أتر

حوارية على ضوء «أتَـر»: خيط غير مرئي

في رحاب الأعداد المائة الأولى، والسنوية الثانية لمجلة «أتر»، التي ظلّت مساحة تُزهر فيها الرؤى المُتباينة وتلتقي الخطوط المتباعدة، التقَتْ روحَا فنانّيْن مُتعدِّدَيْن عبر أسلاك الأثير: الفنان الرقمي والكاتب محمد عثمان (قاكي)، المُقيم في نيروبي، والتشكيلي والموسيقار والكاتب عبادة جمعة جابر، المُقيم في القاهرة. كلاهما يخدمان محراب «أتر» بريشتيهما وكلماتهما، ولم يتقابلا وجهاً لوجه قط، لكنهما تجاورا في صفحات المجلة وفي دائرة الهم الإبداعي المُشترك.

هذه الحوارية، التي جرت عبر مراسلات ومحادثات غير مُنقطعة، هي محاولة لالتقاط الشحنات المُتبادلة بين نيروبي والقاهرة، بين الخط الرقمي ونغم الجيتار والكتابة.

قاكي: لم ألتقِ بك يا عبادة وجهاً لوجه قط، سرنا في مدارات مُتقاربة ودوائر اجتماعية مُتقاطعة في الخرطوم، قبل أن تتبعثر بنا المسافات والظروف. لم أرَك إلا من خلال حبر لوحاتك، من خلال عزفك الخرافي للجيتار، ومن خلال ما قرأته عنك أو منك في الأسافير. ثم جمعتنا مجلة «أتر» لتصنع بيننا جسراً ممتداً بالفن والعمل بين نيروبي والقاهرة؛ تتجاور لوحاتُنا بين الصوت المرسوم والخط المسموع، بين الذكرى العالقة والحاضر المُلتبس، ما جعل من حوارنا البصري رحلة متواصلة؛ رحلة في صمت المشهد وحِدّة اللون، نبحث فيها عما لا يمكن قوله إلا من خلال فنِّنا. وفي هذه المراسلات، محاولة للاستكشاف، ووضع خطوط تُشبه رموز الصمت، وألوان تحاكي الذاكرة، وصنع مساحات للخيال لم يمسها ضجيج الواقع.

إذن، دعنا نبدأ من جوهر الفنان فيك: من أنت؟ وكيف تختبر الحياة بين المدن المتنقلة، بين القاهرة التي تحتضنك، والخرطوم التي تحيا في أعماقك؟ وكيف تصف رحلة الفنان الذي نشهده اليوم؟

عبادة: أنا تشكيلي وموسيقار وكاتب، وأرى أنني صنيعة الملاحظة الدقيقة. أحياناً أستيقظُ لأجد نفسي أُراقب العالم بعينين مُتعبتين؛ واحدة تتوسّد الظل، والأخرى تُلاحق الضوء الهارب. كل ما أضعُه على الورق الآن هو امتداد مباشر لما أختبره من قلق وبحث عن السكون. لقد كتبت ذات مرّة: «كل ما يمر في العمر، من لحظات عابرة، أضعه بين الظل والنور… أحاول أن أرى الأشياء كما هي، بلا محاولة لتضخيمها أو اختزالها».

رحلة الفنان هي ترجمة الحركة الداخلية. همي الآن، بعد أن فقدتُ استوديوهاتي ومساحاتي في الخرطوم، البحثُ عن أرضية يمكنها أن تستوعب مشاريعَ وأفكاراً كالتي أحلم بها هنا في القاهرة.

قاكي: تُشاركني هذا الهم، هم الترحال وفقدان المكان. بالنسبة لي، التعبير عن الذات ظل فعلاً غريزياً؛ كنت أرسم كما يتنفس الإنسان. رحلتي بدأت بالنجاة من أتون عاصفة الحزم في اليمن، حيث نشأتُ بين أصوات الانفجارات، وعدتُ إلى السودان عام 2015. كان الرسم حينها ملاذاً وحشياً ولطيفاً في الوقت ذاته؛ يَمنحني القدرة على تحويل الصدمة إلى شكل. لكن مجزرة فض الاعتصام في 2019 أوقفت الألوان بداخلي. ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتؤكد هذا النزوح الروحي. أنا الآن في نيروبي، أحاول أن أضع خطوطاً قليلة جداً، لكنها كافية لتُعيد لروحي المُنهَكة بعضَ السلام.

