أتر

نـوتـة من عِـلْـم الكُونِكا (24)

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية الفنانة مروة الدولية

مات المرحوم كارل ماركس في العام 1883 في عمر الرابعة والستين بالتهاب الشعب الهوائية في دار إيجار في كنتش تاون شمال غربي لندن، وكانت هذه حتى أول القرن التاسع عشر حِلِيلَة خارج مدار لندن العاصمة، لكنْ لحقها العمران بقيام السكة الحديد وتوسّعت بالبناء والصناعة في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر. وكانت في ذلك العهد «حياً متوحّشاً» من طين في أرضٍ غابٍ من غير طرق مرصوفة أو إضاءة. انتقل آل ماركس إلى كنتش تاون في سبتمبر 1856، وكان أول سكنهم بها في 9 صف غرافتون في دار إيجار «درجة ثالثة» من الطوب الأحمر، في وسط منطقة تشييد نشط. لقد كانت مهربَ سكّان لندن المعسرين من إيجارات وسط المدينة؛ لكنّ سعادة آل ماركس بهذا التحوّل في حظوظهم كانت عظيمة، بخاصة السيدة جني ماركس أمّ البنات. قالت عن الدار الجديدة لزميلة نضالها القديمة لويزة ڤيدماير: «دار أميرية بالمقارنة مع الحفر التي كنا نسكنها» (خطاب من جني ماركس إلى لويزة ڤيدماير بتاريخ 11 مارس 1861، ضمن كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأعمال الكاملة»، م 41، لورنس ووشرت للنشر، لندن، 1985، ص 570).

فرّقت الأيام بين جني ولويزة فرقة طويلة بعيدة في ديار غربة: جني في إنجلترا ولويزة في أمريكا. لويزة هذه زوجة جوزيف آرنولد ڤيدماير، من دَور ماركس (1818-1866)، انضمّ في شبابه إلى فرع «الرابطة الشيوعية» في فرانكفورت الألمانية. والرابطة هذه، تنظيم قام في 1847 في لندن باندماج كلّ من «رابطة الحقّانية» من الحرفيين الألمان المهاجرين و«لجنة الاتصال الشيوعية» التي أنشأها المرحومان ماركس وإنجلز في بروكسل البلجيكية عام 1846. ولهذه «الرابطة الشيوعية» كتب المرحومان كارل ماركس وفردريك إنجلز، وفي حقيقة الأمر كذلك المرحومة جني ماركس، «المانفستو الشيوعي» (1847) من الأثر الباقي إلى يوم الناس هذا. شارك ڤيدماير ضمن الصفّ الأول في ثورة 1848، وشارك في تحرير جريدة «الراين الجديدة»، صوت الديمقراطية التي كان رئيس تحريرها كارل ماركس. لم يكن ڤيدماير في فَتَاكَة المرحوم كارل ماركس الأكاديمية والفكرية، كان ضابطاً تخرَّج في الأكاديمية العسكرية في برلين، واندرج في الجيش البروسي ملازماً في المدفعية، لكنْ زاره الطيف الشيوعي بوحي جريدة «الراين» في العام الذي كان فيه رئيس تحريرها المرحوم كارل ماركس (أكتوبر 1842 – مارس 1943) حتى قَمَعَتْها الرقابة الحكومية. طار من صفحات «الراين» تحت رئاسة تحرير المرحوم كارل ماكس شرارٌ نشَبَ في حامية ميندن العسكرية، وألهمت ڤيدماير وزملاءه الضباط راديكاليةً كانت إحدى ثمارها ثورة 1848.

