق الزمالة حسين أفول، في حديثه لـ«أتَـر»، ومن ثم يضيف: «أعاد اللاعبون ترتيب صفوفهم سريعاً، واستحضروا صورة الوطن في حدقات العيون، ليُحقّقوا في اللقاء الثاني انتصاراً مشرّفاً، لم يمنحنا بطاقة التأهّل، لكنه منح السودان تجربة مشرقة ورسالة أمل وسط ركام المعاناة».

«رغم المآسي والمرارة والظروف الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد استطاع الفريق أن يمثل في الكونفيدرالية. أتينا عبر معاناة ومشاقّ وصعوبات إلى البطولات الأفريقية، لكن يُحسَب لمجلس الإدارة ورئيس النادي أنه رغم الظروف المتردية والمشكلات التي تمر بها البلاد استطعنا تهيئة الفريق للتمثيل»، يقول مساعد المدرب، ونجم الهلال السابق كابتن عمار مِرِق، مشيراً إلى أن السودانيين عامة داخل السودان وخارجه قد وقفوا مع الفريق، مُخصّصاً تحية للجالية السودانية بكينيا والمقيمين في نيروبي على الوقفة والمساندة.

من المدرّعات إلى الكونفيدرالية

حاصرت الحرب كابتن فريق الزمالة حسين أفول وهو مُرْتدٍ زيّه العسكري برتبة رقيب أول في الجيش السوداني في سلاح المدرعات بالخرطوم، وبعد أشهر خرج من المدرعات ليسجّل في فريق الزمالة بعد صعوده إلى الدوري الممتاز. 

ما بين ميدان المعركة الحربية وميدان كرة القدم، كانت قصة نجم الهلال السابق، ونجم المنتخب القومي، وكابتن فريق الزمالة حسين أفول. لقد حاصرته الحرب وهو مُرْتدٍ زيّه العسكري برتبة رقيب أول في الجيش السوداني في سلاح المدرعات بالخرطوم، وبعد أشهر خرج من المدرعات ليسجّل في فريق الزمالة بعد صعوده إلى الدوري الممتاز، ليضع برفقة زملائه اسم أم روابة في خارطة الكرة الأفريقية. 

«منذ صعود الفريق للممتاز كانت لدينا العزيمة والإصرار، وسجّل الفريق عدداً من النجوم، وكنا الحصان الأسود في الدوري الممتاز، كنّا في مجموعة الغرب، وأحرزنا المركز الثاني بفارق نقطة من المتصدر، وبنفس الروح والعزيمة جئنا إلى دوري النخبة وأحرزنا المركز الرابع، والحمد لله مثلنا السودان خير تمثيل»، يقول الكابتن حسين أفول لـ«أتَـر»، ويضيف: «هذا المجهود لم يأتِ من فراغ، بل كان بوقفة مجلس الإدارة والجهاز الفني وإخوتي اللاعبين، حتى وصلنا الكونفيدرالية، رغم أنها رحلة شاقة لأننا وصلنا قبل المباراة بيومين، وخسرنا المباراة بنتيجة واحد/ صفر. وأعددنا العدّة فكسبنا الإياب بنتيجة 2/1، لكن خرجنا بحُكْم قانون البطولة، رغم ذلك فالإخوة في كينيا والسفارة والجالية وجميع المواطنين السودانيين في كينيا وقفوا معنا مادياً ومعنوياً، فكانت تجربة مهمة ومفيدة للفريق في التجارب الأفريقية». 

كرة القدم تُوحّد السودانيين

على مشقّتها، كلفت رحلة فريق الزمالة من السودان إلى نيروبي حوالي 400 مليون جنيه. يقول أفول إنّ «كانت التجربة شاقّة، وتكاليف الإعداد كبيراة مادياً وفنياً، ورغم تكفّل رئيس النادي بكلّ شيء، كان المبلغ كبيراً، وأهل السودان وقفوا معنا».

عندما جئنا إلى كينيا واشتمّ فينا السودانيون رائحة الوطن وجدنا منهم الاحتضان الحار، دموعهم كانت حارّة، ولو كان الأمر بيدنا لأفرحناهم بجميع البطولات.

ويضيف كابتن عوض جعفر: «عندما جئنا إلى كينيا واشتمّ فينا السودانيون رائحة الوطن وجدنا منهم الاحتضان الحار، دموعهم كانت حارّة، ولو كان الأمر بيدنا لأفرحناهم بجميع البطولات، لكن في القريب العاجل إن شاء الله سيُفرح السودان شعبه بعدد من البطولات ويخرج من الحروبات الأحزان والمآسي التي يمرّ بها، لأن الرياضة هي المنفذ الوحيد والمتنفّس للسودانيين في أن يفرحوا ويَخرجوا قليلاً من أخبار الحرب، ورأينا ذلك الفرح في التفاف السودانيين مع أي فريق يمثل السودان في كرة القدم، ولذلك أوجّه رسالة لجميع اللاعبين في الفرق السودانية: أنتم تنافسون باسم السودان، لتخرجوا الشعب من الضغوط التي يمر بها».  

ويواصل: «في نيروبي لاحظنا أنّ الجمهور كان موحّداً خلف الفريق، بمختلف توجّهاتهم، وبمختلف الأعمار، يهتفون في المدرجات باسم السودان، وهو ما جعلنا ننتفض في الشوط الثاني ونتقدم بهدفين من مباراة الإياب، ولولا سوء الطالع لما خرجنا، لكن الرياضة توحّد السودانيين».

Scroll to Top