«للكتاب عُمر الماء والنار».
إدموند جابيز
كتب تزفيتان تودوروف قبل بضعة عقود: «سيَكون الكلام عن الكتب مِهْنتي، لأنها تَجعلني أكتشف أبعاداً مجهولة في العالم، وتهزّني وتُحثُّني على التفكير». بهذا صارَ عرضُ الكُتُب مِهْنتي أيضاً، واختزلتُ العالم كلَّه أو قُلْ مشاغلي في الكتابة إلى أن أسرّب همومي إلى عرض المتون وحواشيها، أُشارك «قرّاء أتَـر المُحتَملين» ما أقرأه من كتب، وبِطاقةٍ ذهنية مُرهَقةٍ قبل اشتباكاتي الحميمة مع فريق التحرير. أسعى إلى تنويع صحائفي لأُبيّض وجه قرّائي المحتملين: نقلة حميمة من لذّة النصّ إلى لذّة الكتابة أو كما قال بورخيس: «دع الآخرين يتباهون بالكتب التي كتبوها، أنا أتباهى بالكتب التي قرأتها».
ذاكرتي مُتخمة بعروض الكتب التي سبق وقرأتُها لسنوات، ولا شكَّ عندي أنها تظهر وتتسرَّب في ما أعرض من كُتب. أعجبتُ في وقت باكر بعرض الدكتور عبد الفتاح الديدي – أستاذ الفلسفة في الجامعات المصرية – لكتاب إدوارد سعيد المحوري «الاستشراق» على صفحات مجلة «الفيصل» السعودية أواخر سبعينيات القرن الماضي، حيث كشف عن معارف مُذهلة وإلمام عظيم بالأصول والمرجعيات، وأكثَرَ من الإشارات والإحالات، في عرض شيّق، وبلغة العارف، لكتاب لا يزالُ يُثير لغطاً في جميع دوائر البحث والعلوم الإنسانية. ومنذها تعلّمت درساً عظيماً بأنّ اشتباكنا مع ما نقرأ فكرةٌ بالغةُ التعقيد وليست بالبساطة التي نتصوَّرها؛ ولا هي بالبداهات والكليشيهات وعجلة الكتابة اليومية ذات النزوع الاستهلاكي وآليات منطق السّلعة. حفظتُ درساً عظيماً أيضاً: عرض الكتاب همٌّ وحساسية ومعرفة وخبرة وممارسة. عليك فقط أن تَعبُر عتبة بائع الكتب المُستعمَلة «لتُصبح مفعماً بروح المغامرة»، كما قالت الكاتبة فرجينيا وولف في «يوميات القارئ العادي».
لبضع سنوات كنتُ أتابع منبرَين: مجلة «السؤال النقدي» critical Inquiry ومجلة «نيويورك لعرض الكتب» The New York Review of Books، وتعلّمتُ درساً عميقاً من الناقد الإنجليزي تيري إيغلتون، والراحل إدوارد سعيد؛ الأول في عرض بديع لكتاب عن حياة جاك لاكان، والثاني في عرض لكتاب عن إبداع الهاييتي سي إل جيمس صاحب الكتاب المشهور «اليعاقبة السود»، بعنوان «الفنّان كثوري» The Artist as a Revolutionary. ما زال شبح هذَين العرضَين مُخيّماً على معظم ما أقوم به. أخيراً، وفي السياق ذاته أدهشني اللبناني إبراهيم العريس في الكتابة الباهرة على صفحات جريدة «الحياة»، وبلُغة عربية مُغرَقةٍ في جمالها وفصاحتها، إذ إنه لم يكن يلتزم بطرائق العرض التقليدية بل يُبدع نصّاً موازياً لمحتوى الكتاب، سُرعان ما يقودك إلى التنانين في عرائنها، وما زلتُ مُحتفياً بعرضه لكتاب الفرنسي ميشيل ليرس العظيم «أفريقيا الشبح»، وقد ذهلتُ بالفعل لمّا قرأت الكتاب، وما زلتُ أعاود مراجعته، وتلك هي القضية: أن يقودك العرض إلى قراءة الكتاب والتوغّل في متاهاته. أحد دروسي المستفادة كما تقول العبارة المكرّسة، على علاتها وسقمها، أنّ قراء الكتب ومن يكتبون عروضها ما هم سوى «ضيوف عابرين على النصّ»، وأنّ النصّ العظيم هو ذلك الذي يسمح للقارئ بمُساءلته. من هنا تأتي أهمّية وضرورة اشتباكنا مع ما نقرأ وطرائق عرضها المُحتَمَلة لقُرّاء مُحتَملين. أن نتصوّر القراء المُحتَملين؛ فكرة جوهرية. من هو جمهور القراء المُحتمَلين؟ هنا وردة لا تستطيع إلا أن تتنشّق عبقها، وخيول تصهل في قلبك. أن تكون عابراً هائلاً بنعال من ريح؟ ربّما.
