ظَلَّ مركز كردفان لعلاج الأورام بمدينة الأبيّض يعمل طوال فترة الحرب بلا توقّف، رغم تحدّيات حصار المدينة منذ أغسطس 2023 وحتى يناير 2025، وقد صار ملاذاً لكثير من حالات الإصابة بالأورام السرطانية، خاصة من ولايات غرب السودان في إقليمَي كردفان ودارفور.
وأدّى خروج مركز مدينة ود مدني من الخدمة، جرّاء سيطرة الدعم السريع عليها في ديسمبر 2023، إلى تزايد الإقبال على مركز كردفان، خاصة أنه كان يُوفّر الأدوية مجاناً بدعم من وزارة الصحة الاتحادية، والذي توقّف بدَوره بسبب عجز الوزارة عن الإيفاء بالتزامها بعد الحرب.
أُسِّس مركز كردفان لعلاج الأورام في العام 2016 للتخفيف عن مرضى السرطان من ولايات كردفان الكُبرى وولايات دارفور، والذين كانوا يذهبون في رحلة طويلة وشاقّة من أجل الحصول على العلاج في الخرطوم أو مدني. ويوفر المركز خدماته لحوالي 2865 مريضاً سنوياً.
![]()
السرطان مصطلح عامّ يشمل مجموعة كبيرة من الأمراض التي يمكن أن تصيب أي جزء من الجسم، وهناك مصطلحات أخرى مستخدمة هي الأورام الخبيثة والتنشُّؤات. يتّسم السرطان بالتولّد السريع لخلايا شاذّة تنمو خارج نطاق حدودها المعتادة وبإمكانها أن تغزو بعد ذلك أجزاءً مجاورة من الجسم وتنتشر في أعضاء أخرى منه. وبحسب منظمة الصحة العالمية، أوْدَى سرطان الثدي خلال عام 2022 بحياة 670 ألف مصاباً ومصابةً في العالم.
وفي ظلِّ غياب إحصائيات ومعلومات دقيقة عن انتشار مرض السرطان في السودان، قدّرت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، أن السرطان هو السبب الرئيس الثاني للوفاة وسط السودانيين، وقد شهد عام 2020 تسجيل 27382 حالة سرطان جديدة، و7055 حالة وفاة بالسرطان.

المصدر: الوكالة الدولية لأبحاث السرطان
ويشهد العالَم في شهر أكتوبر من كلّ عام، حملةً عالميةً للتوعية بسرطان الثدي، وتشجيع النساء والرجال على إجراء فحص مُنتظم، والبحث عن علامات مبكرة للكشف عنه. ودشّنت إدارة تعزيز الصحة بوزارة الصحة والتنمية الاجتماعية بمركز كردفان للأورام مبادرة أكتوبر الوردي للتوعية بمرض سرطان الثدي.
سابقاً في ديسمبر 2023، توقَّف أحد أكبر مراكز علاج السرطان في السودان في مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، وكان يقدِّم الخدمات العلاجية لمرضى السرطان، بما فيها العلاج بالأشعة، الذي لا يتوفر حالياً عدا في مركز مروي الذي يحتوي على جهاز إشعاعي وحيد، ما أجبر مرضى السرطان على التسجيل في قوائم انتظار طويلة. تعرّض مركز ود مدني لتدمير واسع في الأجهزة والمعدّات، ما تركه خارج الخدمة حتى مطلع أبريل الماضي عند عودته تدريجياً إلى الخدمة، لكن مع نقص كبير في الخدمات، وتوقُّف بعض الأقسام مثل قسم علاج الأورام بالعلاج الإشعاعي، وقسم التوافق النسيجي، الذي يُعدّ من أهمّ الأقسام المرجعية في السودان، إضافة إلى قسم علاج سرطان الأطفال.
رحلة طويلة من أجل العلاج
منذ أكثر من سنة ونصف، لم تَنَلْ خالدة عبد الله قسطاً من الراحة، وذلك منذ بداية قصتها مع مرض السرطان: أُجريت لها عملية إزالة رحم بمستشفى مروي، وقبلها انتقلت إلى ولاية النيل الأبيض بحثاً عن العلاج، وأخيراً استقرّ بها الحال في مدينة الأبيّض حيث بدأت بجلسات العلاج الكيماوي.
وصل محمد بشارة، وهو أحد مرضى السرطان من قرية بولاد ريفي مدينة النهود، إلى الأبيّض، بعد معاناة شديدة ورحلة شاقّة ملأى بالمخاطر بسبب إغلاق الشوارع السفرية، بعد أن تمكَّن من توفير مبلغ مالي يغطي تكاليف السفر والمنصرفات الأخرى، واستقرّ مع أحد أقاربه لعدم قدرته على استئجار مسكن، موفراً تكلفة الإيجار لمصاريف العلاج.
