«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية الفنانة مروة الدولية
لم تتحطَّم وثنية السوق، كما تصوَّرَ بولاني، بالكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، وسطع الحقُّ في كتابه الفريد «التحوّل العظيم: الأصول الاجتماعية والاقتصادية لعصرنا» (دار نشر بيكون، بوستن، [1944] 2001)؛ منذ نهاية العقد السابع في القرن العشرين، إذ لجأت إليه قارئةٌ جديدةٌ تُكابد بأسَ هذه الوثنيّة الشديد. وقام حقُّ بولاني على شكٍّ عظيمٍ في تحوُّل العمل والأرض والمال إلى سلع. قايَس بولاني هذا الشكَّ بردِّ هذه السلع «الكاذبة» إلى الاجتماع، وقال: ينهار كلُّ اجتماعٍ متى استشرَى هذا التسليع في غير محلّه، ولم يترك للبشر تكأةً «شيوعيةً» تَردُّ عنهم شظَفَه. ومن ذلك القليل الذي يَحمل بعضَنا على الدفع لشُلّة الأصدقاء متى اجتمعوا على طعام السوق، أو يُسارع به بعضُنا لنجدة مريض في ضيق من المال، أو تقوم به خُوَّة «الكَشِف» يوم موت وفجيعة، أو يَحزُّ في نفس بعضنا الآخر، فيُسارع في خيرات أخرى بمال أو بجهد أو بعلم، أو حتى الذي يدفع كاتبة صحافيّة أن تُخاطر بحياتها في خندقٍ في فاشر «الميرم» لتنقل إلى قارئةٍ مجهولةٍ صورةً من حياة غريبة طعامُها الأمْبَاز وسط ضرب المدافع.
نشَأ بولاني في خِدْر الماركسية، وقام وزملاءٌ له في شبابه الأول بتأسيس «حلقة غاليليو»، نسبة إلى العلّامة الكبير من القرون الوسطى، في جامعة بودابست، مدينة طفولته وشبابه، ورأَسَ تحرير مجلّتها «الفكر الحرّ»، وزامَلَ في هذا الشاغلِ الفيلسوفَ صاحبَ الشأن جورج لوكاش. تخرَّج بولاني في جامعة بودابست عام 1912 بشهادة دكتوراة في القانون، وساهم وقتها في تأسيس حزب «المواطنين» المَجَري، وكان من أنصار أوّل حكومةٍ جمهوريةٍ للمجر، الجمهورية الاشتراكية الديمقراطية قصيرة العمر (نوفمبر 1918 – مارس 1919)، التي حلّت محلّها الجمهورية السوڤييتية المَجَرية الأقل حظّاً (مارس – أغسطس 1919)، بأثر الثورة البلشفية، حتى أطاح بالجميع الأدميرال هورثي على رأس نظام يمينيّ استبداديّ بعونٍ عسكريٍّ مبُاشر من الفرنسيّين وجند عرمرم من رومانيا؛ النظام الذي وضع المَجَرَ في حلف النازيّة وتحت أمر قائدها الجزّار أدولف هتلر. فَرَّ بولاني من بودابست، ملعبِ شبابِه، إلى ڤيينّا النمساوية ساعةَ الانقلاب اليميني في المجر، وعمل مُحرّراً أوّلَ للمجلة المرموقة «الاقتصادي النمساوي» في الفترة 1924 حتى 1933 حين فرَّ مرةً أخرى من السلطان النازي إلى لندن حيث لحق به ابنه ثم جاءت زوجته. وكان تزوّج في 1921 من ألونا دوكسنزكا، الشيوعية المَجَريّة من دائرة صداقات لينين وزوجته ناديجدا كروبسكايا، والطريدة من الحزب المَجَري في العام ذاته بتهمة الانحراف على سِكّة روزا لوكسمبرغ، ثمّ الطريدة من الحزب النمساوي بأمر موسكو في 1936 بعد خدمة ممتازة في الصف البلشفي.