في عرض الكتاب، نحن في حضرة المحكيّ. وليس المحكيُّ كل ما يقال، ولا في أية لغة، كما صدح هايدغر. مسافةٌ مُرهقةٌ تتمدّد بيننا والقراء حتى ننقل إليهم، باشتهاءٍ، لذاذات ما نقرأ، والمتعة الذهنية المُحتمَلة من سعيهم خفافاً إلى البحث عن الكتاب، ومن ثمّ دخولهم إلى جنة بورخيس، جنة البلاغة اللفظية والفصيحة معاً، حيث تتراقص الكلمات ويهتزّ الفردوس بأكمله – متعة لا تعادلها متعة، من الجبل المتخيّل في رواية «آلموت» حيث الحور العين، وكتاب الحكيم الخيّام تحفظه الصبايا عن ظهر قلب ويستظهرنَ ذلك ببراعةٍ أمام عشاقهنّ؛ مهمّة تاريخية أن نُحقِّق هذا وذاك، وإنك لا تقرأ سوى ما في راحتي، وإنك لا تكتب سوى في عيني، حتى وإن كان على عتبة العدم.
لمّا تَحين ساعة «العرض»، يَتعيَّن إظهار الطاقة التأويلية الهائلة والمُتضمَّنة في فراغات الكتاب؛ لأنها تُحرّك التأويل وتُحفّز الخيال. حتى نصوص ماركس تكمن فيها ذخائر تأويلية وإبداعية وفكرية «تفوق بكثير المضمون الفكري والأيديولوجي الذي ظلّ يستعيده جميع قراء ماركس وشارحيه»، مثلما كتب البيروفي لودفيكو سيلفا في كتابه «أسلوب ماركس الأدبي»، وهذا واحد من أجمل ما قرأتُ، بمقدمة لكاتبي الأثير أمبرتو إيكو، ولطالما راودتني فكرة ترجمته، فقد كان إحدى لذاذات المنفى التي أغرقتني في عسل ذهولها. زعمتُ في سالف القول، أنّ عرض الكتاب همٌّ ومسؤولية، وهو كذلك بحثٌ مُضنٍ في الأصول والمرجعيات، نجاهد فيه محاولات الربط بين الأشياء التي أوصانا بها الحكيم بوذا، فعل مُضْنٍ في سبيل التدقيق وإعداد حواشٍ تصير-في تحليل غير نهائي- المتنَ بذاته؛ أي عرض الكتاب. لا سبيل إلى تماسُك النص معرفياً أو حتى أيديولوجياً إلا بذاك البحث المضني، وبكلّ «الوعي الشقيّ الممكن»، حتى تنقل لذّة النص إلى كتابةٍ فانيةٍ في دروب السؤال، وبخاصّة في الكتاب الذي يَسمح لك بمُساءلته.
على أنّ الاندفاع في الكتابة على نحو محموم قد ينتهي بإنجازك نصّاً متماسكاً، تماسكاً معرفياً متيناً، ربما حمل كنوزاً شعرية تطال حتى شعرية الصمت حينما تنساب من بين فروج الكلمات، من المنفى والمملكة والصحارى المُلتهبة وحتى التيه والفراغ. ليس ثمّة من فجوات معرفية في عرض الكتاب، وهذا أدْعَى لتَمسُّكنا بتماسك النصّ والحرص على أن يكون دَورُه معرفياً وتنويرياً وبيداغوجياً، بل ونقداً كاشفاً ونافذاً. «أوَليس كلُّ قارئ حقيقيّ كاتباً بالقوّة؟ «حَبْراً» متجذّراً في الكتاب؟»، أو كما تساءل الشاعر الشفيف والفيلسوف إدموند جابيز.
