أتر

عين على الفاشر: ماذا بعد الإسقاط الجوي؟

لا تزال مدينة الفاشر حاضرة شمال دارفور، تعاني من انعدام تامّ لجميع السلع الاستهلاكية داخلها، بعد توقّف مُهرّبي السلع عن القدوم إلى المدينة، بسبب إعدام عدد منهم رمياً بالرصاص، والقبض على البعض الآخر وإذلاله – وَثّقت ذلك مقاطع ڤيديو على وسائط التواصل الاجتماعي – ما أدّى إلى تفشّي الجوع بين المواطنين وهم يواجهون القصف المدفعي اليومي وتحليق المُسيَّرات التي باتت تستهدف الخنادق، الملاذ الأخير للعالقين بالمدينة. وبحسب شاهد عيان، تحدّث إلى مراسلة «أتَـر»، فإنّ الذين استطاعوا الوصول إلى المدينة من المهرّبين في الآونة الأخيرة كانوا 5 أشخاص فقط، يحملون قليلاً من أكياس المكرونة.

تردّت الأوضاع الإنسانية خلال الأسبوعين الأخيرين، وزادت وتيرة نزوح المدنيين تحت مخاطر القصف في العراء، وتوقفت أغلب التكايا عن الخدمة لشحّ التمويل وانعدام السلع الاستهلاكية بالمدينة، إذ وصل سعر كورة الأمباز – علف الحيوانات – إلى 60 ألف جنيه نقداً، وضِعْفها عبر تطبيق (بنكك)، ونفد مخزونه من النوع الجيد، وما بقي منه نوع رديء بسبب سوء التخزين.

ونجحت قوات الجيش السوداني في عمليتي إسقاط جوّي في 29 سبتمبر الماضي و7 أكتوبر الجاري، شملت إمدادات متنوّعة وذخائر ومواد غذائية وأدوية منقذة للحياة.

وضع كارثي

متحدّثاً لمراسلة «أتَـر»، يقول عبد العزيز المبارك، وهو أحد مواطني الفاشر ولا يزال مقيماً بها، إنّ الحياة في المدينة أصبحت «أشبه بكابوس يعيشه إنسان الفاشر يومياً»، إذ يزداد الوضع سوءاً مع استمرار الحرب والحصار المفروض على المدينة منذ أشهر. ويضيف أنّ المواطنين يعانون في تأمين احتياجاتهم الأساسية، بعد أن أصبحت الحركة داخل المدينة صعبة للغاية بسبب القصف العشوائي من قِبل قوات الدعم السريع على الأسواق والأحياء السكنية وحتى المستشفيات.

تنوّعت طرق صناعة «الأمباز» الذي بات الوجبة الأساسية لأهل الفاشر خلال الحصار، فيطحنه بعضهم ويطهونه بدلاً عن الدخن، ويخلطه آخرون بالماء ويشربونه لسدّ الرمق، بينما يضيف إليه البعض مسحوق العصير الرخيص المعروف بـ«دَمِّرْني» بديلاً للسكّر.

ومع فقدان معظم السكان مصادر دخلهم، خاصة الموظفين الذين لم يتسلّموا رواتبهم لأشهر، توقّف النشاط التجاري وأُغلقت الأسواق، بينما عجز المزارعون عن العمل نتيجة انعدام السلع وارتفاع الأسعار. أما السلع المُهرّبة فلا يستطيع شراءها سوى قلة لأنّ أسعارها فوق قدرة الناس. وأوضح المبارك أنّ الفرق بين الأسعار بالكاش والتحويل البنكي صار كبيراً، إذ يتضاعف السعر عند الشراء عبر التحويلات، ما زاد من معاناة المواطنين الذين يواجهون انعدام السيولة النقدية أيضاً.

والحال كذلك، فقد اضطرّت معظم الأسر لمغادرة المدينة بحثاً عن الأمان وسبل العيش، بينما بقيت قلة من الأسر والرجال والشباب يكابدون للبقاء وسط القصف والجوع. وتنوّعت طرق صناعة «الأمباز» الذي بات الوجبة الأساسية لأهل الفاشر خلال الحصار، فيطحنه بعضهم ويطهونه بدلاً عن الدخن، ويخلطه آخرون بالماء ويشربونه لسدّ الرمق، بينما يضيف إليه البعض مسحوق العصير الرخيص المعروف بـ«دَمِّرْني» بديلاً للسكّر.

