يبدو جلياً أنّ من يريد للحرب في السودان أن تستمرَّ، لا يعرف السودان ولا يهتمّ به؛ تَحمله غبينة دفينة وهدف يَخْجَلُ أن يقوله علناً، ومع ذلك يتحلَّى بإصرارٍ عجيب.
يتجلّى هذا في كيفية سير الأمور حالياً، إذ بلغنا مبلغاً لا نعرف معه ما يُرسَم حول البلاد إلا من التخمينات والتوقّعات والآمال العريضة. داخل السودان، تتطاير المُسيّرات الرخيصة والثمينة والمُعدَّلة في بوادي كردفان ودارفور، وعلى ضفاف الأنهار في سنار والرصيرص والدبة، وحي درجة أولى في الفاشر. في جانب آخر، بدأت في واشنطن اجتماعات أوّلية لبحث مسوّدة اتفاق إيقاف إطلاق النار بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، بحسب مصادر تحدّثت لـ«أتَـر». لم تحصل «أتَـر» على وثيقة الاتفاق، ولم يتسنَّ لها التعرّف على فحواها، لكنّ مصادرَ مُتعدِّدة أكّدت لها أنّ وفدَي الدعم السريع والقوات المسلّحة فعلاً قد وصَلَا إلى واشنطن، وتتوقَّع منهم الرباعية التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار غالباً لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، مع خطة لتأمين دخول المساعدات الإنسانية.
تُشير خطوات الرباعية – الولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية، الإمارات، ومصر – إلى مدى ثقتها في التأثير على مجريات الأوضاع في بَوادي دارفور وكردفان وفي سنار والدبة. لذلك لا تتوقّع من «الطرفين» إلا الإذعان والتوقيع على وقفٍ لإطلاق النار، بينما تَكمُنُ الحقيقة في النتائج الحربية التي تحقَّقت بفعل تكنولوجيا عسكرية لم يتعرَّف عليها السودان من قَبْل. ففي مطلع أكتوبر استهدفت مُسيّرة حي درجة أولى بالفاشر وقتلت 8 أشخاص، وفي 12 أكتوبر استهدفت مُسيّرة محلَّ إقامة ناظر الحمر في النهود بغرب كردفان، ومُسيّرة أخرى في دلامي بجنوب كردفان، وفي 18 أكتوبر قتلت مُسيّرة ناظر قبيلة المجانين مع عدد من رفاقه، وفي هذا الأسبوع ضربت مُسيّرات مطار الخرطوم لليوم الثالث على التوالي وخزان الرصيرص وسنار.
هذا النشاط المحموم للمُسيّرات في سماء السودان، إشارةٌ قويّةٌ إلى النفوذ الخارجي على الحرب. فَتَحَ النفوذُ الخارجي شهيةَ الأطراف إلى تكنولوجيا السلاح المُتقدّم باهظ الثمن. وأسهمت هذه الشهية في التحوّلات الحربية نفسها، لتنتقل من حرب تقليدية يعرفها تاريخ السودان القديم والجديد إلى حربٍ تفوق تصوّرات الخيال العام. في بداية الحرب، اجتاحَتْ قوات الدعم السريع معظم مدن السودان؛ سيطرَتْ على الخرطوم وحاصرَتْ قادة الجيش في مقرّ القيادة العامة، وتوسّعَتْ إلى الجزيرة وأجزاء من سنار والنيل الأبيض، وسيطرت على دارفور وأجزاء واسعة من كردفان. لم تُحسِن التصرُّف ولم تتعامل مع شؤون الناس بما تستحقّ، وخلقت منهم أعداءً بلا سببٍ منطقي. بتراجُعها من هذه المحطّات، تحوَّلَتْ معظم العمليات إلى كردفان ودارفور، وهنا عادَتْ إلى مسار الحرب الأهلية التقليدية في مساحة أكبر.
وبمنطق العمليات البرّية، تراجعت الدعم السريع إلى مناطق نفوذها، وهي تَعرف بحكم خبرة قادتها الذين حاربوا مع الجيش سابقاً، أنها على المدى الطويل ستَخسر لمصلحة تكتيكات الجيش المعروفة بحرب الوكالة واختراق الحماية الاجتماعية، وسيقود ذلك تدريجياً إلى فقدان المُدُن في نطاق دارفور وكردفان.
أنقذت المُسيّرات الدعم السريع من هذا المصير، وغيَّرَتْ مسار العمليات العسكرية، فلم تعد تخوض الحرب في نطاقها المحلي فقط، بل أصبحت قادرةً على الوصول إلى الخرطوم وبورتسودان عبر تحكُّم آليّ من أي مكان في العالم.
وجدت القوّات المسلّحة نفسها في حاجة ليس فقط إلى تفوّقها على الدعم السريع في الحصول على أحدث المُسيّرات، وإنما أيضاً إلى أفضل نُظم الدفاع لحماية المناطق التي سيطرت عليها.
مثّل تصاعد وتيرة استخدام المُسيَّرات في السودان فرصةً ذهبيةً للنفوذ الخارجي، ومهْدَاً لصفقات وتفاهمات للحصول على السلاح المُتقدّم، وبالأخص المُسيّرات من أطراف خارجية تملك التكنولوجيا، وكذلك النفوذ الذي يسمح لها بتوصيل هذه التكنولوجيا إلى أي مكان، وصارت معابر دول الجوار أهمّ من المدن السودانية المستهدفة بالسلاح المتطوّر.
لم تكن المُسيّرات ضمن الخطة الحربية المعتادة. وقد شكّلت هذه التكنولوجيا مرحلة جديدة من الحرب يتحكّم فيها السوق والنفوذ الخارجي، واستبدلت الخارطة التجارية والاقتصادية والاجتماعية بأخرى لا يُمكن أن يكون هدفها غير تدمير المدن وسبل كسب العيش. نقول ذلك في حال أن حماسَ الأطراف الحربية جعلها تنسى الهدف الأساسي للحرب.
يمكن القول، إنّ النفوذ الخارجي تورّط في السودان كما تورّط فيه من قبل، وربما كان السودان دائماً ما يمنح الأطراف الخارجية أملاً بأنها ستحصل على شيء ثمين بعد إبادة أهله. لكنّ النتيجة الظاهرة للمُسيّرات واضحة أمامنا، وهي استهداف الكهرباء والمنشآت المدنية وقتل مدنيين، وإصابة الناس بالرعب.
قرابة العشرين هجوماً بالمُسيّرات في أكتوبر فقط، نتيجتها حصادٌ في الأرواح، واستهداف للبنية التحتية، وتدمير للثروة ومقدرات البلاد التي من المفترض أن تكون قسمتها دليلاً للتفاوض أو يرثها المنتصر.



