لا نعرف تاريخاً مُحدّداً يُمثّل نقطة مفصلية في تحوّل السياسة من علم ودراسة، في ما يتعلَّق بالمصلحة العامة، إلى ثرثرة في المنابر، غرضها الأساسي التفريق بين الناس والمجتمعات، حتى لا يَرون أيَّ مصلحة مشتركة في تعايشهم وتجارتهم ومصالحهم. مع ذلك، نعرف أن غياب السياسة المحلية شجّع العالم الخارجي على التفكير في حلول جزئية، ليس بالضرورة أن تشمل مكوّنات محلية أصبح لا يُنظر إليها إلا في إطار «أطراف الحرب».
في 12 سبتمبر الماضي، أصدرت مجموعة دول الولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية، الإمارات، ومصر – وتُعرف بالآلية الرباعية – بياناً مشتركاً حدَّدت فيه رؤيتها للسلام في السودان، ووضعت لنفسها التزامات مُحدّدة تُمثل خطوات مُهمّة للوصول إلى سلام في السودان. قالت الرباعية على سبيل المثال، إنّ وحدة السودان أمر مُتّفق عليه وضروري، وإنه لا يوجد حلّ عسكري للأزمة في السودان. التزَم وزراء خارجية الدول الأربع، بأنّ إيقاف الدعم الخارجي لأطراف الحرب يمثّل نقطة بداية مهمة.
سبق هذا البيان، بيانٌ آخرُ من ذات الدول، إضافة إلى سويسرا، في 20 أغسطس 2025، بذات الالتزامات والأوامر الواضحة لأطراف الحرب، بتسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين وتسهيل مهمة عمال الإغاثة، إلى آخر القائمة التي ضمّت سبعة التزامات وتوجيهات لم ترَ النور.
خلال الفترة التي نشطت فيها الآلية الرباعية، شهدت الحرب في السودان توسّعاً واضحاً ليس في نطاق العمليات العسكرية وحسب، وإنما في التحوّل النوعي للسلاح فيها. أظهرت بيانات ومعلومات وتقارير، اطّلعت عليها «أتَـر»، أن الفترة من أغسطس وسبتمبر الماضيين، شهدت كثافة في حركة الطيران العابرة للمطارات لإيصال مساعدات لوجستية وعسكرية إلى قوات الدعم السريع، التي تقاتل القوات المسلحة في جبهتي كردفان ودارفور. عبرت هذه الرحلات دول ليبيا، الصومال، تشاد، إلى دارفور. وقفت دولة الإمارات بكُلّ وضوح خلف تسهيل نقل المساعدات بما في ذلك المقاتلون الكولومبيون الذين أرسلوا إلى الفاشر. كلّ ذلك يثبت أن لدولة الإمارات أجندة واضحة لا يمكن تحقيقها إلا بتمكين قوات الدعم السريع، بالسيطرة على أكبر مساحة مُمكنة. مكّنت هذه المساعدات قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة الفاشر بعد ارتكابها جرائمَ وثّقتها التقارير الدولية وتبايَنَ وصفُها من العنف المفرط إلى الإبادة الجماعية.
في مقابلةٍ بثّتها قناة «إنترناشونال» مع مسعد بولس المستشار الخاص للرئيس الأمريكي في 28 أكتوبر، قال إنّ الولايات المتحدة مع شركائها يراقبون التطوّرات، وقال إنْ صحَّت سيطرة الدعم السريع على الفاشر، فإنّ لذلك انعكاسات على المستوى الاستراتيجي. يتقمّص بولس مسعد دَور الوسيط مرة، ومرة أخرى المحلّل السياسي الذي ينظر إلى التحوّلات ببراغماتية يعرف من خلالها أن للإمارات الصوت المسموع في أي محادثات تخصّ السودان.
يظهر الآن أنّ إصرار قوات الدعم السريع وتسهيل الإمارات لها دخولَ الفاشر وتوسيع نطاق عملياتها في كردفان، يأتي ضمن خطّة ظاهرها تسريع وتيرة التفاوض بتعجيل استنفاد غرض العمليات الحربية بسرعة، حتى يقتنع الطرفان بضرورة وقف إطلاق النار.