خصّص بولاني، من موقع التحرير، قسطاً مُعتَبراً من شُغله لتفنيد دعاوى «المدرسة الاقتصادية النمساوية»، التي قام من شغلها «بعَّاتي» النيوليبرالية على يد فريدريش فون هايك (1899-1992) صاحب «الطريق إلى العبودية» (دار نشر روتلدج، 1944)، وخلف جيلها المؤسّس وشيخهم الأول كارل منغر (1830-1921). كما شكَّكَ بولاني في عصمة «السوق» شكَّكَ أيضاً في الطابع «الجَبري» لصياغات الماركسيين الاقتصادية، فلم يَقبل أنّ لاستغلالِ العمل «قانوناً» صمداً في الرأسمالية، فائض قيمة العمل، لكنْ ردَّ الاستغلال الرأسمالي إلى احتكار الأرض، وقال: هذا الاحتكار هو السلَّم الذي صعدت به الطبقة الرأسمالية إلى موقع الهيمنة (غاريث ديل، «كارل بولاني: حياة على اليسار»، دار نشر جامعة كولومبيا، 2018، ص 50). عاف بولاني هذا الطابع «الجبريّ» بقريحة روحية، وقال: نظر الماركسيّون إلى الاجتماع من موقع «برّاني»، وانصَبَّ جهدُهم على استخلاص قوانين حاكمة ميكانيكية تنتهي “قَنْقَرْ” إلى انهيار «الرأسمالية»، ليَنشأ على حُطامها عالمٌ أُخروي، ففلَتَ منهم بذلك مصير «الإنسان»، والمعنى المبثوث في حياته، لحن الحياة. يَحكم هذا التصوُّرُ الجبريُّ للتاريخ عند بولاني على «الإنسان»، على مثْل زوجته الثورية، بالإذعان لظلٍّ محتوم، ظلِّ التاريخ الطويل الذي قال المرحوم كارل ماركس «الإزيرق» إنه يُطبق ككابوس على نفوس الأحياء. حاوَلَ بولاني جهده أن يُحرِّر هذا المعنى حتى يردّ لوجود الإنسان غايةً يتحدّى بها التاريخ (المصدر السابق، ص 65). قامَ لمثل هذا التحرير، من موقعٍ أقرب إلى ماركسية ماركس، زميلُ بولاني وصديقُه جورج لوكاش في كتابه «التاريخ والوعي الطبقي» ([1923] دار نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، 1972) فنصَر ثورية دكوكسنزكا التي بَذلت ما بَذلت، لتنقلب الحربُ في 1918 و1919 ثورةً سوڤييتية من موقع المسؤولية؛ نصَرَها على قنوط بولاني.
إنْ استدبَر بولاني جبرَ الماركسيين الخاصّ بأنماط الإنتاج ومراحل التاريخ، فقد استقبلَ بحبورٍ وحفاوةٍ شغلَ لوكاش حول الدور المحوري للوعي الطبقي، الثقافة، في قبض التاريخ من قرونه بإرادةٍ بشرية، وانشرَحَ كلَّ الانشراح لشغل المرحوم كارل ماركس حول «وثنيّة» السلعة، وهو معنىً لم ينكشف لقارئة ماركس إلا بعد نَشْر طَرَفٍ من نصوصه الباكرة في العام 1932. اكتشف بولاني عند المرحوم ماركس هذا المفهوم الخلّاق، وقال: هو الفيصل بين المجتمعات التي أخذ السّوق بخناقها، فاتخذت العلاقاتُ بين الناس فيها صيغةَ القيمة التبادلية للسلعة أو يفتح الله؛ صيغةْ خَالِي محبّة، وبين المجتمعات التي لم تَخضع بالكليّة لهذا المنطق السلعي، فظلّت العلاقات الاقتصادية فيها شخصيةً ومُباشِرة، أرزاقُ قيمتها في فائدتها الاستعمالية (المصدر السابق، ص 138). كفَرَ المرحوم ماركس بهذه «الوثنيّة» وقال: تَطرح في محلّ العلاقات الملموسة بين الناس «أوهاماً»، فما هي؟