قبل أن تُجرى له عملية إزالة لورم الخصية، بدأ بشارة بجلسات العلاج الكيماوي بالمركز، لكن توفير الدواء لم يكن أمراً سهلاً، وبدعم من إدارة المركز ومنظمة أصدقاء مرضى السرطان، استطاع توفير جرعات بـ 190 ألف جنيه، وهو ما يعتبره في حديثه لـ«أتَـر»، في متناول اليد، مقارنة بالأسعار خارج المركز.
ولم تتوقّع زينب أحمد، المصابة بالسرطان، من منطقة الخور الأبيَض، أن تنجح في الوصول لتلقي العلاج بالأبيّض بسبب سوء الأحوال وإغلاق الشوارع واشتداد المعارك، خاصة وأنّ منطقتها تقع على خطّ تماس بين طرفي المعارك في الاتجاه الجنوبي للأبيّض، باتجاه ولاية جنوب كردفان. ورغم ذلك استطاعت الوصول إلى مركز علاج الأورام بالأبيّض بعد رحلة شاقّة.
قبلها كانت زينب قد تجوّلت بحثاً عن العلاج بمراكز الأورام بمدينة مروي وكوستي، وأُجريت لها عمليات إزالة للورم، لكنها لم تستطع المواصلة بسبب الغلاء والتكاليف الباهظة والترحال المُرهق من مكان إلى آخر.
بعد أن حضرت إلى الأبيض بدأت مسيرة العلاج بجلسات جرعات الكيماوي، وها هي تكمل الجرعة الثالثة بمركز كردفان لعلاج الأورام. تقول في حديثها لـ«أتَـر»، إن تكلفة العلاج عالية خاصة لذوي الدخل المحدود. وبسبب عدم توفر العلاج المجاني، يقع العبء الأكبر في مصاريف العلاج على أفراد الأسرة: «دعمني أفراد أسرتي الذين كانوا يقتطعون من مصاريف المعيشة لمواصلة علاجي».
كانت الجرعات قبل الحرب في مُتناول اليد أو بسعر منخفض يصل إلى ما بين 50 و70 ألف جنيه، أما بعد الحرب فقد وصل سعر الجرعة إلى 300 ألف جنيه بسعر السوق الأسود، ووجدتُ نفسي مجبراً على بيع سيارتي وأنفقت أموالي جميعها بعد حضوري إلى الأبيّض واستئجار منزل خاص برفقة أسرتي.
منذ أكثر من سنة ونصف، لم تَنَلْ خالدة عبد الله، من منطقة السنجكاية (120 كيلومتراً غرب الأبيض) قسطاً من الراحة، وذلك منذ بداية قصتها مع مرض السرطان: أُجريت لها عملية إزالة رحم بمستشفى مروي، وقبلها انتقلت إلى ولاية النيل الأبيض بحثاً عن العلاج، وأخيراً استقرّ بها الحال في مدينة الأبيّض حيث بدأت بجلسات العلاج الكيماوي.
تقول خالدة وهي أمّ لأطفال في حديثها لـ«أتَـر»، إن معاناة مرضى السرطان تبدأ بإكمال مبلغ الأدوية، خاصة إنْ كان المريض من ذوي الدخل المحدود، ومن ثم مرحلة ما بعد الجرعة والأعراض المصاحبة لها من الإعياء الشديد والحمى، وتثاقُل الجسم والأطراف، الذي يمنع من ممارسة المهام اليومية، لكنها لا تزال تواصل العلاج وأملها في الشفاء كبير.
أما فرح الهادي، الذي أصيب بسرطان اللثة منذ حوالي خمس سنوات، فيقول في حديثه لـ«أتَـر»، إنه لا مقارنة بين علاج الأورام قبل الحرب وبعدها، ويضيف: «تجربتي مع مرض السرطان متواصلة في رحلة العلاج. كانت الجرعات قبل الحرب في مُتناول اليد أو بسعر منخفض يصل إلى ما بين 50 و70 ألف جنيه، أما بعد الحرب فقد وصل سعر الجرعة إلى 300 ألف جنيه بسعر السوق الأسود، ووجدتُ نفسي مجبراً على بيع سيارتي الخاصة وأنفقت أموالي جميعها بعد حضوري إلى مدينة الأبيّض من جنوب كردفان واستئجار منزل خاص برفقة أفراد أسرتي». ويضيف: «بحمد الله ما زلتُ مستمراً في رحلة العلاج بالكيماوي. لا وقت للرفاهية في هذا الظرف، خاصة في وقت التعافي، يبقى دفع المال من أجل العلاج هو الأهمّ، فالصحة لا تُقدّر بثمن». ويُخبر الهادي أن سعر الجرعة انخفض إلى 190 ألف جنيه بعد فكّ الحصار عن الأبيّض وفتح الطريق الرابط بينها ومدينة كوستي.