اكتشف كارل ماركس، رئيس تحرير الراين الشابّ، وكان وقتها في الرابعة والعشرين من عمره، «المساكين» كأبطال خاسرين في التاريخ، وربما جاز القول إنّ «الماركسية»، مُعرّفة بالألف واللام، قامت من شغل هذا الصحفي بناءً نظرياً في علم «العمران» بعبارة العلّامة ابن خلدون، العمران الرأسمالي. نشر كارل ماركس، رئيس التحرير، مقالات مسلسلة في ملحقات أعداد جريدة «الراين» في أكتوبر ونوفمبر 1842 من وحي مداولات برلمان إقليم الراين في الفترة من 23 مايو إلى 25 يوليو 1841 حول القانون الخاص بسرقة حطب الغابات، رصَد فيها بعضاً من العلاقات التي كانت شاغلَه حتى قضى في كنتش تاون على كرسيه ذاك برئةٍ عطبة؛ العلاقات التي تصل ما بين الإنتاج والملكية والدولة. يناضل ماركس الصحفي بالكلمة والمفهوم، ويُظهر تمرينُه الأكاديمي بركةً في انتقاله المتكرّر من الملموس إلى المفهوم وبالعكس، فالقضية التي يطرحها قانون سرقة الحطب عند الإزيرق أخضر العود هي «أمّ القضايا حقاً في حجمها الحياتي، قضية تقسيم الأرض الملك» (ملحق جريدة الراين، نمرة 298 بتاريخ 25 أكتوبر 1842 في كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأعمال الكاملة»، م 1، لورنس ووشرت للنشر، لندن، 2010، ص 224).

يشكو ماركس الصحفي أوّل ما يشكو من حجب المعلومات، قال: لم ينشر البرلمان نصّ مشروع قانونه للملأ، لكن اجتمعت منه للصحافة الحرة مزع ونتف ومقترحات تعديلات. أما مداولات البرلمان فلا سجلّ قويماً لها، مكتوبة بصياغة ركيكة، حتى أنّ القارئة تشكّ أن هدف كاتب البرلمان وحافظ سجلاته هو التدليس. وماركس رئيس التحرير هجَّام، قال: ماذا يريد البرلمان من هذه اللف والدوران: «أسُكوت البرلمان المذعن هو علامة احترامه لإقليمنا؟». اختار المرحوم ماركس من تصريحات البرلمانيين ما حَوَّلَ مقاله إلى مسرح معنوي لدراما الصراع الاجتماعي، ويَظهر في شغله الباكر سعيُه لتوطين المتحدّثين في مواقعهم الاجتماعية لا في سجعهم الخاص، فلا يترك لمُغنٍّ أن يغني في لحنه بغير اختبار، أمِن راسِه أم من كرّاسِه الاجتماعي.

اعترض نائب حضري، بحسب تقرير المرحوم ماركس، في أول المداولات البرلمانية على كلمة «سرقة» في اسم القانون، وتساءل: لِمَ يمدّ القانون مفهوم السرقة ليشمل خروقات بسيطة للوائح الغابات؟ فردّ عليه نائب عن كبار ملاك الأراضي النبلاء: «شاع اختلاس الحطب بالضبط لهذا السبب، لأنه لا يُعدّ سرقة». أما ماركس الصحفي، فأضاف لكشف الارتباك المنطقي الذي وقع فيه النائب عن المُلاك: «على هذا القياس، كان على المُشرّع أن يخلص إلى النتيجة، أن اللّكم على الأذنين شاع بعلّة أنه لا يُعدّ قتلاً عمداً، ويجب إذن اعتبار اللّكم على الأذنين قتلاً عمداً». شرح كارل ماركس الصحفي لقارئته أنّ كبار مُلاك الأرض، من صارت بيدهم غابات العزيز القدير ملكية فردية، يدفعون برلمان الراين عبر وسيلة التشريع لإعلان جمع الحطب من الغابة، «اختلاسَ» الحطب، جريمةً من جنس «السرقة» يُعاقب عليها القانون. أخذ المشرّعون في برلمان الراين برقاب بعضهم البعض حول كلمة «سرقة» التي وردت في اسم القانون، كأنها قضية تعبيرٍ أو صياغة، حلُّها بيد معلم لغة ألمانية شاطر. لكن عَدَّ ماركس هذا اللف والدوران استهبالاً حول أم القضايا، فلمن الحطب المتساقط على الأرض في بطن الغابة؟ أهو ملكية فردية؟ وهل من يجمع مثل هذا الحطب «حرامي» كمن يسرق الشجر، الخشب الحي الذي ينمو، «حرامي»؟