ويقول المبارك إنّ سعر كيلو الأرز بلغ 180 ألف جنيه نقداً، و360 ألفاً بالتحويل البنكي، ما أعجز الغالبية عن شرائه، مُضيفاً أّن صعوبة الحصول على الحطب دفعت بعض المواطنين إلى قَطْع الأشجار للطهي أو بيع حطبها للحصول على المال. وأشار المبارك إلى انتشار ظاهرة التسوّل داخل المدينة على نحو لافت، خاصة وسط الأطفال، بعد توقّف معظم التكايا التي كانت تقدّم وجبات مجانية.

«الوضع في الفاشر أصبح كارثياً، والعالم كّله يعلم بذلك، لكن لا أحد يتحرّك لإنقاذ السكّان المحاصرين»، يقول المبارك.

جباريك الأمل

بحلول فصل الخريف شرع المواطنون في زراعة الجباريك وساحات المنازل والأحياء الآمنة. وقبل نحو شهر ظهر الإنتاج الذي مثّل خيط أمل رفيع بين الجوع وسدّ الرمق، فشكّلت الملوخية حضوراً في موائد التكايا مع عصيدة الذرة المخلوطة بالأمباز. لكن رغم ذلك لا يزال إنتاجها غير كافٍ للعالقين بالمدينة.

بحلول فصل الخريف شرع المواطنون في زراعة الجباريك وساحات المنازل والأحياء الآمنة. وقبل نحو شهر ظهر الإنتاج الذي مثّل خيط أمل رفيع بين الجوع وسدّ الرمق، فشكّلت الملوخية حضوراً في موائد التكايا مع عصيدة الذرة المخلوطة بالأمباز، عطفاً على ظهور التبش والعجّور والبطيخ البلدي، لكن رغم ذلك لا يزال إنتاجها غير كافٍ للعالقين بالمدينة، فأغلب من يزرعون هذه الخضر يتناولونها وما يفيض منها يُوزّع للجيران. وقال أحد التجّار بالفاشر لمراسلة «أتَـر» إنه لم يرَ سوى الملوخية بسوق أبو قرون قبل توقّفه، وأضاف أنه أصيب بالملاريا وظلّ يبحث لأيام عن ليمون لصنع العصير ولم يجده. وأخبر أنّ التمَليكة رغم أنها كانت تنبت بكثرة في جامعة الفاشر، لكن لكثرة المحتمين بأسوار الجامعة لم تتوفر لبقية السكّان، كما أن معظم الجباريك الأخرى في حي نيفاشا وأحياء طرفية أخرى سقطت في يد الدعم السريع.

نزوح إلى الداخل

ومع الحصار المضروب على الفاشر، بدأت موجات نزوح داخلية مع كلّ تقدم جديد لقوات الدعم السريع بمحاور القتال المختلفة داخل المدينة، حتى أصبحت الأحياء التي تقع تحت قبضة الجيش السوداني مكتظّة بالفارّين الذين اتخذوا من الساحات مأوىً لهم.

قبل تنفيذ الجيش السوداني عمليتي الإسقاط الأخيرتين، ضاق نطاق سيطرته بعد أن كان يمتدّ من حي الثورة جنوب وسوق المواشي وموقف ملّيط وأحياء التكامل والنصرات حتى حي الزيادية والثورة شمال ومدرسة القابلات شرق السوق الكبير. تراجعت دفاعات الجيش داخل المدينة، حتى استطاعت الدعم السريع الدخول إلى الأسلحة الفنية التابعة للجيش السوداني بجنوب غرب المدينة والوصول إلى حي القبة المتاخم لقيادة الفرقة السادسة مشاة والتقدّم نحو السوق الكبير مع استمرار إحكام قبضة الجيش السوداني على محيط قيادة الفرقة وعدد من الأحياء المجاورة لها.

