انقضى أسبوعهم الماضي، وهم يَحملون معهم تعب المواجهة: صحافيون خرجوا من مكاتب مجلة «أتَـر» فجر الجمعة، ومُراسلون مُقيمون داخل السودان، يَحمِلُون قصص الناس وحكاياتهم، الأخبار، والسهر اليومي عليها. دائماً ما يكون يوم الجمعة بمثابةِ استراحةٍ قصيرة وفرصةٍ لتجميع الأفكار قبل الاجتماع الأسبوعي، الذي يُعقَدُ كُلَّ سبت.
في السبت الماضي، وفي تمام الساعة الرابعة مساءً بتوقيت السودان، أظهرت شاشة Teams أصواتَ الفريق واحداً تلو الآخر. يُدير الاجتماع حاتم الكناني. يبدأون بتحيّة بسيطة وابتساماتٍ خفيفة، ثم يَذكرون أنّ المجلة أكملت سنتين: لحظة قصيرة من التأمّل المشوب بالسعادة، قبل الغوص في العمل.
بدأ الحديث بمراجعة العدد الأخير (100)، وكان قد استعاد تقاريرَ نُشِرَتْ خلال سنة في قطاعات الزراعة والاقتصاد والأسواق والغذاء والصحة والبيئة والتعليم والثقافة. حول ملاحظاته على العدد، يقول عمّار جمال، إن هنالك مناطق كثيرة تحت سيطرة الدعم السريع مثل شرق دارفور، وغرب كردفان، وكذلك النيل الأبيض، لم تصلها التغطية الصحفية لـ«أتَـر» كما يجب خلال السنة الماضية؛ لكنّ حاتم يردّ بأن الصحافيين على الأرض يواجهون صعوبات حقيقية. أما تماضر فتُصرُّ على أننا لا نستطيع السكوت: «لازم نلقى طريقة». عارف يَقترح فكرة الحصول على تصاريح، لكنه يُقِرُّ بالخطورة، ويُشدّد على أن السلامة أولاً، ويقول إنّ هناك خطةً لتغطية الأخبار الرسمية في مناطق الجيش والدعم السريع، واختراق الجدار والوصول إلى روايات الناس في الضعين وبابنوسة ومناطق أخرى.
أسامة يَلفت النظر إلى غياب ملف الثروة الحيوانية خلال سنة. يعود عمار ليُذكّر بضرورة الاهتمام بجنوب السودان، خاصةً بعد تحوّلات وتحالفاتٍ جديدة، فيتذكَّر حاتم باب «السودان ومحيطه» الذي كان موجوداً بقوة في السنة الأولى ويطالب بإعادته. ساري يُضيف أنه يَتعيَّن أن لا ننسى إثيوبيا وإرتريا، فما حولنا يُؤثّر علينا بشدّة.
ثم يَنتقل الفريق لتدَاول أفكار العدد 101 وما بعده. نعمات تطرح موضوع «تجارة الموت بين طويلة والفاشر»، والتهريب الذي جرى خلال حصار الفاشر والانتهاكات التي واجهها المُهرّبون. حاتم يقترح مُتوسّعاً ربط الموضوع بما توارد عن دفع الفديات لإطلاق المحتجزين في الفاشر. لكنّ عارف يقترح تفكيك الموضوعين والعمل عليهما كلّاً على حدة، عبر مُقابلات مع أسر دفعت أو طُلبت منها فدية. كذلك ترغب نعمات في عمل مقابلات مع النازحين من الفاشر إلى الدبة مؤخراً، وتصوير ڤيديوهات ومقابلة التجّار في السوق.
بيرا يقترح مادةً عن مدينة طويلة، والهجرات إليها، خاصة بعد سقوط الفاشر في يد الدعم السريع، ووضع طويلة منذ بداية الحرب، ويَعِد أن يُنجز المُسودّة خلال يومين. تَماضر تقول إنّ ناجين من كبكابية أفادوا بأن الدعم السريع احتجزَتْ أُسراً عاجزةً عن دفع الفدية، وهي تجمَعُ إفادات وتفكّر في كتابة «دفتر أحوال» عن ما يجري في المنطقة. يتفق الجميع على أنّ تغطية شمال دارفور تستحقُّ أن تكون مشتركة بين عدد من مراسلي «أتَـر».
وبينما يطالب أسامة بكتابة تقرير حول القطن، يَطرح سؤالاً مهّماً: لماذا فقد السودان مكانته في إنتاجه؟ ويربط ذلك بتبعات سياسية واقتصادية. ثمّ يطرح محمد التجاني فكرة في نطاق آخر عن «الغناء في جنوب دارفور وكردفان»، هل هو ما يعزّز الحرب أم يوقفها؟ عمّار قال إنه سيُزوِّد التجاني بأبحاث ومواد سابقة عن «غناء الحكّامات». يتدخّل بيرا ليُميّز بين أغاني الحماسة وأغاني ما بعد الحرب، ويُشير إلى علاقة بعض الفنانين بقادة الدعم السريع.
مرةً أُخرى يطفو اسم كبكابية في الاجتماع. يرى بيرا أنّ المنطقة مُرتبطةٌ بحوادث اختطاف مستمرّة منذ بداية الحرب، وأنّ التفاصيل حولها لا تزال غامضة وتحتاج إلى تحقيق أعمق. ثم يطرح أسامة موضوعاً أخيراً وهو استخدام السيانيد في التعدين بشمال السودان، مُشيراً إلى مصنع في منطقة المحس ومعاناة الأهالي هناك. يقول إنّ هناك لجنة أهلية تقاوم، وإنّ بعض أعضائها اعتُقلوا بسبب احتجاجاتهم. يردّ عمار بأن الانقسام في المنطقة بعد الحرب جعل الموقف أكثر تعقيداً، مضيفاً: «الناس في تلك المناطق كانوا دائماً مُتضامنين، لكن الشركات استغلت الانقسام… وعلينا أن نفهم لماذا».
عند الخامسة مساءً، يَختتم حاتم الاجتماع. هكذا تُولد كلّ قصة، تُولد من الحدث، فهناك دوماً حكاياتٌ لم تُروَ بعدُ، هذا ما تقوله «أتَـر».