«تبدو السلعة للوهلة الأولى، شيئاً مبتذلاً جداً يُفهَم من ذاته. أما تحليل السلعة فيُبيّن أنها، في واقع الأمر، شيءٌ غريب جداً زاخرٌ بالأحابيل الميتافيزيقية والحذلقات اللاهوتية. والحقّ، ليس ثمّة في السلعة من شيء غامض، بقدر ما هي قيمة استعمالية، سواء نظرْنا إليها من ناحيةِ قدرتها على تلبية حاجات بشرية بفضل ما تمتلكه من خصائص، أم من ناحيةِ كون هذه الخصائص هي نتاجُ عملٍ بشريّ. ومن الواضح وضوح النهار، أنّ الإنسان، بنشاطه، يُغيِّر شكل المادة التي تُوفِّرها الطبيعة على نحوٍ يجعلها نافعةً له. فشكل الخشب، على سبيل المثال، يَتغيَّر حين نصنع منه منضدةً، مع ذلك تظلُّ المنضدةُ ذلك الخشبَ العاديّ، الذي يقع يومياً تحت الحواسّ. ولكن ما إنْ تبرز المنضدةُ كسلعة، حتى تستحيل إلى شيء حسّيّ عصيّ على الإدراك. فهي لا تكتفي بوضع أرجلها على الأرض، بل تقف على رأسها إنْ جاز التعبير، إزاء السلع الأخرى، ويبدأ رأسُها الخشبي بإطلاق أفكار غريبة تفوق في الغرابة «رقصَ المناضد» من تلقاء ذاتها».
(كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي»، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 105).
ضرَبَ المرحوم كارل ماركس «المنضدة» مثلاً لوثنيّة السلعة، وهو مثلٌ ساكنٌ في ثقافة عصره، لا ينكشف لقارئة اليومَ سوى بقاموس، فرَقْص المناضد أو دورانها كان علامةً يَبتغيها معاصروه من العالم الروحاني، طريقةً للاتصال مع هذا العالم تقنيتُها أن يجلس نفرٌ قليلٌ حول منضدة ويَبسطون أياديهم على سطحها في صبر، يَنطقون بحروف الأبجدية بصوت خفيض خاشع لا تُخطِئه الأرواح حتى تميل المنضدة نحو هذه الجهة، أو تلك، علامةً على أن الخطّ “شَبَك”، بل قد تدور أو تصعد نحو السقف أو ترقص عديل. شاعت هذه الوسيلة للاتصال مع العالم الروحاني في عصر المرحوم ماركس، وكانت شاغلاً لنفرٍ غير قليل من المثقّفين والمتعلّمين في ساعات ليلهم في غرف معتمة الإضاءة. أراد المرحوم كارل ماركس بضرب مَثَل «المنضدة» أن يُقرِّب لقارئة عصره ما يطرأ على السلعة من روحانيةٍ متى صارت سلعةً، فيتوهّم فيها المستهلك فوق قيمتها الاستعمالية قوةً أُخرى روحانية، كالقوة التي تَدفع بمناضد بروفيسورات القرن التاسع عشر إلى أعلى حتى ترقص رقصاً. وهذا الوهم عند المرحوم كارل ماركس هو مناطُ «وثنية» السلعة، فهي عنده «وثنٌ»، متى ما سلخت قيمتها الاستعمالية، أي فائدتها التي يقضي بها الإنسانُ حاجةً له، وتركت قيمتها التبادلية، أو سعرها؛ جمادٌ يظنُّ فيه المتعبّدُ قوةً خارقةً لأنَّ روحاً ما تسكنه أو تفعل فعلها عبره.