من وجوه «أفعال عرض الكتب» المُشرِقة، التنويعُ فيها، وبألسنٍ مُتعدِّدة إن استطعنا إليها سبيلاً، بمعنى أنّ الطواف في حقول المعارف الإنسانية والعلمية، يبدأ من انفعالات الكاتب العاطفية ومشاغله المعرفية، من آلامه وشقائه، وصولاً إلى الكوني والموضوعي، حالة كونك متحرّراً من سجن اللغة وقواميسها ومعاجمها بل ومتمّرداً عليها، ومن زمن كتابة المؤلّف نفسه، حتى تصل إلى تخوم قطيعة تدفعك إلى تأسيس اختلافٍ ما تؤسّس عليه دوائر المختلف والمؤتلف، في سبيل تماسُك الكتابة وصلابة ومتانة خارطتها النصّية. بل وصولاً إلى أنّ ما تعرضه هو فتوى بأنّ للكتاب عُمُرَ الماء والنار. أحلام كثيرة تُشبه الكتابة، مثلما أن كتابات كثيرة تشبه الحلم، على قول إيكو البارع. وهذا حلمي المُقيم في أنّ فكرة عرض الكتاب ما هي إلا تجمّع لميتافيزيقيات القهوة، و«كلّ التعساء الجالسين في حانات العالم»، أو كما قال الراكز فرناندو بيسوا.
من التاريخ الاجتماعي إلى السياسة القاعدية: الحياة اليومية في السودان (1504-2019)
4 يناير 2024: العدد 11
محجوب محمد صالح «الصحافة السودانية في نصف قرن»
العدد 17: 15 فبراير 2024
«للتاريخ أنياب وأظافر»: «عصر البطولة في سنار» بمنظور اليوم
العدد 19: 29 فبراير 2024
أبْلَقَادِيب: ذاكرة النيل والبحر «عنابر ديم التيجاني» لسيد أحمد بلال
العدد 29: 9 مايو 2024
البحث عن القومية المفقودة: ثورة 1924 وذاكرة مقاومة السودانيين للاستعمار
العدد 61: 16 يناير 2025
أغرب الغرباء عن وطنه: محمود محمد طه، من شظف العيش إلى تآلف الوجود
العدد 62: 23 يناير 2025
صحوة المحكومين في مصر الحديثة: من رعايا إلى مواطنين (1798-2011)
العدد 63: 30 يناير 2025
الثورة السودانية (2018-2019): مقاربة توثيقية- تحليلية لدوافعها ومراحلها وتحدياتها
العدد 66: 20 فبراير 2025
العدد 68: 6 مارس 2025
الصَّلَحي: حين يفصح الرسّام عن ذكرياته
العدد 71: 27 مارس 2025
الحياة والثقافة ودوافع السّرد: حتى يَبلُغ النقدُ غاياته
العدد 74: 24 أبريل 2025
العدد 76: 8 مايو 2025
ذاتيات وثورات وفتوحات واكتشافات: «من نقد الحداثة إلى نقد الحضارة «لمحمد عبد الرحمن «بوب»
العدد 78: 22 مايو 2025
نْقوقي واثيونقو ( 1938 – 2025 ( الكتابة في خدمة الحقيقة، في خدمة الحرّية
العدد 80: 5 يونيو 2025
«السودان وفشل المشروع الإسلامي: نحو مستقبل علماني ديموقراطي» لمحمد محمود
العدد 82: 26 يونيو 2025
«اقتفاء الأثر: مقاربات نقديّة في السّرد السوداني» لهاشم ميرغني
العدد 84: 10 يوليو 2025
«إدوارد سعيد: فكرُه كرواية» مفكّر يكبح سرد الروائي، فيلسوف يشرّح ورد المغنّي
العدد 86: 24 يوليو 2025
«من رفاعة إلى فلورنسا: حوار مع النحّات عبد الرازق عبد الغفار» لفتحي عثمان
العدد 88: 7 أغسطس 2025
«الرّاحلون هُمُو: الماركسية السودانية» لعبد الله علي إبراهيم
العدد 97: 16 أكتوبر 2025