حاولت «أتَـر»، دون نجاح، الحصول على تفاصيل عن خطّة وقف إطلاق النار بعد معلومات متواترة عن تسليم ممثّلين للجيش والدعم السريع خطةً تفصيليةً عن اتفاق هدنة يسمح بمرور المساعدات الإنسانية، وهو المطلب الذي ظلّ يتكرَّر في أي وساطة منذ مبادرة جدة في مايو 2023، أي بعد شهر واحد من اندلاع الحرب. إنّ عدم ظهور أي تفاصيل عن اتفاق الهدنة يعني إما غيابه أو التكتّم الصارم عليه.
ظهر المبعوث الأمريكي الخاص لأفريقيا والعالم العربي مسعد بولس، خلال الأسبوع الماضي في أكثر من مقابلة تلفزيونية، آخرها مع قناة «الغد» أمس الأول، ليتحدّث في أكثر من ملف يُشرف عليه هو شخصياً بصفته مبعوثاً خاصاً للرئيس الأمريكي لأفريقيا والعالم العربي. رفض مسعد الانتهاكات التي حدثت في الفاشر دون أن يشرح حدود هذا الرفض، لكنه علّق آماله على هدنة يأمل أن يُوافق عليها الطرفان، غرضها وصول المساعدات الإنسانية، وأمله الأكبر أن تقود الهدنة لعملية سياسية انتقالية خلال 9 أشهر.
في مقابلة أخرى مع فرانس 24 بتاريخ 3 نوفمبر الجاري، قال إنّ الدول الأربع قدّمت تصوّراً شاملاً لاتفاق الهدنة الإنسانية لمدة ثلاثة أشهر، على أمل التمهيد لاتفاق سياسي. سرّ اتفاق الهدنة أنه جاء متزامناً مع أحداث الفاشر، حتى مع الإصرار والصرف البذخي حتى تضع قوات الدعم السريع يدها على الفاشر.
لم تأتِ الآلية الرباعية إلى قضية السودان من باب المعرفة بالشيء، لكن تداخلت الأجندة الإقليمية في إطار البزنس العالمي، وجاءت قضية السودان إلى مسامع البيت الأبيض من طرف آخر غير «أطراف الحرب». تلمس في ثنايا حديث المبعوث الأمريكي أنّ سيطرة الدعم السريع على الفاشر حدَثٌ وانتهى، وهو اليوم يعني فرصة للسلام. يأسَف بولس لما حدث من تجاوزات ويُدينها، ثم لا يلبث أن يَنصرف إلى مسألته لا يأبه لتفاصيل ما حدث. مسألته الاستراتيجية: أنّ سيطرة الدعم السريع على الفاشر فيها فرصة ربما تتمثل في أن يكتفي الطرفان بما حقّقاه من الحرب، ويجنحا إلى الهدنة الإنسانية؛ لكن بالنسبة لعلاء نقد الناطق الرسمي لتحالف «تأسيس»، فإن الفاشر فرصة لـ«تحرير» الشمالية والأبيض من قبضة الإسلاميين.
لا يَضمن مسعد بولس ولا الولايات المتحدة، أن تكتفي قوات الدعم السريع من الحرب بسيطرتها على مدينة الفاشر. وإذا كانت مؤسّسات بحثية وصحافية تعرف اليوم أن الإمارات العربية المتحدة هي صاحبة مشروع الحرب في السودان، فإنّ الولايات المتحدة قطعاً تعرف؛ تعرف على الأقل الطموحات الأصلية التي تدفع الإمارات إلى دعم قوات الدعم السريع، وهو ما لا يُقارَن بدعم مصر مثلاً للقوات المسلحة؛ الذي يبدو كما لو أنه لمنع الأخيرة من الهزيمة وليس لتحقيق النصر، بينما يَمتاز دعم الإمارات بالمُثابرة، والاستمرارية والسخاء.
في نهاية الأمر ترهن جميع الأطراف موقفها على عامل خارجي أو دولة خارجية تأتي بالمُسيّرات أو السلام.
خلال أكثر من سنتين ونصف، شهدت حرب السودان تطوّراً مُتسارعاً من حيث دوافع الحرب وأسبابها والضالعين فيها. أضرّت الحرب كثيراً بحياة الناس والبنية المدنية التي مثّلت أساس التواصل والتجارة وإلى حدّ ما النظام المعروف بالدولة، حتى تلك المعيبة. لكن الضرر الأكبر هو ما حدث للاجتماع والسياسة، أساس البنيان والعمران.