بعد اقتحامها من قِبل قوات الدعم السريع، خلَت أحياء بكاملها من السكّان، وهي: الشرَفة والنصرات ومربعات 12 و13 و17 من حي أبو شوك الحلة. ووفقاً لمعلومات حصلت عليها مراسلة «أتَـر»، فقد خلت أيضاً أحياء جنوب غرب الفاشر من السكّان (أولاد الريف والوادي وإشلاق الجيش).

بعد اقتحامها من قِبل قوات الدعم السريع، خلَت أحياء بكاملها من السكّان، وهي: الشرَفة والنصرات ومربعات 12 و13 و17 من حي أبو شوك الحلة. وقد خلت أيضاً أحياء جنوب غرب الفاشر من السكّان (أولاد الريف والوادي وإشلاق الجيش).

وفي السابع من أكتوبر الجاري، استهدفت قوات الدعم السريع بالمدفعية مركز إيواء أبوطالب للنازحين بحي أبوشوك الحلة، ما أدّى إلى مصرع 15 نازحاً، وأجبر البقية على الفرار إلى حي الدرجة الأولى، ومن ثمّ توغّلت من جديد داخل المركز يوم الاثنين الماضي، وقتلت ثلاثة بينهم ذوو احتياجات خاصة، وعلى إثر ذلك جرى إخلاء المركز الذي كان يأوي نحو 60 أسرة اضطرّت إلى اتخاذ أسوار المنازل ظلاً لها.

وفي يوم السبت 11 أكتوبر استهدفت مُسيّرة استراتيجية تتبع لقوات الدعم السريع داراً للنازحين بمركز دار الأرقم شمال الفاشر، ما أدّى إلى مصرع أكثر من 60 شخصاً، وإصابة نحو 45 آخرين بجروح متفاوتة.

وقبلها استهدفت مُسيَّرة مصلّين بمسجد الصافية بحي أبوشوك الحلة أثناء أداء صلاة الفجر، ما أدّى إلى مقتل أكثر من 75 مصلّياً بينهم أطفال، فضلاً عن الاستهداف المتواصل للمستشفى السعودي وهو الوحيد الذي يعمل بمدينة الفاشر بعد خروج جميع المرافق الصحية عن الخدمة منذ أكثر من سنة، ما زاد طين الوضع الصحي بلة.

الوضع الصحّي

بحسب تقديرات طبيبٍ بالمستشفى السعودي، فإنّ الكادر الطبي لا يتجاوز 5% من العدد الكلي، فبسبب الجوع الذي عمّ، والقصف اليومي الذي يَستهدف المستشفى مباشرةً، غادرَت معظم الكوادر الطبية المدينة لمواجهة خطر الموت على الطريق.

متحدّثاً لمراسلة «أتَـر»، يقول طبيب بالمستشفى السعودي بالفاشر، إنّ المدينة تعاني من انعدام تامّ للأدوية، وإنْ وُجدت فإنها تباع في السوق الأسود، ويضيف أنّ قسم الولادة بالمستشفى السعودي أفضل نسبياً من بقية الأقسام، لأنّ الولادة لا تحتاج إلى أدوية كثيرة مثل الجراحة وبقية الأقسام الأخرى. وأخبر الطبيب أن مركز العزل المخصّص للإسهالات والكوليرا يفتقر إلى المحاليل الوريدية: «تجد المريض يعاني من الجوع والإسهال ولا يجد العلاج ولا الطعام الذي أصبح صعب المنال».

وبحسب تقديراته، فإنّ الكادر الطبي الموجود بالمدينة لا يتجاوز 5% من العدد الكلي، فبسبب الجوع الذي عمّ، والقصف اليومي الذي يَستهدف المستشفى مباشرةً، غادرَت معظم الكوادر الطبية المدينة برغم خطر الطريق.

وأكّد الطبيب أنّ عملية الإسقاط التي أجراها الجيش السوداني تضمّنت أدوية، لكنّ نصيب المستشفى السعودي منها لم يصل إليهم بعد، مشيراً إلى أنّ جهاتٍ أُخرى مثل القوات المشتركة تسلَّمت نصيبها.

إسقاط جوي

بعد مرور 6 أشهر من آخر عملية إمداد جوي للجيش السوداني بمعسكر زمزم للنازحين، استطاع الجيش السوداني كسر الحصار الجوي المفروض على المدينة، والذي أدّى إلى انقطاع الإمداد الغذائي والدوائي وحتى العسكري ليعيش العسكر والمدنيون الهمّ نفسه.

