لقد مرَّت سنتان منذ أن بدأنا رحلة قراءة مجلة «أتَـر»، واليوم نَعود إلى عددها المائة، لنقف عند تجربتنا هذه. منذ العدد الأول وحتى هذا العدد، كانت المجلة رفيقاً دائماً في معرفة أخبار وتشعُّبات الحرب في السودان، ومحاولة التقاط تفاصيل الواقع بطريقة تسمو على حالة الاستقطاب التي هَيْمَنَتْ على الساحة الإعلامية. لقد أصبحت «أتَـر» جزءاً من الروتين العائلي ليومَي الجمعة والسبت: نبدأ بـ«مرحباً»، وقد ننتقل منها إلى «أصوات تحت الحصار» أو «دفتر أحوال السودان»، أو تأمُّل تعبيرات عبادة جابر عن محتوى المواضيع.
امتازت «أتر» بقدرتها على تغطية قضايا الحرب والصراعات على نحوٍ خلّاق. في كلّ عدد تقريباً، نجد «أصواتاً تحت الحصار»، تنقل لنا تجارب الناس الذين يَعيشون في مناطق النزاع، وتَروي تفاصيل التجربة الإنسانية في النجاة، وتُتابع قصص النازحين والمتأثّرين بالصراعات ومحاولاتهم خلق حيوات بديلة، سواء أكانت في القاهرة أم كرياندنقو، والوضع الكارثي لأولئك الذين وقعوا في مسار حرب مشابهة ومجاورة في إثيوبيا. إلى جانب اهتمامها بالأبعاد الاقتصادية الناجمة عن الحرب؛ من متابعة لطرق التجارة البديلة والتهريب، وانعكاس ذلك كله على نشرة أسبوعية للأسعار نُتابع فيها أنماط تباين أسعار البصل بين سنجة وشندي، وأسعار اللحوم بين بورتسودان والفاشر وغيرها.
لم تَقتصر المجلة على الأخبار، بل قدّمت تحقيقات صحفية مفصّلة ومفتاحية لفهم ديناميات الصراع، مثل التقرير الذي تناول أول انعقاد لامتحانات الشهادة السودانية. والذي رمانا في حالة من فوضى المشاعر: حزن، أمل، حيرة، وفرح. أتاح لنا التقرير الانغماس أكثر، مثلاً، في تفاصيل مخاطر رحلة الطلاب من الفاشر إلى النهود، وعدم تمكّنهم من الجلوس للامتحانات.
بالاشتباك الأكاديمي والأدبي الساخر لمجدي الجزولي ومنهجيات «علم الكونكا» وجذوره في تشكيل الصراع الاجتماعي والسياسي وتمظهراته في حرب 15 أبريل، اتّسع نطاق الوعي بتعقيدات الحالة السياسية السودانية. قدّمت النوتة ربطاً عضوياً بين أطروحات عبده مالك سيمون، ودكتور محمد بخيت، وتاريخ القرصنة في الخليج وموقف ماركس من البروليتاريا الرثة وغيرها مما لا يمكن إلا لأمثال مجدي توضيح ارتباطاتها وتقاطعاتها. نعتبر هذه السلسلة فتحاً في الكتابات والدراسات السودانية.
خلال هاتين السنتين، أعدنا تعرُّفنا على شخصيات ثقافية لها تأثيرها في مشروع الاستنارة في السودان، أمثال حاتم الكناني وعارف الصاوي وعمار جمال. كما أخذت «أتَـر» بُعداً شخصياً جديداً بالنسبة لنا، بعد انضمام آية سنادة ووفاء عبد العظيم إلى هيئة التحرير. انضمّت وفاء عبر برنامج الزمالة الذي أقنعناها بالتقديم له ثقةً منا في إمكانياتها النقدية والتعبيرية.
تجربة القراءة الأسبوعية كانت تجربةً مُميزةً بحدّ ذاتها. لاحظنا أنّ حجم العدد يَؤدّي دَوراً مُهمّاً في قدرتنا على المتابعة بانتظام؛ فالأعداد التي تتراوح بين 50 و60 صفحة هي الأنسب للقراءة الأسبوعية، إذ يُمكن استيعابها بوصفها وحدة متكاملة. وهذا يعكس وعي المجلة بحياة القارئ، وحرصها على تقديم محتوى غنيّ دون إرهاقه.
كانت قراءة مجلة «أتَـر» لمدة سنتين تجربة ثريّة ومُمتعة. لم تكن المجلة محض صفحات نقرأها، إنما كانت نافذةً على العالم، ومرآةً لقضايا الناس، ومصدراً للإلهام والتفكير النقدي. لقد أصبحنا، من خلال هذه القراءة، جزءاً من مجتمع «أتَـر»؛ مجتمع يُقدِّر المعرفة ويَسعى لفهم العالم بعمق، ويُدرك أنّ الصحافة الجيدة جسرٌ بين الواقع والقارئ.
طلال عبد الباسط: أكاديمي ومعماري يعمل بجامعة الخرطوم.
ريان خليل: معمارية وفنانة تشكيلية وزميلة أبحاث بجامعة محمد بن خليفة بدولة قطر.