نقل ماركس الصحفي من لغو النوّاب قول أحدهم: «حقيقة الأمر أنه جرى في غابات هذا الإقليم شلخ الأشجار اليافعة شلخات عميقات، ولما ماتت عُوملت كحطب هامل». وثارت ثائرة أن تتقدّم الأشجار على البشر في سلم أولويات السلامة، قال: «قطعت إجازةُ هذا القانون العديدَ من الناس، من غير ذوي الميل الإجرامي، عن شجرة الأخلاق الخضراء، وطرحتهم حطباً هاملاً في جحيم الإجرام والعار والبؤس». ينشرح صدر قارئة العربية لمثل هذه الصور البلاغية من المرحوم ماركس «الأندلسي». يتقدّم كارل ماركس في حجّته فيعرض على القارئة فلسفةً للتمييز بين جمع سواقط الحطب في بطن غاب وسرقة الخشب، وقال: ساط النوّاب الحقيقة بزعمهم أنّ الجامع بين الاثنين هو الاستيلاء على خشب من شخص آخر، فهل الأمر كذلك؟ ودخل النوّاب بِلَغْوهم ميداناً واسعاً لصاحب دكتوراة في الفلسفة مثل المرحوم كارل، الهُوية والغيرية!

«لا سبيل للاستيلاء على الخشب الحيّ في شجرته سوى بفَصْله بالقوة عن أصله العضوي. وبما أن ذلك اعتداء ظاهر على الشجرة، فهو كذلك اعتداء ظاهر على صاحب الشجرة. أما إذا سُرق الخشب المقطوع من شخص ثالث، فهذا الخشب المقطوع هو مادةٌ أنتَجَها مَن قَطَعه، الخشب المقطوع هو خشب داخله العمل. وبذلك حَلّت علاقة مصطنعة محلّ علاقة الملكية الطبيعية. عليه، يكون كلّ من استولى على خشب مقطوع استولى بالفعل على ملكية غيره. أما الخشب الساقط في بطن الغاب، فهذا لم ينفصل عن ملكية، ولم يُفصَل عن هذه الملكية بقوّة، بل انفصل بشرط طبيعي عن هذه الملكية، وصار بذلك طريحاً عنها. يُعلن سارق الخشب حكماً له على ملكية غيره، أما جامع الحطب الساقط في بطن غاب فيُنفّذ حكماً سبق وأعلنته طبيعة هذه الملكية نفسه، فالمالك يملك الشجرة لا غير، لكن لا تملك الشجرة الفروع التي سقطت عنها». (المصدر السابق، ص 227).

خلاصة ماركس من شغله الصحفي هذا: جمْعُ الحطب المُتساقط في غابٍ شيءٌ، وسرقة الخشب شيءٌ آخر. لم يسبق المرحوم ماركس باكتشاف ما يدخل على الملكية بالعمل، فقد جاء بها على سبيل المثال بنحوٍ غير مباشر العلّامة ابن خلدون، لكنه اكتشف لهذه العلاقة إقليماً عسير التضاريس هو الذي شغله بقية عمره، كيف تنفصل الملكية عمن يقوم بالعمل؟ شَلِب ولا ما شَلِب؟ اكتشف المرحوم كارل ماركس في هذا الشغل الصحفي الباكر انقلابَ الحقائق بقوّة الشوكة، وهي قضية رافقته كذلك ما عاش، فكتب من باب التجريد لما شَهِد من «دَلْقَنَة» نوّاب برلمان الراين بين يدي كبار المُلاك: «لا يُستثنى القانون من الواجب العام لقول الحقّ. بل يصبح الواجب مضاعفاً، لأنّ ما يُرجى من القانون أن يكون المُعبِّر الأصيل والعام عن الطبيعة القانونية للأشياء. عليه، ليست هي الطبيعة القانونية للأشياء التي تخضع للقانون، وإنما يخضع القانون للطبيعة القانونية للأشياء». وطفّشت مثل هذه الفلسفة أكثرَ من قارئةٍ للمرحوم ماركس، حردَت كأسَه السطّال كما حرده بولياني.

يُتبع…

Scroll to Top