واستطاع الجيش كسر الحصار الجوي بعد تحييد منظومة الدفاع الجوي للدعم السريع بمنطقة «جُقو جُقو» شرقيّ مدينة الفاشر، إضافة إلى ضربات أخرى بالمُسيّرات استطاعَ عن طريقها تدمير مدافع أخرى تابعة للدعم السريع بمناطق مُختلفة داخل مدينة الفاشر ومعسكر زمزم للنازحين مرّتين خلال أسبوعين.

وتمكّن الجيش السوداني من إنزال أسلحة وذخائر، إضافة إلى منظومة الدفاع الجوي، لتحييد مُسيّرات الدعم السريع التي سيطرت على أجواء الفاشر لأكثر من شهرين، قُيِّدت خلالهما حركة المواطنين وقُصِفَت الأسواق القليلة التي ما زالت تعمل.

بعد نجاح عمليات الإمداد، استطاع الجيش السوداني إسقاط 4 مُسيّرات تتبع للدعم السريع وعادت السيطرة الجوية للجيش من جديد. نتيجة لذلك شهدت المدينة هدوءاً نسبياً لنحو 4 أيام، قبل أن تعاود الدعم السريع قصف المدينة على نحوٍ أعنف منذ صباح يوم الجمعة الماضي 10 أكتوبر حتى صباح يوم السبت 11 أكتوبر.

مصدر عسكري بالفرقة السادسة مشاة بالفاشر، قال لمراسلة «أتَـر»، إنّ المنظومات الجوية التابعة لقوات الدعم السريع منعت تحليق الطيران الحربي للجيش لـ 6 أشهر، وظلّت تستهدف المدينة بالمُسيّرات والتدوين المدفعي طوال هذه المدة، ما جعل دفاعات الجيش تتراجع كلّ مرة؛ لكن بعد استخدام الجيش للمُسيّرات والطيران استطاع تحييد هذه المنظومات وكسر الحصار الجوي. وأضاف المصدر أن «الإمداد الأخير كان ناجحاً ورفَع معنويات المُقاتلين بالمدينة، وأنه احتوى على ذخائر وتعيينات، لذلك أصبح الوضع العسكري أفضل من السابق واستطاعت القيادة إحراز تقدّم على الأرض وكسر الدفاعات المتقدّمة للدعم السريع».

انسحابات

بحسب شهود عيان من جنوب كردفان، فإن قوات الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو المُتحالفة مع الدعم السريع انسحبت من الفاشر نحو كاودا بجنوب كردفان.

مؤخراً شهدت محاور القتال بالفاشر انسحابات عديدة لقوات الدعم السريع. وبحسب شهود عيان من محلية دار السلام جنوب الفاشر، تحدّثوا لمراسلة «أتَـر»، فإنّ المحلية استقبلت سيارات قتالية عديدة من قوات الدعم السريع اتجهت نحو المحلية وأثارت الفوضى لنحو ثلاثة أيام أغلقت خلالها أجهزة «ستارلينك» واعتقلت أكثر من 50 مواطناً بتهمة التخابر مع الجيش السوداني. وبحسب شهود العيان فإن قوات أخرى تابعة للدعم السريع وصلت من نيالا لمطاردة العناصر الفارة من الفاشر وإجبارها على العودة إليها. وقال مواطن بمحلية طويلة غرب الفاشر لمراسلة «أتَـر»، إنه شاهد عشرات السيارات القتالية تتبع للدعم السريع وصلت إلى المحلية.

وبحسب شهود عيان من جنوب كردفان، فإن قوات الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو المُتحالفة مع الدعم السريع انسحبت من الفاشر نحو كاودا بجنوب كردفان.

وعلى الرغم من انسحابات قوات الدعم السريع، وتمكُّن الجيش السوداني من السيطرة على أجواء المدينة من جديد، لا يزال الوضع الإنساني يتردى، خاصةً أن قوات الدعم السريع قد أحكمت سيطرتها على بوابات الخروج وأكملت إنشاء سدّ ترابي محيطه 31 كيلومتراً، يجبر الفارّين على المرور عبر بواباتها فقط.

Scroll to Top