لكنْ، تعرف قارئة اليوم «وثنيّةَ» السلعة بوصفها تجربةً في الحياة اليومية، أقربها ربما الزّهو بالسلعة الذي تقوم به «الجَنْصَصَة»، فالبنطلون الجديد الذي اشتراه صاحبُه لساعة زينةٍ يَحمل، فوق قيمته الاستعمالية، قيمةً تجعله لبرهة أقيَمَ من صاحبه، فيَخشى عليه أكثر مما يخشى على نفسه، أما «الجلابية بيضا مكويّة» فشأنٌ آخر، شُغُل بِخْتَلف. وتبلُغ هذه «الوثنية» مبالغَ عظيمة في مثل «عربيتك المرسيدس كسَرَت عليّ التِّرِس» و«وايد ليغ جينز، سايق المرسيدس بينز». وهي «وثنيّة» عابرة لحدود الزمان والمكان، لأنها من أثر الرأسمالية عريضة المنكبين، فتجدها عند المسكين الذي «يتجَنْصَص» بنظّارة شمسيّة وبلو جينز أسود، وتجدها عند مشتري موزة كاتالان الشهيرة وسعرها أكثر من ستة ملايين دولار، فماذا اشترى من اشتراها؟ وموريزيو كاتلان فنّان إيطالي (مواليد 1960) اشتُهِر ضمن أعمال أخرى بـ «الكوميديان»: موزة طازجة مثبّتة على الحائط بشريط لاصق رمادي. كان أوّل عرض موزة كاتلان في معرض «آرت بازل» عام 2019 حيث بيعت النسخة الأولى منها بمبلغ 120 ألف دولار والثالثة بمبلغ 150 ألف دولار حتى بلغ سعر نسختها عام 2024 في معرض سوثبي (لندن) ستة ملايين و240 ألف دولار. اشترى المُضارب في عُملات الكربتو جستن سن يوم 20 نوفمبر هذه النسخة وأكَلَها يوم 29 نوفمبر 2024 في مؤتمر صحفي مشهود. فماذا امتلك وماذا أكَلَ؟ امتلك، بحسب المرحوم ماركس، وثناً مُعقّد التركيب تلفُّه الميتافيزيقيا، وأكَلَ موزةً بعشرين سنتاً.
يُنجِد المرحوم ماركس القارئةَ بهذا التفصيل:
«إذَن فإنّ غموض شكل السلعة يرجع ببساطة إلى أنّ الطابع الاجتماعي لعمل البشر الكائن فيها يَظهر لهم كطابع شيئيّ يُميّز منتوجَ ذلك العمل، أو يَظهر كخصائص اجتماعية طبيعية لتلك الأشياء، ولأنّ العلاقة القائمة بين المنتِجين والمجموع الكليّ لأعمالهم تظهر لهم كعلاقة اجتماعية، تقع خارجهم، بين الأشياء. وبفعل هذا الإبدال بالذات تصبح منتوجات العمل سلعاً، تصبح أشياء حسيّة وعصيّة على الإدراك في آن، أشياء اجتماعية. (…) فوجود منتوجات العمل بشكل سلع، وعلاقة القيمة بين هذه المنتوجات التي تجعل منها سلعاً، لا صلة لها البتة بالطبيعة الجسمية (الفيزيائية) للسلعة أو بما ينشأ عنها من علاقات بين أشياء. فهي، هنا، ليست سوى علاقة اجتماعية محدّدة بين بشر، تتّخذ، في نظرهم، شكلاً خيالياً بصورة علاقة بين الأشياء».
يتصوَّر الإنسانُ منتوجاتِ يدِه إذَن، كائناتٍ ما تتمتّع بحياةٍ ما، وتدخل في علاقات مع غيرها من المنتوجات ومعه هو كذلك، فيرتبط بها ارتباطاً روحانياً فوق الارتباط الاستعمالي ويتصوّرها تستقبل نجواه وتردُّها كأنه نفَخَ فيها من روحه. وهذا ما يُسمّيه المرحوم كارل ماركس «الصنميّة التي تلتصق بمنتوجات العمل منذ أن يتمّ إنتاجها كسلع، وهي لذلك صنميّة لا تنفصل عن هذا النمط من الإنتاج، أي الإنتاج السلعي». (المصدر السابق، ص 106). لكنْ، ألا يبثُّ الإنسان فعلاً شيئاً من روحه في السلع التي تتملّكه؟ أليس هذا ما يقع بين الجالكسي وصاحبه؟
يُتبع…