إدارة المركز وأصدقاء المرضى
نجتهد حالياً في وضع حلول للمشكلات، خاصة التسيير المالي. ويتلقّى العاملون بالمركز رواتبهم من وزارة الصحة الولائية والحوافز من إدارة مراكز الأورام في السودان، لكن بعد توقف الحافز أصبح الأمر صعباً جداً بسبب غلاء المعيشة، لأنّ الراتب وحده لا يكفي.
متحدّثة لـ«أتَـر»، تقول د. فدوى شوقين، المدير الطبي لمركز كردفان لعلاج الأورام، إنّ عمل المركز لم يتوقّف طوال فترة الحرب، إنما ظلّ صامداً وأبوابه مفتوحة لجميع المرضى بالتعاون مع جميع الكوادر الطبية والمتطوّعين بالمركز، وتَعتبر عمل المركز في هذه الظروف إنجازاً يستحقّ الالتفات إليه رغم توقّف الدعم الاتحادي وعدم توفر الأدوية وشحّ إمكانات التشغيل. وتضيف أن الأجهزة المتوفرة بالمركز قادرة على تأدية الغرض حالياً.
وتقول شوقين إنه بسبب عدم توفر الدواء المدعوم أصبح المرضى يَشترونه من تجّار أو صيادلة بطرق خاصة، ويُرسَل في صناديق مبرِّدة من مدن مثل مروي وعطبرة وكوستي. وتضيف: «نجتهد حالياً في وضع حلول للمشكلات، خاصة التسيير المالي. ويتلقّى العاملون بالمركز رواتبهم من وزارة الصحة الولائية والحوافز من إدارة مراكز الأورام في السودان، لكن بعد توقف الحافز أصبح الأمر صعباً جداً بسبب غلاء المعيشة، لأنّ الراتب وحده لا يكفي».
يقول المدير الإداري بالمركز خالد محمد الحسن، في حديثه لـ«أتَـر»، إنّ توقّف عدد من المراكز في السودان، ومنها مركز مدينة ود مدني، قد زاد من العبء على مركز كردفان لعلاج الأورام. ويشير إلى أنّ مركز ود مدني كان يخفّف الأعباء على مراكز غرب السودان، ويتلقّى عبره عددٌ من المرضى العلاج ومنهم مرضى من ولايات دارفور الكبرى وشمال وجنوب وغرب كردفان. وأضاف أنّ المركز منذ اندلاع الحرب لم تصله أيّ إمدادات من الدواء مع نفاد المخزون الذي كان بالمركز بعد مرور ستة أشهر من نشوب الحرب.
وأوضح خالد أن المركز يضمّ قسم عيادة الكشف المبكّر والمعمل والصيدلية وكوادرها التي تتولّى تجهيز جرعات الكيماوي والعلاجات للمرضى، إضافة إلى وحدة أمراض الدم.
وبحسب المدير الإداري، فإنّ المركز يُوفّر وجبة مجّانية مُحسّنة تُقدّمها «منظمة أصدقاء مرضى السرطان»، التي تضمّ عدداً مقدّراً من المتطوّعين بعد حصولها على الاعتماد من المفوضية، باعتبارها أول جسم رسمي يعمل من داخل المركز ويُساعد المرضى بتوفير الأدوية والعلاج للحالات الخاصة. وينبّه إلى أن التحديات كبيرة بالمركز، أهّمها توفير الدواء المجاني، وتحقيق رؤيتهم المستقبلية بتوطين العلاج عبر المركز بالداخل لتقليل تكلفة المنصرفات، خاصة للمرضى المسافرين بحثاً عن العلاج. وكشف عن سعي الإدارة لتشغيل أجهزة الأشعة والموجات والإشعاع بالمركز، وتوفير استراحة قصيرة وطويلة للزائرين من المرضى من الولايات الأخرى.
وتعتمد منظمة أصدقاء مرضى السرطان في تمويل عملها على اشتراكات العضوية الشهرية والخيّرين، بحسب حديث رئيسها محيي الدين أبو حراز لـ«أتَـر»، الذي أفاد بأنها تُقدّم وجبات خاصة للمرضى، وتعمل في انسجام تامّ بالتعاون، مع إدارة المركز ووزارة الصحة، لتوفير ما تيسّر من الخدمات اللازمة لاستمرار العمل في إطار رؤية استراتيجية قائمة على المؤسَّسية، وتقييم خطة العمل، من وقت إلى آخر.