عبادة: أفهم تماماً. هذا يقودنا إلى العملية والأسلوب. إن مسألة الأدوات عندي بسيطة: الأحبار والقلم الرصاص. أسلوبي يعتمد على أن الفراغ بين الخطوط هو الجزء الأكثر صدقاً، فـ«التفاصيل مُهمّة، لكنها ليست القصة كاملة… فالصمت، والحركة، والفراغ الأبيض، هذه أيضاً حكاية تُروى بلا كلمات».

قاكي: وأنا أشاركك هذا التركيز على البساطة المُتعمّدة. ألواني محدودة، وأسلوبي يميل إلى الرمزية لا المشهد الكامل. أبتعد عن التفاصيل الثقيلة، لأن ما أريد قوله ليس في المشهد وحده، بل في الأثر الذي يتركه على ذاكرة من يراه. لهذا، أحاول أن أضع السلام والبساطة في لوحاتي، كما لو أن كل خط صغير يمكن أن يَمنح الروحَ بعضَ الراحة بعد أن خاضت حروباً طويلة.

عبادة: وماذا عن الحرب والذاكرة؟ هل هي شبح يظهر في أعمالك بقرار واعٍ، أم تتسلل على غفلة؟

قاكي: هذا سؤال يلحُّ عليّ كثيراً، خاصةً وأن التجربة المشتركة لكلينا تثبت أن الفن ليس بمعزل عن الخراب.

عبادة: أرى أن الحرب مخزونٌ سمعي وبصري يُشوِّه ما بعده. لا يُمكننا أن نتجاهلها، لكن علينا أن نُوازن بين ما نراه، وما يمكن أن تتحمّله أرواحنا. أنا لا أسعى إلى توثيق المشهد بحدَّته المباشرة، بل أسعى إلى تأثيره الباقي. ولهذا أدركت أثناء رحلتي إلى القاهرة، في حلفا، «أن تضيء شمعة خيرٌ من أن تلعن الظلام». الفن يصبح حينها واجباً، مُقاومةً صامتة لليأس، وليس مجرد رد فعل.

قاكي: إذن، كيف يتجلَّى تقاطع الفنون لديك؟ هل تجد أن الموسيقى أو الكتابة تُغذّي الرسم عندك بعمق؟ خاصة وأنك كنت تعمل على مشروعك «The Sound of Colors» قبل الحرب.

عبادة: أؤمن بأن «كل فن ينظر إلى الفنون الأخرى… هي حكاية متصلة، كل شكل يُعيد ترتيب فوضى اللحظة». مشروعي «The Sound of Colors» كان يدور حول بناء وجدان مجتمعي عبر موسيقى التراث السوداني. الرسم أحياناً يتحوَّل إلى موسيقى صامتة، والموسيقى تصبح خطاً مرسوماً في الهواء.

قاكي: بالنسبة إليّ، الكتابة هي الإطار الذي يؤطر التجربة البصرية، هي التي تُنظّف المشهد من الضجيج قبل أن يصبح خطاً. أنا أجمع بين الرسم الرقمي والكتابة لأنني أحتاج لأن أكون موجوداً، شاهداً يترك أثراً، ليُوصل ما لا يمكن قوله بصوت. إذن، لمن نوجه هذا الأثر؟ كيف توازن بين هدف الجمال وغاية الشهادة؟

عبادة: أرى أن دور الفنون الآن هو ريادة التغيير، وبناء نسيج اجتماعي يستوعب التنوع. جمهوري المُستهدَف هو المجتمع الباحث عن ثبات، عن إعادة بناء الوجدان. الهدف ليس الكم، بل الصدق. ولهذا أقول: كل خط صادق، وكل لون يحمل صوته الداخلي. وإن لم يَفهم هذا الصدق إلا شخص واحد فقط، فهذا كافٍ تماماً.

قاكي: وفي النهاية، فإن «أتر» هي الوعاء الذي جَمَعَنا. هي بالنسبة لي مساحة أستعيد فيها ترتيب عالمي المُمزّق. كل عدد جديد، وكل خط أضعه، هو محاولة لأمنح الآخرين شيئاً من الهدوء المسروق.

عبادة: «أتر» هي الوعاء الذي يحتفظ بصدقنا وبوصلتنا الفنية. ربما عبر هذه المُراسلات البعيدة، نُنجز ما لم نتمكّن من إنجازه لو كنا في الخرطوم. الأهم أن يبقى الرسم فعل حضور وصدق، هذا هو كل ما تبقى لنا.

Scroll to Top